عاصم أمين
التاريخ لا يعيد نفسه ولا بشكل من الاشكال هذه العبارة التي تبدو كأنها خلاصة حكمة او نظرية معرفة ..تحتاج إلى شيء من التشكيك وإعمال الظن فيها ديكارتياً. فالتاريخ لا يعود بالفعل ذاته ولا بالوجوه ذاتها ولا بالوقائع أو الاحداث في صورتها القديمة الكلاسيكية… لكنه يترك وراءه أنماطاً أو لنقل إرثاً من الخوف والرغبة والانتقام…سرعان ما يعيد المجتمعات البشرية إنتاجها كلما عجزت عن فهم أسبابها و ديالكتيها الذاتية… لا تتكرر الأحداث بقدر ما تتكرر الذهنية ذاتها التي صنعتها ولذلك لا يكون الماضي مجرد سجنا مغلقا وإنما احتمالات مفتوحة لإعادة ارتكاب الحماقة نفسها بأسماء جديدة ورايات مختلفة .و في المشهد السوري ترسم التجربة صورها الواضحة لهذا السياق… لا تبدو المسألة مرتبطة بإمكانية عودة ديكتاتورية “بشار الأسد” كشخص مجرم جينوسايدي مختل عقليا. فالأفراد مهما طال ظلهم مصيرهم ونهايتهم محتومة و ينتهون. السياق التاريخي الأخطر هو أن تنشأ الحاجة إلى ” بشار” آخر… إلى سلطة شبيه ومماثلة له تختبئ خلف الخوف من الفناء من الإلغاء ..إلى جماعة ترى في احتكار القوة والعنف والاستبداد ضمانا لوجودها وديمومتها …إلى أغلبية تشرنق ذاتها داخل طائفية تتعامل مع الدولة المدنية العصرية بوصفها غنيمة حرب تاريخية لا على انها عقدا دستوريا مشتركا بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات والامتثال امام القانون…. قد يغيب الحاكم المستبد لكن شروط ظهوره وتجليه تظل حاضرة تتغذى من نزيف الذاكرة الجريحة ومن الرغبة في الانتقام و الثأر ومن وهم أن خلاص الجماعة أو الطائفة لا يتحقق إلا بإخضاع الجماعات الأخرى….هنا تكمن المفارقة السورية فقد سقط الاستبداد من قصر الشعب، بينما بقى في اللغة والثقافة وفي المخيال والارث الجماعي …بقي في طريقة النظر إلى المختلف. قد تتغير أسماء السجون والمصحات العقلية ولكن لا يتغير المنطق الذي يبررها…. وقد تُرفع شعارات العدالة والحرية والمساواة وحقوق الانسان… لكن تغدو الغاية منها أحياناً تبديل مواقع الضحية والجلاد لا تأسيس معيار وطني ودستوري و قانوني واحد يحمي الجميع… إن الذين طالبوا و يطالبون بالحرية لأنفسهم ثم يبررون اليوم القمع والظلم والجازر الواقعة على خصومهم لا يخرجون من دائرة الاستبداد والجينوسايد…. إنهم يعيدون توزيع أدواره على وجه الدقة..
الطائفية ليست مجرد انتماء ديني أو اجتماعي أو فئوي بل تصبح خطرا سياسيا حين تتحول إلى آلة لتفسير القوانين المدنية على اساس اخلاقي ..وتصبح مرجعية للتاريخ و للتشريع وادارة الدولة والجيش وتصبغها بهويتها الضيقة والخارجة عن منطق التنظيم والتعايش والحياة المعاصرة.. عندها لا يعود المواطن إنسانا له حقوق ومسؤوليات وإنما ممثلا إجباريا لجماعته محكوما بتاريخ لم يختره ومطالبا بدفع ثمن جرائم لم يرتكبها ولا علاقة لها بها…في هذه اللحظة يتراجع العقل السياسي ومنطقه أمام غريزة الحشد والقطيع وتصبح المظلومية رأسمالا حاضرا للاستثمار، ويصبح الخوف مادة خام لصناعة الطاعة العمياء. هكذا تُبنى الاستبداديات الجديدة من حجارة المآسي القديمة…إن أبشع و أمسخ ما يمكن أن يتجلى بعد انهيار نظام قمعي ديكتاتوري هو أن تُعَرّفْ الجماعة التي تحتكر الانتصار أن العدالة تعني امتلاك حق الانتقام وتشييد عادلتها الخاصة.. فالعدالة التي تتحول إلى ثأر باسم المؤسسة السياسية تفقد جوهر معناها ومبررات وجودها و تعُيد تدوير إنتاج العنف والقمع والالغاء والاقصاء… لا يمكن بناء وطن على فكرة أن جماعة ما تستحق الدولة لأنها عانت أو ظُلمت أكثر أو لأنها دفعت ثمناً أكبر أو لأنها ترى نفسها صاحبة الحق الأصلي على اساس عددي. الوطن ليس جائزة تمنحها الحرب لمن استطاع أن يدفع ثمنا اكثر ولمن بقي في المعاناة فترة اطول بل الوطن هو فضاء دستوري وقانوني مدني وأخلاقي مبني على فكرة المواطنة وليس على فكرة الطائفة ولا يستقيم ذلك إلا حين يصبح الحق سابقاً على الهوية وحين تكون الدولة أقوى من العصبية وأضعف من أن تتحول إلى سيد على مواطنيها…ان سوريا احتاجت وتحتاج قبل أي دستور أو انتخابات أو ترتيبات للسلطة إلى قطيعة تاريخية عميقة مع فكرة الجماعة الحارسة للحقيقة لا تمتلك أية جماعة او طائفة او قومية أو حزب في سوريا تفويضا أبدياً لحكم الآخرين ولا توجد جماعة بريئة بصورة مطلقة أو مذنبة بصورة جماعية مطلقة… المسؤولية فردية والحقوق عامة والذاكرة التاريخية لا ينبغي أن تكون خزان وقود لحرب لا نهائية. الاعتراف بالألم بالمظلومية بالإقصاء بالتهميش لا يعني تحويله إلى امتياز سياسي و الوطن الى غنبمة حرب ومحاسبة المجرمين والقتلة والمتورطين لا تعني تجريم جماعات بأكملها…
قد لا يعيد التاريخ “بشار الأسد” لكن الطائفية قادرون على صناعة بشارها الخاص و بنفس الأيادي التي ترفع شعارات الثورة والكرامة. لذلك لا يُقاس التغيير بسقوط اسم او رمز أو نظام ديكتاتوري بل بقدرة المجتمع على منع الشروط والممكنات التي تجعل اعادة انتاج النظام السابقة ورموزه ونمطه قابلا للتحقق ….فالمستبد ليس فرداً فقط ولا جماعة وإنما علاقة بين خوف يتم استثماره وجمهور يتم تعبئته ومؤسسات تفرغ من غاية وجودها ووعي بشريا يقبل أن تكون الحرية حكرا على من يشبهه. وحين لا يتغير هذا كله، يصبح سقوط الطاغية مجرد استراحة قصيرة قبل أن يولد طاغية آخر من رحم الحماقة نفسها.
ولعل سؤالنا الحقيقي هو بأي منطق يُحكم السوريين؟ فاستبدال الحاكم من دون استبدال العلاقة بين السلطة والمجتمع من خلال تعزيز قيم الديمقراطية ونظامها الاداري والسياسي ومن دون الايمان بمنطق الدولة العصرية المدنية واستقلالية السلطات وكتابة دستور يترجم الواقع الديمغرافي المتنوع الحقيقي… يشبه تغيير قناع في مسرحية لا يزال النص ذاته.. الديمقراطية ليست صندوق اقتراع وهمية كما أن الدولة المدنية القانونية ليست مظاهر اعلانية و احتفالية ومواكب سيارات…إنهما تدريب طويل على قبول الخسارة والالم وتجاوزه وعلى حماية الخصم حين يكون ضعيفاً وعلى الاعتراف بأن الاختلاف اللغوي والعرقي والديني والطائفي ليس مؤامرة وأن المعارضة ليست خيانة داخلية…و المجموعات التي لا تحتمل خصومها في لحظة القوة لن تحميها في لحظة الضعف وسيكتشف متأخراً أن القوانين التي صفق لها ضد الآخرين ستصل إليه ذات يوم…والقوانين التي صُفقت لها لنصرة بشار الاسد وديمومة بقاءه مثال حي…إن الخروج من المأزق لا يمر عبر محو الذاكرة الجمعية بل عبر تحريرها من توظيفها سياسيا. الذاكرة التي تبحث عن الإنصاف عن العدل يمكن أن تؤسس للسلام وتخلق مبررات التعايش أما الذاكرة التي تبحث عن الانتقام والثأر وديمومة الخصام فإنها تحتاج إلى نزيف لجرح مفتوح كي تبرر وجودها… لذلك لا بد من عدالة لا تنتقي ضحاياها ومؤسسات لا تسأل المواطن عن طائفته قبل أن تسأله عن حقه وخطاب عام يرفض التعميم كما يرفض التقديس. فالسلم الأهلي ليس هدنة بين جماعات مسلحة وانما اقتناع يومي بأن حياة الآخر ليست تنازلاً مني وأن كرامته لا تنتقص من كرامتي.
عندها فقط يصبح ممكناً أن يتحول التاريخ من مخزن للحماقات إلى مدرسة للحكمة وإلا فإن السوريين وهم في طريهم يحاولون دفن ماضيهم قد يدفنون معه فرصة المستقبل ثم يكتشفون أن القبر الحقيقي لم يكن نهاية الطاغية بل مختبراً لإعادة تدويره من جديد بصورة أكثر قسوة ووضوحاً.
تم نشر هذه المقالة في مجلة صور
https://www.suwar-magazine.org



