سليمان علي
شهدت القضية الكردية على مدى عقود طويلة تداخلات معقدة بين العمل المسلح والجهود السياسية، وكان لافتاً في هذا السياق تقاطع المسارات بين شخصيتين بارزتين: عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في تركيا، والدكتور محمود عثمان، السياسـي والمستشار الكردي العراقي المستقل. يثير هذا التقاطع تساؤلات جوهرية حول طبيعة التواصل بين الرجلين قبل السجن وأثنائه وبعده، وحدود الدور الذي لعبه عثمان مع حزب مصنف على قوائم الإرهاب الدولية.
قبل وقوع عبد الله أوجلان في الأسر عام 1999، عاش في العاصمة الإيطالية روما مرحلة حرجة من الملاحقة والبحث عن ملاذ سياسي. في تلك الآونة، كان الدكتور محمود عثمان حاضراً كمرجعية استشارية مستقلة بحكم إرثه الطويل في الحركة القومية الكردية. وتؤكد الشهادات التاريخية والصحفية أن أوجلان اتصل هاتفياً بعثمان في آخر ليلة له في روما قبل مغادرتها نحو مصيره في كينيا، مستشيراً إياه في خياراته السياسية والقانونية المقبلة، مما يعكس حجم الثقة في قراءة عثمان للمشهد الدولي.
لم ينقطع هذا الخيط مع دخول أوجلان سجن جزيرة إمرالي وبدء محاكمته الشهيرة. فرغم الجدران السميكة، استطاع أوجلان تمرير رسالة استشارية غير مباشرة عبر محاميه أو المقربين منه إلى عثمان، متمحورة حول كيفية إدارة دفة المحاكمة. كان أوجلان يبحث عن نصيحة لتحويل قاعة المحكمة من منصة لتوجيه التهم والاحكام إلى منبر يعرض قضية شعبه أمام العالم. ورغم هذه المشورة، تبنى عثمان لاحقاً موقفاً نقدياً حيال أداء أوجلان في المحكمة، معرباً عن عتبه لأن الأخير دافع عن نفسه بلغة تركية طليقة بدلاً من استخدام لغته الأم لإبراز الهوية القضائية، وشبهه في شهاداته بـ “البلبل في القفص”.
أما في المرحلة الممتدة بعد المحاكمة وحتى يومنا هذا، وفي ظل العزلة المشددة المفروضة على زعيم حزب العمال، تحول تواصل عثمان إلى مبادرات ومواقف سياسية علنية. فقد نشط عثمان في المطالبة برفع العزلة عن أوجلان لأسباب إنسانية وقانونية، داعياً إلى إشراكه أو الاستماع لرأيه كجزء أساسي من أي “عملية سلام” أو تسوية سياسية حقيقية داخل تركيا، انطلاقاً من قناعة تحليلية بأن مقاتلي الحزب لا يخطون خطوة استراتيجية دون توجيهات منظّرهم الأول.
يقودنا هذا إلى تفكيك طبيعة صلات محمود عثمان بحزب العمال الكردستاني ككيان مدرج على قوائم الإرهاب من قِبل تركيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. من خلال قراءة موضوعية لمواقف عثمان، يتضح أن علاقته بالحزب لم تكن تنظيماً ولا ولاءً عقائدياً، بل كانت صلة “وسيط سياسي مستقل” ورجل دولة. تمحور دوره حول تقريب وجهات النظر ومحاولة حقن الدماء، لا سيما في فترات الاقتتال الكردي-الكردي بين فصائل كردستان العراق وحزب العمال.
وقد تبنى عثمان أسلوباً نقدياً متوازناً تجاه الحزب؛ إذ أعلن في مناسبات عدة عدم تأييده للأساليب المسلحة والمتطرفة التي ينتهجها حزب العمال، معتبراً إياها سبباً في جلبه لسمعة الإرهاب والإضرار بالعمق الاستراتيجي للإقليم. وفي المقابل، انتقد عثمان التوظيف السياسي لـ “قائمة الإرهاب” من قِبل القوى الإقليمية والدولية، معتبراً إياها ذريعة للتهرب من الحلول السياسية، وحث مراراً على رفع الحظر عن الحزب كخطوة تشجيعية ليدع مقاتلوه السلاح وينخرطوا في العمل السياسي الشرعي.
المراجع والتوثيقات التاريخية:
* تقرير ومقال الصحفي كريس كوتشيرا في صحيفة
السويسرية، الصادر بتاريخ 17 فبراير 1999، الذي وثق الاتصال الهاتفي الأخير لأوجلان من روما مع محمود عثمان.
* أرشيف ومحاضر برنامج “أكثر من رأي” على شبكة الجزيرة الإعلامية (حلقة يونيو 1999)، والتي تضمنت نقاشاً موسعاً ومواقف مباشرة للدكتور محمود عثمان حول اعتقال أوجلان وسياسات حزب العمال الكردستاني.
* مذكرات سياسية وتقارير منشورة عبر وكالات أنباء كردية (مثل وكالة فرات للأنباء ANF)، والتي وثقت تصريحات ومواقف عثمان النقدية حول إدارة أوجلان لمحاكمته، ومطالباته اللاحقة بإنهاء عزلته في سجن إمرالي لدعم مسار السلام.



