مقالات

هل اللاجئ عبء ام مكسب للدولة المضيفة ؟ ( المانيا نموذجا )

جوان أيو

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن اللاجئين عموما والسوريين خصوصا في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي اروقة المؤسسات الرسمية للدول المضيفة لهم، وتحديدا دول الاتحاد الأوربي لاسيما بعد فوز حزب البديل AFD الألماني في ولاية سكسونيا انهالت…

والسؤال المطروح هو:

هل حقا ان اللاجئين يشكلون عبئا على اقتصاديات هذه الدول ؟ ام انهم ذو مكسب وفائدة لهم؟

وفي هذا المقال سنحاول الاجابة على هذين السؤالين من الناحية الاقتصادية البحتة فقط، دون الخوض في النواحي الاجتماعية والسياسية والثقافية والقانونية….

نعم اللاجئ هوعبء على اقتصاديات الدول المضيفة وذلك في السنوات الاولى من اللجوء، ولكن على المدى المتوسط والطويل يصبحون ذو فائدة كبيرة لهذه الدول مع مرور السنوات على لجوئهم ومدى اندماجهم في المجتمعات المحلية، ولا يخفى على احد ولن نذيع سرا ما تعانيه الدول الأوروبية من خلل في التركيب السكاني لصالح الفئة المتقدمة في العمر وما يترتب على ذلك من تخصيص جزء كبير من ميزانياتها لصالح المتقاعدين ودور الرعاية الخاصة بالسنين، وتعاني معظم هذه الدول نقصا حادا في قطاع الشباب العامل ،وخاصة في مجالات عمل معينة كالبناء والصناعة والخدمات الأخرى، وبالتالي يشكل اللاجئين رافدا هاما لاقتصاديات هذه الدول . وباعتقادي الشخصي ان هذه الدول تضع استراتيجيات اقتصادية خاصة في هذا المجال ( الاستثمار في اللاجئين ) وهو موضوع اخر يحتاج لمقال خاص .

ولنعود الان لمناقشة السؤالين الرئيسيين  اللذين طرحناهما في بداية المقال…

اولاً: لماذا اللاجئ عبء في السنوات الاولى من اللجؤ؟

في السنوات الثلاث الأولى يكون اللاجئ عبء على الاقتصاد المحلي وذلك يعود لعدة اسباب نذكر منها:

1- التكاليف المباشرة: حيث تعمل هذه الدول عند استقبال اللاجئين على تامين سبل الحياة ة والعيش الكريم لهم من مسكن وملبس وماكل وصحة وتعليم …

عبر المساعدات التي تخصم من ميزانياتها الخاصة او مساعدات المنظمات الدولية.

2- الضغط على قطاع الخدمات: حيث يشكل اللاجئين ضغطا كبيرا على المدارس والمستشفيات وباقي الخدمات على حساب المجتمع المحلي.

3- تخلخل سوق العمل: حيث ينافس هؤلاء اللاجئين العمالة المحلية وخاصة غير الماهرة مما يؤدي الى تدني الأجور بسبب قبول اللاجىء مكرها بدافع الحاجة  العمل باجور متدنية وهذا يؤدي الى عزوف العامل المحلي عن العمل بهذه الاجور، مما يزيد نسبة البطالة بينهم، او تدني مستوى معيشتهم ان قبلوا العمل بهذه الاجور الزهيدة .

ثانياً: كيف يصبح اللاجئ ذو مكسب وفائدة ؟

بعد مرور اكثر من خمس سنوات وحتى عشر يصبح اللاجىء ذو فائدة ومكسب لهذه الدول لانخراطه في سوق العمل بشكل رسمي وقانوني ويصبح كباقي المواطنين يدفع الضرائب والتأمينات والرسوم، مما يساهم في دعم ميزانيات هذه الدول الى جانب المساهمة في نمو الاقتصاد المحلي في عدة مجالات:

1- قوة عمل شابة و جديدة: حيث يعوض هؤلاء اللاجئين النقص السكاني الحاد لهذه الدول، فمعظم اللاجئين وخاصة الشباب يعملون في مجالات الرعاية والمطاعم والبناء و…

-2 الإنتاج والاستهلاك: ان دورة الاقتصاد والنمو تقوم على معادلة الإنتاج والاستهلاك، وفق قانون العرض والطلب ،ولا شك أن دخول اللاجئين سوق العمل المحلية يرفع الإنتاج وبالتالي يزداد الاستهلاك من السلع والخدمات الى جانب الاستثمارات الخاصة بهم (15000 شركة سورية في تركيا ) .

-3   المهارات: ساهم اللاجئين في سد النقص الحاصل في مجال القوة العاملة الماهرة ايضا وخاصة في القطاع الطبي والهندسة والاعمال الحرفية وهذا يفسر استهداف بعض هذه الدول لفئة معينة من اللاجئين ( كندا، استراليا…)

4- الضرائب والتأمينات: بعد دخول اللاجئين في سوق العمل الرسمي فإنهم يصبحون مصدرا لرفد ميزانية الدولة عبردفع الضرائب والتأمينات والرسوم المختلفة كباقي اقرانهم من العاملين المحليين.

  • ( المانيا نموذجاً ):

بعد ان قدمنا عرضا عاما لمدى فائدة اللاجئين لدول اللجؤ سنحاول تسليط الضوء على التجربة الألمانية مع اللاجئين السوريين في ضوء السؤالين المطروحين في اول المقال كنموذج :

اولًا: اللاجئ السوري كعبء على الاقتصاد الألماني:

استقبلت المانيا عام 2015 حوالي 1.2 مليون لاجئ سوري، وقامت بتوفير كافة السبل والوسائل لتوفير العيش الكريم  لهم، و لاشك ان هؤلاء اللاجئين شكلوا عبئا على الاقتصاد الالماني في السنوات الاولى من استقبالهم حيث تقول بعض المصادر انه تم صرف حوالي 90 مليار يورو خلال الفترة 2015-2020 وتقول الاحصائيات ان نسبة البطالة بينهم في عام 2016 كانت بحدود 50% بسبب مشاكل اللغة وعدم تعديل الشهادات.

ثانياً: فائدة اللاجىء السوري على الاقتصاد الالماني:

بعد عام 2019 حتى تاريخ كتابة هذا المقال اختلفت الصورة تماما وتحول اللاجىء من عبء الى فائدة على الاقتصاد الألماني، سيما ان سوق العمل الألمانية تحتاج سنويا الى 400 الف عامل.

وبدأ الاستثمار الألماني في اللاجئين يؤتي اوكله وذلك في المجالات التالية:

-1 سداد نقص العمالة: كما اسلفنا ما يتصف به المجتمع الأوربي عموما والألماني منهم بتركيب سكاني يميل الى الشيخوخة ونقص الايدي العاملة الشابة، لذا فقد ساهم اللاجئين السوريين بسد هذا النقص وخاصة في مجال الرعاية الصحية وكبار السن والخدمات الأخرى بالإضافة للعمالة الظاهرة.

2- توسع سوق العمل: فتح السوريين اكثر من 2500 شركة، بالإضافة إلى مئات المطاعم والمحلات التجارية، وهذا ساهم بزيادة الإنتاج والاستهلاك المحلي وضخ ملايين الدولارات في سوق العمل الألمانية .

-3   دفع الضرائب والتأمينات: كباقي الالمانيين فإن السوريين العاملين بشكل رسمي يدفعون الضرائب والتأمينات والرسوم الاخرى، فكل سوري يعمل يدفع أكثر من 8000 يورو سنويا كضراىب وتامينات ورسوم.

-اللاجئين السوريين في ألمانيا بالأرقام:

يقول معهد الابحاث الاقتصادية الألماني ان صافي تاثير اللاجئين على ميزانية المانيا سيصبح ايجابيا بعد سنة 2030. فهناك حوالي 1.2 مليون لاجئ سوري في ألمانيا بين مقيم ومجنس، واهم ميزة لهم ان متوسط العمر لديهم هو 26.6 (اي عمالة شابة ).

وتقول الاحصائيات انه خلال عام 2024 حصل 83200 سوري على الجنسية وهذا يعادل 28% من كل المجنسين في ألمانيا، وتقدر الدراسات ان نسبة التوظيف بين اللاجئين وصلت الى 64%، وان 86% من الرجال السوريين يعملون، وهذه النسبة اعلى من نظيرتها الألمانية البالغة 81% . وبشكل عام فإن السوريين يعملون بالمهن الضرورية للحياة اليومية بنسبة 60% مقابل 48% من الالمان .

-خاتمة:

يقول الخبراء الالمان بأهمية اللاجئين السوريين على الاقتصاد الألماني، فرئيس قسم ابحاث الهجرة بمعهد سوق العمل يقول: “ السوريين عنصر مهم في سوق العمل ورحيلهم سيترك فراغا يصعب تعويضه “.

وقبل أن ننهي المقال لا ننسى المساعدات التي تقدم من كافة المنظمات الإنسانية في العالم للاجئين وهي بمليارات الدولارات وكلها تضخ في اقتصاديات هذه الدول المضيفة .

‐——————————-

المصادر:

  • الوكالة الاتحادية للعمل BA
  • معهد ابحاث سوق العمل والمهن الألمانية
  • معهد الاقتصاد الألماني
  • مكتب الاحصاء الفيدرالي الألماني
  • الجمعية الطبية الألمانية
  • تقارير اعلامية
  • وسائل التواصل الاجتماعي.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى