مقالات

الصراع الاقليمي و حزب العمال الكوردستاني PKK معادلة الاستثمار السياسي المتبادل بين الحقيقة والواقع – الجزء الاول

محمدالشرف الحسيني
المقدمة
لم يعد الصراع حول الـPKK قضية تركية ــ كوردية محضة، كما لم يعد من الممكن قراءة التنظيم من خلال علاقته بتركيا وحدها.
فخلال أكثر من أربعة عقود، تحوّل الـPKK من تنظيم مسلح نشأ في سياق الصراع الكوردي ــ التركي إلى ظاهرة عابرة للحدود، تمددت تنظيمياً وعسكرياً وسياسياً في أجزاء مختلفة من كوردستان، ودخلت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في شبكة معقدة من العلاقات مع دول وقوى إقليمية ودولية.وصراعات دموية حتى مع الاطراف الكوردية في كل تلك الاجزاء.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فحين يصبح تنظيم كوردي موجوداً في تركيا والعراق وسوريا وإيران، وحين تصبح له تشكيلات أو حركات مرتبطة به أو متأثرة بفكره في أكثر من ساحة، وحين تضطر دول المنطقة إلى التعامل معه أمنياً وسياسياً وعسكرياً، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يريد الـPKK من تركيا؟ او كيف حصل على هذا النفوذ الواسع !؟ وما هي الجهة الاقليمية او العالمية تقف خلف قوته وتمدده!؟
بل أصبح:
ماذا تريد تركيا من الـPKK؟
وماذا تريد سوريا منه؟
وماذا تريد إيران؟
وماذا يريد العراق؟
وماذا يريد إقليم كوردستان؟
وماذا أرادت منه الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي؟
وفي المقابل، ماذا يريد الـPKK من كل هؤلاء؟
هنا تظهر فكرة هذا البحث: الصراع على الـPKK.
فقد يبدو للوهلة الأولى أن الدول هي التي تحاول استخدام الـPKK كورقة في صراعاتها الإقليمية. وهذا صحيح جزئياً في بعض المراحل والساحات، لكنه لا يكفي لفهم الصورة كاملة؛ لأن الـPKK نفسه ليس مجرد ورقة ساكنة في يد الآخرين، بل تنظيم يمتلك مشروعاً وقيادة وشبكات وقوة عسكرية وقدرة على المناورة، ويحاول بدوره أن يستثمر في تناقضات الدول ومخاوفها وصراعاتها.وهذا هو المنطق. وان غير غير ذلك فاننا امام حالة خفية واصابع تتحرك في الظلام
وبعبارة أكثر اختصاراً:
الدول تحاول الاستثمار في الـPKK، والـPKK يحاول الاستثمار في تناقضات الدول.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
فالـPKK تنظيم كوردي الهوية، لكنه نشأ خارج البنية التقليدية للحركة القومية الكوردية، ولم يقدم نفسه تاريخياً باعتباره حزباً كوردياً تقليدياً يعمل ضمن تعددية الأحزاب الكوردية، بل باعتباره مشروعاً ثورياً عابراً للحدود، ذا مرجعية فكرية وتنظيمية مركزية، ثم أعاد لاحقاً تعريف مشروعه السياسي والفكري على نحو مختلف عن مشروع الدولة القومية الكوردية التقليدي.
ولهذا أصبح وجوده في أجزاء كوردستان الأربعة أكثر تعقيداً من مجرد وجود حزب أو حركة سياسية.
وفي المقابل، فإن الدول الأربع التي تتقاسم السيطرة على أجزاء كوردستان لم تتعامل مع الـPKK بالطريقة نفسها.
تركيا خاضت معه أطول وأعنف مواجهة، ثم دخلت في السنوات الأخيرة مساراً سياسياً جديداً بدأ مع مبادرة دولت بهتشلي تجاه عبد الله أوجلان في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وتطور مع دعوة أوجلان في شباط 2025 إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل التنظيم، قبل أن يعلن الـPKK في أيار 2025 قرار حله وإنهاء الكفاح المسلح. وسمحت تركيا بتشكيل تنظيم كوردي مدني وفق الدستور التركي مؤيد بشكل علني للتنظيم ( الارهابي) وفق التعريف التركي للحزب.
أما العراق، فقد وجد نفسه أمام وجود مسلح للـPKK داخل أراضيه، في عهد النظام البعثي وتمدد في عهد الانظمة التالية ، خصوصاً في مناطق شمال العراق وسنجار، وكركوك وفي الوقت نفسه أمام صراعات إقليمية متشابكة جعلت بعض المناطق الحدودية ساحات لتنافس قوى متعددة. وتظهر سنجار بوضوح شديد باعتبارها نموذجاً لتداخل الـPKK مع الحشد الشعبي والقوى المحلية والإقليمية. وتعامل النظام العراقي الحالي مع هذا الواقع امنيا وسياسيا و عسكريا فاستثمر في pkk بما يحقق اهداف النظام في العراق.
أما إيران، فقد تعاملت مع الامتدادات المرتبطة بالـPKK في شرق كوردستان، ولا سيما حزب الحياة الحرة لكوردستان ــ PJAK، ضمن معادلة أمنية وسياسية متغيرة. وتشير دراسات متخصصة إلى وجود روابط تنظيمية وفكرية وقيادية بين PJAK والـPKK، مع بقاء PJAK مؤكداً على تميزه التنظيمي. من جهة نلاحظ توافق تام في مع النظام الايراني حول الحقوق القومية للكورد ومن جهة ثانية نرى اصطدامات واعدامات تجري بشكل مكرر.
وفي سوريا، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً بسبب الحرب السورية وصعود وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، والعلاقة التي تصفها مصادر مختلفة بدرجات متفاوتة بين هذه البنى والـPKK، في الوقت الذي دعمت فيه الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية عسكرياً في مواجهة تنظيم داعش، مع إبقاء واشنطن في الوقت نفسه على تصنيف الـPKK تنظيماً إرهابياً.وكان لنظام البعث السوري دور في تقوية نفوذ pkk في عموم الساحة الكوردستانية .وقدمت دعما له بتقنين وحذر تجاه العمليات المسلحة للحزب داخل تركيا.
وهكذا لم يعد الـPKK مجرد طرف في صراع واحد.
لقد أصبح جزءاً من شبكة صراعات:
تركيا ــ الـPKK
إيران ــ القوى الكوردية المسلحة
بغداد ــ أربيل
أربيل ــ الـPKK
أنقرة ــ طهران
واشنطن ــ أنقرة
واشنطن ــ القوى الكوردية في سوريا
دمشق ــ القوى الكوردية
والحدود العراقية ــ السورية ــ التركية ــ الإيرانية كمساحة واحدة متداخلة.
لكن يبقى السؤال الأكثر حساسية:
هل حجم الـPKK العسكري والتنظيمي والسياسي والشعبي يكفي فعلاً لكي يقدم نفسه ممثلاً للكورد في الأجزاء الأربعة من كوردستان؟
وهل يستطيع العمل وسط هذا التشابك الاقليمي والدولي كقوة مستقلة !؟
وهنا ينبغي ألا نخلط بين أشياء مختلفة.
فالقوة العسكرية ليست هي الشعبية.
والانتشار الجغرافي ليس هو التمثيل الوطني.
والقدرة على فرض وجودك على طاولة التفاوض ليست تفويضاً شعبياً.
والاعتراف بك من دولة أو تحالف دولي لأداء وظيفة أمنية معينة لا يعني بالضرورة الاعتراف بمشروعك القومي والسياسي كاملاً.
ومن هذه النقطة يبدأ البحث.
الفصل الأول
الـPKK خارج المدرسة التقليدية للحركة القومية الكوردية
لفهم الصراع على الـPKK، لا بد أولاً من فهم الـPKK نفسه.
فأحد الأخطاء الأساسية في قراءة التنظيم هو وضعه تلقائياً داخل الخريطة التقليدية للأحزاب والحركات القومية الكوردية، وكأنه حزب كوردي آخر يختلف مع بقية الأحزاب في الوسائل أو القيادات أو الأولويات.
المسألة أعمق من ذلك.
فالـPKK نشأ بوصفه مشروعاً ثورياً مسلحاً ذا خلفية ماركسية ــ لينينية، ثم تطور فكره السياسي والتنظيمي عبر العقود، وانتقل من خطاب الدولة القومية الكوردية والاستقلال إلى صياغات أخرى، أبرزها مفهوم الديمقراطية الكونفدرالية، مع بقاء عبد الله أوجلان مرجعية فكرية وتنظيمية مركزية في بنية الحركة.
ولهذا فإن علاقته بالحركة القومية الكوردية التقليدية لم تكن علاقة تطابق.ولا تعاون .
بل كانت، في كثير من المراحل، علاقة منافسة وتعارض ومحاولة لإعادة تعريف معنى القضية الكوردية نفسها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط البحث.
فالـPKK يقول، بصورة أو بأخرى، إنه لا يعمل من أجل جزء من كوردستان فقط، بل ينظر إلى القضية باعتبارها قضية مترابطة عابرة للحدود.
لكن هذه الرؤية نفسها تضعه في مواجهة سؤال آخر:
من أعطى تنظيماً واحداً حق تعريف القضية الكوردية في جميع أجزائها؟
فالكورد في تركيا ليسوا نسخة سياسية من كورد العراق.
وكورد سوريا ليسوا نسخة من كورد إيران.
وكورد العراق لديهم تجربة سياسية ومؤسساتية مختلفة جذرياً عن تجربة الكورد في تركيا أو سوريا أو إيران.
بل إن داخل كل جزء من هذه الأجزاء تعددية سياسية واجتماعية وفكرية كبيرة.
ومن هنا يصبح الادعاء بتمثيل الكورد جميعاً قضية تحتاج إلى أكثر من القوة والتنظيم والانتشار.
تحتاج إلى قبول سياسي وشعبي.
مركزية المرجعية
من أهم ما يميز تجربة الـPKK أن التنظيم لم يبنِ نفسه على نموذج التحالف الفضفاض بين أحزاب كوردية متساوية، بل على بنية تنظيمية ذات مرجعية مركزية قوية.
وهذه المركزية كانت أحد مصادر قوته.
لكنها في الوقت نفسه كانت أحد أسباب الخلافات بينه وبين قوى كوردية أخرى.
فالحزب الذي يملك مشروعاً خاصاً ومرجعية فكرية خاصة وشبكة تنظيمية عابرة للحدود يستطيع أن يكون أكثر قدرة على الحركة من حزب محصور في حدود جغرافية محددة.
لكن هذه الميزة نفسها قد تتحول إلى مشكلة عندما ينتقل من سؤال:
كيف أحافظ على تنظيمي؟
إلى سؤال:
كيف أمثل شعباً بأكمله؟
فهنا لا يعود التنظيم وحده كافياً.
وهنا أيضاً تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في علاقة الـPKK ببقية الأحزاب الكوردية.
فالاختلاف بين الأحزاب الكوردية أمر طبيعي، بل هو جزء من طبيعة المجتمع السياسي الكوردي.
لكن الاختلاف شيء، وتحويل الآخرين إلى مجرد أجنحة أو حلفاء تابعين لمركز سياسي واحد شيء آخر.
ومن هنا يمكن فهم كثير من التوترات التي ظهرت بين الـPKK وبعض القوى الكوردية الأخرى، خصوصاً عندما انتقلت المنافسة من المجال السياسي إلى الجغرافيا والسلاح والنفوذ.
القضية الكوردية أم مشروع الـPKK؟
ربما يكون هذا السؤال هو الأصعب في البحث كله.
هل الـPKK هو التعبير الأكثر اتساعاً عن القضية الكوردية؟
أم أنه أحد التعبيرات عنها؟
الجواب التاريخي والسياسي لا يمكن اختزاله بشعار.
فالـPKK يمثل تياراً كوردياً واسعاً وله حضور حقيقي، لكنه ليس من المنهجي تحويل وجوده وقوته إلى دليل تلقائي على احتكاره لتمثيل جميع الكورد.
وهنا يجب أن تبقى قاعدة البحث واضحة:
القوة تستطيع أن تفرض نفسها على طاولة التفاوض، لكنها لا تمنح وحدها تفويضاً شعبياً.
وهذا لا ينتقص من القوة التاريخية التي راكمها التنظيم، بل يضعها في مكانها الصحيح.
فالجيش ليس انتخابات.
والسلاح ليس استفتاءً.
والانتشار ليس بالضرورة إجماعاً.
والقدرة على الصمود أربعين عاماً لا تعني بالضرورة أن مشروعك هو المشروع الوحيد الممكن للشعب الذي تقول إنك تمثله.
وهذه النقطة ستصبح أكثر وضوحاً عندما ننتقل من التنظيم نفسه إلى الدول التي تعاملت معه.
الفصل الثاني
الدول الأربع والاستثمار في الـPKK
إذا كان الـPKK قد خرج من حدود تركيا، فإن الصراع حوله خرج أيضاً من الحدود التركية.
ولذلك فإن فهم موقع التنظيم اليوم يتطلب النظر إلى الدول الأربع التي تتقاسم السيطرة على أجزاء كوردستان، لا باعتبارها كتلة واحدة، بل باعتبار كل دولة صاحبة حساباتها الخاصة.
فتركيا ليست العراق.
والعراق ليس إيران.
وإيران ليست سوريا.
وإقليم كوردستان، رغم أنه ليس دولة مستقلة، يمثل حالة سياسية كوردية مختلفة تماماً عن الحالات الأربع الأخرى.
ومن هنا فإن عبارة الاستثمار في الـPKK لا تعني بالضرورة التحالف معه دائماً، ولا تعني دائماً دعمه مالياً أو عسكرياً.
قد يكون الاستثمار عبر الحرب.
وقد يكون عبر التفاوض.
وقد يكون عبر الاحتواء.
وقد يكون عبر استخدام وجوده لإضعاف خصم آخر.
وقد يكون عبر دفعه إلى موقع معين في المعادلة الإقليمية.
أولاً: تركيا
تركيا هي الدولة التي خاضت مع الـPKK أطول صراع مباشر وأكثره دموية.
لكن المفارقة أن الدولة التي بنت جزءاً كبيراً من سياستها الأمنية على مواجهة الـPKK، بدأت في مرحلة لاحقة بمحاولة تحويل الصراع نفسه إلى مسار سياسي.
وفي تشرين الأول 2024 طرح دولت بهتشلي، حليف الرئيس رجب طيب أردوغان، مبادرة علنية تجاه عبد الله أوجلان، ربط فيها إمكانية الحديث أمام البرلمان بإعلان نهاية التمرد وحل التنظيم.
ثم جاء نداء أوجلان في شباط 2025 لإنهاء الكفاح المسلح وحل الـPKK، قبل إعلان التنظيم في أيار 2025 حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح.
وهنا نصل إلى التحول الذي يمثل محوراً مهماً في بحثنا:
تركيا لم تعد تتعامل مع الـPKK فقط باعتباره عدواً عسكرياً؛ بل بدأت تتعامل معه أيضاً باعتباره ملفاً يمكن إعادة توظيفه سياسياً وأمنياً.
وهذا هو المعنى الذي نقصده بالاستثمار.
ليس بالضرورة أن تكون الدولة قد أصبحت صديقة للتنظيم.
بل إن الاستثمار السياسي قد يكون في إنهاء التنظيم، أو تفكيك بنيته المسلحة، أو إعادة إدخال القضية التي حملها إلى النظام السياسي بشروط جديدة.
وهذا يفسر لماذا أصبحت تركيا، في المرحلة الأخيرة، طرفاً مركزياً في إعادة تشكيل مستقبل الـPKK.
ثانياً: سوريا
في سوريا أخذت العلاقة شكلاً مختلفاً. البعث السوري استثمر في pkk كثيرا قبل الحرب الداخلية وقبلها ومنذ السنين الاولى لميلاد pkk
الحرب السورية أوجدت فراغاً جغرافياً وسياسياً كبيراً، وسمحت للقوى الكوردية المسلحة ببناء حضور عسكري وإداري واسع في شمال وشرق البلاد.
ثم ظهرت قوات سوريا الديمقراطية باعتبارها الشريك المحلي الأساسي للتحالف الدولي في الحرب ضد داعش.
لكن العلاقة بين هذه القوى والـPKK ظلت موضع خلاف سياسي وأمني، ولا سيما بالنسبة لتركيا التي تنظر إلى وحدات حماية الشعب باعتبارها مرتبطة بالـPKK. وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة على دور قوات سوريا الديمقراطية في محاربة داعش، مع استمرار تصنيفها للـPKK تنظيماً إرهابياً.
إذن نحن أمام معادلة مركبة:
واشنطن تحتاج إلى قوة محلية فعالة ضد داعش،
وتركيا تنظر إلى البنية الكوردية المسلحة في سوريا من زاوية أمنها القومي،
والقوى الكوردية في سوريا تحاول الحفاظ على مكاسبها،
والـPKK يمثل بالنسبة إلى هذه المعادلة عاملاً يتجاوز الحدود السورية.
ولهذا لم تكن سوريا مجرد ساحة سورية.
كانت ساحة تتقاطع فيها تركيا والـPKK والولايات المتحدة وروسيا وإيران ودمشق والقوى الكوردية. وهنا pkk
ثالثاً: إيران
أما إيران فالحكاية أكثر تعقيداً.
فإيران لم تتعامل مع الـPKK بمنطق ثابت طوال العقود الماضية.
وقد وثقت دراسات متخصصة علاقات وروابط بين الـPKK وحزب الحياة الحرة لكوردستان PJAK، مع وجود تقاطع في القيادة والبنية والأيديولوجيا، في حين يصر PJAK على تميزه عن الـPKK. كما شهدت العلاقات بين التنظيم وإيران مراحل من المواجهة ومراحل أخرى اتسمت بدرجات مختلفة من التهدئة والتقاطع في المصالح.
وهنا تظهر إحدى مفارقات المنطقة:
الدولة التي تخشى من انتقال المشروع الكوردي إلى داخل حدودها قد تستخدم أحياناً التناقضات الكوردية نفسها في إدارة أمنها الإقليمي.
ولا يعني ذلك أن كل علاقة بين إيران والـPKK هي تحالف معلن أو ثابت.
بل يعني أن التقاطعات الأمنية بين الخصوم يمكن أن تتغير بحسب المرحلة.
وقد أشارت تحليلات إلى أن إيران والـPKK تقاطعت مصالحهما في مراحل معينة، خصوصاً في مواجهة النفوذ التركي أو في سياق التنافس داخل إقليم كوردستان. والحدث السوري جعل ايران ينسق مع pkk في المجال العسكري والامني والسياسي وكان التنسيق ظاهرا على الواقع رغم التصريحات المعادية بين الطرفين.
رابعاً: العراق
العراق حالة أكثر تعقيداً من الدول الأخرى؛ لأن وجود الـPKK في شمال العراق لم يكن مجرد علاقة بين تنظيم ودولة، بل دخل في بنية عراقية وإقليمية شديدة التعقيد.
فقنديل أصبح أحد أهم مراكز وجود الـPKK.
وسنجار تحولت، خصوصاً بعد حرب داعش، إلى مثال صارخ على تداخل القوى المسلحة العابرة للحدود مع القوى العراقية المحلية.
وتشير دراسة تشاتام هاوس إلى أن الـPKK والحشد الشعبي أصبحا من القوى الأساسية المؤثرة في سنجار، وأنهما تعاونا وتنافسا في الوقت نفسه على النفوذ والسيطرة. كما أشارت إلى أن سنجار أصبحت نقطة اتصال بين صراعات العراق وسوريا وتركيا والقوى الإقليمية.
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
ليس من الصحيح اختزال العراق كله في موقف واحد من الـPKK.
فبغداد نفسها انتقلت في السنوات الأخيرة إلى تعاون أمني أكبر مع تركيا ضد التنظيم؛ وفي آب 2024 وقعت تركيا والعراق مذكرة تفاهم حول التعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب، في سياق تقارب أمني مرتبط بملف الـPKK.
وفي الوقت نفسه، فإن بعض الفصائل المسلحة العراقية كانت تتقاطع مع وجود الـPKK في مناطق مثل سنجار.
إذن العراق لم يكن لاعباً واحداً.
كان ساحة تتصارع فيها الدولة، والحشد، وإقليم كوردستان، وتركيا، وإيران، والـPKK، والقوى المحلية.
خامساً: إقليم كوردستان
أما إقليم كوردستان، فله وضع مختلف.
فهو ليس دولة من الدول الأربع التي نتحدث عنها، لكنه يمثل أحد أهم مراكز القوة السياسية الكوردية في المنطقة.
ومن هنا أصبحت العلاقة بينه وبين الـPKK علاقة شديدة الحساسية.
فإقليم كوردستان يمتلك تجربة مؤسساتية وسياسية واقتصادية مختلفة، بينما يمثل الـPKK مشروعاً عابراً للحدود وله وجود عسكري في مناطق داخل الإقليم.
وهكذا وجد الإقليم نفسه في معادلة صعبة:
من جهة، هو جزء من الحركة السياسية الكوردية العامة.
ومن جهة أخرى، عليه أن يدير علاقاته مع تركيا وإيران وبغداد والولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، عليه أن يتعامل مع وجود الـPKK داخل جغرافيته.ومن المنطلق القومي.
وهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف كوردي ــ كوردي.
بل تصبح جزءاً من صراع إقليمي على الجغرافيا والنفوذ.
الفصل الثالث
التحالف الدولي: الاستثمار الوظيفي مقابل الثقة السياسية
إذا كانت الدول الإقليمية قد تعاملت مع الـPKK كلٌّ وفق مصالحها، فإن الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي قد تعاملت مع البيئة المرتبطة به بطريقة مختلفة.
وهنا تظهر عبارة مهمة:
الاستثمار الوظيفي لا يعني بالضرورة الثقة السياسية.
فالولايات المتحدة احتاجت إلى قوة برية محلية في سوريا لمحاربة داعش.
وكانت قوات سوريا الديمقراطية القوة الرئيسية التي تعاونت معها واشنطن في هذا المجال.
لكن هذا التعاون لم يكن، في حد ذاته، إعلاناً بتبني المشروع السياسي للـPKK. وكان التحالف الدولي يعلم جيدا عن شبكة العلاقات السرية و العلنية ل pkk مع دول الجوار.
وهذه نقطة يجب عدم الخلط بينها.
فالولايات المتحدة تصنف الـPKK تنظيماً إرهابياً، وفي الوقت نفسه كانت تتعامل مع قوات سوريا الديمقراطية بوصفها شريكاً مهماً في محاربة داعش. وقد أكد مسؤولون أمريكيون هذا الفصل بصورة واضحة، مع الإقرار بحساسية العلاقة بين QSD وYPG والـPKK.
وهكذا نشأت معادلة شديدة الغرابة:
واشنطن تحارب داعش بواسطة قوة ترى تركيا أن جوهرها الكوردي مرتبط بالـPKK، بينما واشنطن نفسها تبقي الـPKK على قائمة التنظيمات الإرهابية.
هذه ليست مفارقة بسيطة.
إنها تعبير عن طبيعة السياسة الدولية نفسها.وتشابك القضايا.
الدولة لا تتعامل دائماً مع الحلفاء أو الشركاء على أساس التطابق الأيديولوجي.
أحياناً تحتاج إلى طرف معين لوظيفة محددة.
وهنا يمكن أن يكون التعاون العسكري واسعاً، بينما تبقى الثقة السياسية محدودة.
ولهذا فإن العلاقة بين التحالف الدولي والقوى المرتبطة بالـPKK يجب أن تقرأ من زاويتين:
الأولى: الوظيفة العسكرية.
محاربة داعش، استعادة الأراضي، منع عودة التنظيم، حماية السجون والمخيمات، وملاحقة خلاياه.
والثانية: الحدود السياسية.
عدم تبني مشروع الـPKK باعتباره مشروعاً سياسياً دولياً، وعدم إلغاء العلاقة الاستراتيجية مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي.
وقد ظهر هذا التناقض بصورة واضحة منذ معركة الرقة وما سبقها، حيث أشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن القوة الأساسية في SDF كانت YPG، التي رأت فيها تركيا امتداداً للـPKK، بينما رأت واشنطن فيها شريكاً عسكرياً فعالاً ضد داعش.
إذن كان استثمار التحالف في هذه القوة استثماراً وظيفياً بالدرجة الأولى.
وهذا يختلف جذرياً عن أن تقول:
إن التحالف الدولي تبنى مشروع الـPKK.
لم يحدث ذلك.
بل إن التحالف استفاد من قوة موجودة على الأرض لتحقيق هدف عسكري محدد.
وهذه نقطة مهمة جداً في فهم حجم الـPKK.
لأن التنظيم يستطيع أن يقول:
لقد أصبحت قوة لا يمكن تجاوزها.
وهذا صحيح من ناحية القدرة على فرض نفسه في بعض الملفات.
لكن لا يمكن الانتقال من هذه الحقيقة إلى نتيجة أخرى تقول:
إذن أصبح ممثلاً شرعياً لكل الكورد.
فهذه قفزة منطقية لا يثبتها التعاون العسكري وحده.
الفصل الرابع
من الاستثمار في الـPKK إلى استثمار الـPKK في الآخرين
هنا نصل إلى قلب البحث.
فالقراءة التقليدية تقول:
الدول تستخدم الـPKK.
لكن هذه القراءة ناقصة.
لأن الـPKK ليس تنظيماً بلا إرادة.
وليس قوة تنتظر أن يقرر الآخرون مصيرها.
لقد تمكن خلال عقود طويلة من بناء تنظيم عابر للحدود، وتكوين شبكات سياسية وعسكرية واجتماعية، والاستفادة من الجغرافيا الجبلية، ومن التناقضات بين دول المنطقة، ومن الحروب التي اندلعت في العراق وسوريا، ومن الصراع الدولي مع داعش.
وبالتالي فإن العلاقة لم تكن باتجاه واحد.
الدول تستثمر في الـPKK، والـPKK يستثمر في الدول.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة.
فحين تكون تركيا في صراع مع الـPKK، يصبح وجود التنظيم في العراق ورقة تركية وعراقية وكوردية.
وحين تكون إيران في مواجهة نفوذ تركيا، يمكن أن يصبح وجود الـPKK أو القوى القريبة منه جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي.
وحين تدخل الولايات المتحدة الحرب ضد داعش، يصبح وجود القوى الكوردية المسلحة ورقة عسكرية ذات قيمة.
وحين تتصارع بغداد وأربيل على النفوذ والجغرافيا، تصبح المناطق التي يوجد فيها الـPKK جزءاً من معادلة أكبر.
وهكذا يتحول التنظيم من مجرد طرف في الصراع إلى موقع داخل الصراع.
الـPKK لا يرى نفسه تابعاً
وهنا نصل إلى نقطة جوهرية في فهم التنظيم.
فالـPKK لا يقدم نفسه باعتباره قوة تابعة لأي دولة من دول المنطقة.
بل يرى نفسه صاحب مشروع مستقل.
ومن منظوره، فإن وجود قواته أو القوى المرتبطة به في العراق أو سوريا أو إيران لا يعني أنها خاضعة لهذه الدول، بل يعني أن التنظيم يعمل ضمن مشروعه الخاص، وأن الدول مضطرة، في لحظات معينة، إلى التعامل معه لأنه موجود على الأرض وقادر على التأثير.
وهذا التفسير مهم لفهم سلوك التنظيم.
فإذا كانت الدولة تريد منه شيئاً، فهو يريد منها شيئاً أيضاً.
وإذا كانت الدولة تحاول استخدامه ضد خصم، فهو يحاول استخدام هذا الخصم أو تلك الدولة للحصول على مساحة أكبر.
وإذا كانت دولة تخشى تمدده، فإنه يحاول تحويل هذا الخوف إلى ورقة تفاوض.
وهنا تصبح العلاقة أشبه بلعبة متعددة المستويات.
الدولة تريد احتواء الـPKK.
والـPKK يريد توسيع هامش حركته.
الدولة تريد أن تمنع انتقال الصراع إلى أراضيها.
والـPKK يريد أن يحافظ على جغرافيته العابرة للحدود.
الدولة تريد أن تمنع احتكار الـPKK للقرار الكوردي.
والـPKK يريد أن يحافظ على موقعه باعتباره التنظيم الأكثر قدرة على الحركة عبر الحدود.
من التنظيم المسلح إلى اللاعب الإقليمي
وهنا تكمن النقلة التاريخية.
فالـPKK لم يعد مجرد تنظيم يخوض حرب عصابات داخل تركيا.
لقد أصبح لاعباً يتأثر به أمن العراق وسوريا وتركيا وإيران، وتتقاطع معه مصالح الولايات المتحدة وقوات التحالف، وتدخل في ملفه قوى كوردية وعربية وإقليمية.
وهذا الحجم من التشابك هو الذي جعل الدول تتعامل معه، سواء بالحرب أو التفاوض أو الاحتواء أو الشراكة الوظيفية.
لكن هنا يجب أن نفرق بين أمرين:
حجم التأثير، وحجم التمثيل.
يمكن لتنظيم أن يكون مؤثراً جداً من دون أن يكون ممثلاً لكل الشعب.
ويمكن لتنظيم أن يمتلك قوة عسكرية كبيرة دون أن يمتلك تفويضاً سياسياً شاملاً.
ويمكن لتنظيم أن يصبح طرفاً لا تستطيع الدول تجاهله، دون أن يصبح بالضرورة صاحب الحق الحصري في الحديث باسم أمة بأكملها.
وهذا يقودنا إلى السؤال الذي سيصبح محور الفصول التالية:
هل نجح الـPKK في تحويل قوته العسكرية والتنظيمية إلى تمثيل كوردي شامل؟
أم أن ما تحقق حتى الآن هو شيء مختلف:
أن الـPKK أصبح قوة لا يمكن تجاوزها في كثير من الملفات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أصبح القوة التي تمثل الجميع؟
المفارقة الكبرى
ربما تكون المفارقة الكبرى في تاريخ الـPKK أن خصومه أنفسهم ساهموا، بصورة أو بأخرى، في رفع مكانته.
تركيا جعلت منه القضية الأمنية الكوردية الأكبر لعقود.
الحرب في العراق منحته جغرافيا ومساحة حركة.
الحرب على داعش منحته حضوراً دولياً وعسكرياً غير مسبوق.
الحرب السورية منحته مجالاً جديداً للحركة.
الصراع الإقليمي بين تركيا وإيران والعراق وسوريا فتح أمامه مساحات للمناورة.
والانقسامات داخل الحركة السياسية الكوردية جعلت وجوده أكثر بروزاً.
لكن في الوقت نفسه، فإن هذا كله لا يحسم السؤال السياسي.
فقد يكون التنظيم قوياً جداً.
وقد يكون منتشراً جداً.
وقد يكون قادراً على التأثير في أربع دول.
وقد يكون قادراً على الوصول إلى طاولة المفاوضات الدولية.
لكن السؤال يبقى:هل كل ذلك يساوي تمثيل الشعب الكوردي؟
هنا تبدأ المرحلة الأصعب من البحث.
لأننا ننتقل من سؤال: من يملك السلاح؟
إلى سؤال: من يملك الشرعية السياسية؟
ومن سؤال: من يستطيع فرض نفسه؟
إلى سؤال: من اختاره الناس ليمثلهم؟
ومن سؤال:من يتحدث باسم الكورد؟
إلى السؤال الأكثر حساسية:من أعطاه هذا الحق؟

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى