د . مرشد اليوسف
المعطيات الحالية تشير إلى أن اتفاقات 2026 نقلت معظم المؤسسات المدنية إلى إطار الدولة السورية، مع بقاء نصوص تتحدث عن “خصوصية المناطق الكردية”، وعن تمثيل كردي في الدولة، وعن شرطة محلية، والاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافيةالكردية . لكن الاتفاق لم يحسم مسألة اللامركزية سياسيًا ودستوريًا.
إذن ما الحل العملي أمام الكرد؟
في رأيي، يمكن تصور صيغة ثالثة بين الإدارة الذاتية والانصهار المركزي:
- الانتقال من إدارة كردية إلى إدارة محلية كردية الصبغة.
أي ألا تكون المؤسسات الجديدة منفصلة عن الدولة السورية، لكنها في الوقت نفسه لا تكون مجرد فروع تنفيذية تأتيها كل القرارات من دمشق. تكون هناك مجالس محلية منتخبة، لها صلاحيات فعلية في التعليم والثقافة والخدمات والبلديات والتنمية المحلية.
- استخدام الاتفاقات الحالية نفسها كأساس للتفاوض.
فالاتفاق المعلن يتحدث عن تعيين محافظ للحسكة، وتمثيل سياسي كردي، وقوة أمنية محلية في كوباني، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية. هذه البنود يمكن أن تتحول من نصوص عامة إلى مؤسسات وقوانين واضحة.
- عدم الدخول في معركة اسم الإدارة .
قد يكون الاسم هو المشكلة السياسية بالنسبة لدمشق، بينما الجوهر أهم من الاسم. يمكن أن تسمى: الإدارة المحلية الموسعة، الحكم المحلي، إقليم إداري خاص، أو نظام اللامركزية الإدارية والسياسية، بشرط أن تكون الصلاحيات حقيقية وليست شكلية.
- جعل اللغة الكردية الاختبار الأول.
إذا كانت دمشق تعترف رسميًا بالحقوق اللغوية والثقافية الكردية، فيجب أن يظهر ذلك في المدرسة والجامعة والإدارة والمحاكم المحلية والإعلام. فاللغة ليست قضية ثقافية هامشية. إنها المؤشر العملي على ما إذا كان الاعتراف بالهوية الكردية حقيقيًا أم رمزيًا.
- المشاركة الكردية في الدولة لا تعني التخلي عن الخصوصية المحلية.
وهذه ربما أهم نقطة. يستطيع الكرد أن يكونوا جزءًا من الجيش والدولة والبرلمان والوزارات، وفي الوقت نفسه يملكون صلاحيات محلية واضحة. أي أن المعادلة تصبح:
اندماج في الدولة + خصوصية محلية + شراكة سياسية + حقوق دستورية.
وهذا يختلف عن الانفصال كما يختلف عن الذوبان.
والخطر الحقيقي
إذا رفضت دمشق الإدارة الكردية ورفضت كذلك اللامركزية الحقيقية، ثم اكتفت بتعيين موظفين ومحافظين وإدخال المؤسسات المحلية في الوزارات المركزية، فقد ينشأ وضع تكون فيه الدولة موجودة قانونيًا، لكن السكان لا يشعرون بأن لهم قدرة حقيقية على إدارة شؤونهم.
وهذا تحديدًا هو موضع التوتر الحالي،وسبب الاحتجاجات الكردية المرتبطة باللغة والتعليم والأسعار وقضايا الحقوق.
ولذلك يمكن أن يكون المخرج في صيغة جديدة لا تحمل بالضرورة الاسم السابق، ولكنها تحقق جوهر الإدارة المحلية .
فيمكن، مثلًا، أن تكون هناك مجالس محلية منتخبة، وميزانيات محلية، وصلاحيات واسعة في التعليم والثقافة والخدمات والتنمية، مع بقاء السيادة والدفاع والسياسة الخارجية والعملة بيد الدولة المركزية.
وهكذا يصبح السؤال:
هل تقبل دمشق أن تكون الدولة واحدة، ولكن الإدارة متعددة المستويات؟
إذا كان الجواب نعم، فإن الخلاف يمكن أن يتحول من صراع على السلطة إلى مفاوضات حول توزيع الصلاحيات.
اللغة الكردية ستكون الامتحان الأول
وهنا تأتي قضية التعليم. الاعتراف بالكردية كلغة وطنية والسماح بتدريس بعض المواد بها يمثل تحولًا مهمًا، لكن حصر تعليمها في ثلاث حصص أسبوعيًا، مع استمرار تدريس المواد الأساسية بالعربية، أثار اعتراضات كردية واسعة.
وهذا يكشف جوهر المشكلة: الحقوق لا تُقاس بما يكتب في البيانات، وإنما بما يحدث في المدرسة والإدارة والجامعة والحياة اليومية.
فإذا كان الطالب الكردي يستطيع أن يتعلم بلغته، وإذا كانت البلدية تستطيع التعامل مع المواطن بلغته، وإذا كانت المؤسسات الثقافية والتعليمية قادرة على العمل ضمن خصوصية المنطقة، فإن اللامركزية تصبح واقعًا حتى لو لم تحمل اسم الإدارة الذاتية.
الدولة تحتاج إلى الكرد كما يحتاج الكرد إلى الدولة
المعادلة الجديدة ينبغي ألا تكون: دمشق تنتصر والكرد يتراجعون، أو الكرد يخسرون الإدارة والدولة تستعيد كل شيء.
هناك معادلة أكثر استقرارًا:
الدولة تأخذ السيادة، والكرد يأخذون ضمانات دستورية ومؤسساتية لحقوقهم.
فالاندماج في الجيش والدولة والبرلمان لا ينبغي أن يعني إلغاء الخصوصية الكردية، كما أن الحفاظ على الخصوصية لا ينبغي أن يعني إنشاء دولة منفصلة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن عملية الدمج نفسها لا تزال تواجه قضايا حساسة، من التعليم والوقود إلى ترتيبات القوى الأمنية والنسائية الكردية. وهذا يعني أن الملف لم يُغلق بمجرد الإعلان عن دمج المؤسسات والقوات.
وهنا تكمن ورقة الكرد السياسية
إذا لم يمتلك الكرد إدارة محلية ، فإن قوتهم المستقبلية ستعتمد بدرجة أكبر على المؤسسات والتمثيل والحقوق الدستورية والمجتمع المدني والانتخابات والإدارة المحلية.
أي الانتقال من:
قوة تحمي منطقة → إلى قوة سياسية تحمي حقوق مجتمع.
وهذا يتطلب استراتيجية كردية واضحة: عدم الدخول في صراع دائم على الأسماء، وعدم التخلي في الوقت نفسه عن جوهر المطالب، أي اللغة، والهوية، والتعليم، والإدارة المحلية، والتمثيل السياسي، والتنمية، والأمن المحلي، والمشاركة المتكافئة في الدولة.
والمعضلة الحقيقية أمام دمشق ليست: هل تسمح للكرد بإدارة محلية موسعة أم لا؟
بل: هل تستطيع بناء دولة سورية واحدة تستوعب تعدد مجتمعاتها ومناطقها؟
فإذا رفضت دمشق الإدارة الكردية السابقة، ورفضت كذلك الإدارة المحلية ذات الصلاحيات الحقيقية، فإنها ستجد نفسها أمام مشكلة لا يحلها تغيير أسماء المؤسسات: لأن المجتمع الذي تعلّم أن يدير مدرسته وبلديته وثقافته وشؤونه المحلية لن يقبل بسهولة العودة إلى مركزية كاملة.
ومن هنا قد يكون الطريق الأكثر واقعية هو تسوية دستورية جديدة: دولة سورية موحدة، ولكنها لا مركزية، جيش وطني واحد، ولكن مع ترتيبات أمن محلي، برلمان وحكومة مركزيان، ولكن مع مجالس محلية منتخبة ذات صلاحيات حقيقية، ولغة سورية رسمية جامعة، مع ضمان دستوري واضح للغة الكردية في مناطق وجودها التاريخي.
بهذه الصيغة لا يكون الكرد أمام خيارين فقط: إدارة ذاتية أو ذوبان في المركز. بل أمام خيار ثالث هو الشراكة داخل دولة سورية متعددة المكونات .




