د. عدنان بوزان
لم يعد التحول الذي يشهده العالم مرتبطاً بكثرة الحروب وحدها، بل بتغير طبيعة النظام الدولي نفسه. فالحدود الفاصلة بين الحرب والسلام، وبين المحلي والإقليمي والدولي، وبين العسكري والاقتصادي، أصبحت أكثر هشاشة؛ ولم تعد الصراعات تدار بالجيوش وحدها، بل بالطاقة والغذاء والتكنولوجيا والعقوبات والممرات البحرية والهجمات السيبرانية والحروب الهجينة. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحن أمام حرب عالمية جديدة؟ بل: هل دخل العالم بالفعل مرحلة إعادة تشكيل للقوة والقواعد والحدود التي حكمت النظام الدولي خلال العقود الماضية؟
أولاً: العالم ينتقل من نظام مستقر نسبياً إلى مرحلة انتقالية مفتوحة
لم يعد النظام الدولي محكوماً بمركز قوة واحد قادر على ضبط جميع الأزمات، كما لم يصل بعد إلى تعددية مستقرة تملك قواعد واضحة لإدارة التنافس. نحن أمام مرحلة انتقالية بين نظام يتآكل ونظام لم يولد بعد؛ وفي مثل هذه المراحل تزداد احتمالات سوء التقدير، لأن القوى الكبرى تعيد اختبار حدود بعضها بعضاً، بينما تسعى القوى الإقليمية إلى توسيع هوامشها.
ولهذا فإن الأزمات الراهنة لا ينبغي قراءتها باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل باعتبارها أجزاء من عملية أوسع عنوانها إعادة توزيع القوة العالمية.
ثانياً: الخطر الأوروبي لا يكمن فقط في احتمال الحرب المباشرة
شهد سبتمبر 2026 تصاعداً في المخاوف الأوروبية من امتداد الحرب الروسية الأوكرانية إلى المجال الأمني للناتو. فقد أسقطت مقاتلة تابعة للحلف طائرة مسيّرة دخلت المجال الجوي الليتواني، بينما حذرت أجهزة استخبارات أوروبية من احتمال تصعيد روسي أو اختبار لحدود الردع الغربي. وفي الوقت نفسه، تشير تقييمات أخرى إلى أن موسكو قد تكثف الحرب الهجينة، من التخريب والهجمات السيبرانية إلى استهداف البنى التحتية، دون أن يعني ذلك أن هجوماً روسياً واسعاً على دولة من الناتو أصبح وشيكاً أو حتمياً.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: قد تبدأ الحرب في التأثير في الدول قبل أن تبدأ الحرب العسكرية نفسها. فرفع الإنفاق الدفاعي، وحماية شبكات الطاقة، وإعادة بناء الصناعات العسكرية، وتأمين الموانئ والكابلات والمنشآت الحيوية، كلها مؤشرات على انتقال أوروبا نحو اقتصاد أمني طويل الأمد.
ثالثاً: الحرب الحديثة تبدأ أحياناً من الممرات والأسواق
لم تعد السيطرة على الأرض وحدها معياراً للقوة. فالمضائق والموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد أصبحت جزءاً من الأمن القومي للدول.
وقد أظهرت اضطرابات الشرق الأوسط خلال 2026 أن إغلاق أو تعطيل الممرات الاستراتيجية يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة عالمية؛ إذ أشار صندوق النقد الدولي إلى أن اضطراب مضيق هرمز أدى إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة، وأن نحو 25 إلى 30% من النفط العالمي وحصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال تمر عادة عبر المضيق. كما يؤدي تحويل مسارات الشحن إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين ويضغط على التجارة والأسواق الغذائية.
وهكذا أصبحت الجغرافيا الاقتصادية جزءاً من الجغرافيا العسكرية.
رابعاً: الشرق الأوسط ليس مجموعة حروب منفصلة بل منظومة صراع مترابطة
إيران وإسرائيل والخليج واليمن والعراق وسوريا وتركيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط ليست ملفات مستقلة تماماً؛ بل تتقاطع داخل منظومة أمنية واحدة.
وأي تصعيد في إحدى هذه الساحات يمكن أن يعيد ترتيب حسابات الساحات الأخرى. لذلك فإن الخطر لا يكمن فقط في اتساع حرب بعينها، وإنما في احتمال انتقال الأزمات من بعضها إلى بعض، بحيث تتحول المنطقة إلى شبكة صراعات يصعب فصلها أو احتواؤها.
ولهذا فإن الشرق الأوسط قد يكون من أكثر المناطق تأثراً بأي انتقال عالمي من نظام الردع إلى نظام إعادة توزيع القوة.
خامساً: العراق يمثل اختباراً لمفهوم الدولة والسيادة
السؤال العراقي لم يعد متعلقاً فقط بوجود فصائل مسلحة، بل بمن يمتلك القرار الاستراتيجي للدولة: الحكومة أم القوى المسلحة أم الشبكات الإقليمية التي تتقاطع معها؟
إذا نجحت بغداد في ترسيخ احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلام، فقد يدخل العراق مرحلة أكثر استقراراً من الناحية المؤسسية. أما إذا بقي القرار موزعاً بين مؤسسات الدولة وقوى مسلحة مرتبطة بصراعات إقليمية، فسيظل العراق عرضة للتحول إلى ساحة لتصفية حسابات أكبر منه.
ومن هنا فإن السيادة العراقية لا تقاس فقط بسلامة الحدود، وإنما بقدرة الدولة على احتكار القرار السياسي والعسكري داخلها.
سادساً: سوريا ستبقى إحدى أهم ساحات إعادة تشكيل الشرق الأوسط
تكمن أهمية سوريا في موقعها قبل أي شيء آخر. فهي تقع عند تقاطع تركيا والعراق وإسرائيل ولبنان والبحر المتوسط، ولذلك فإن مستقبلها لا يتحدد في دمشق وحدها، بل يتأثر بما يجري في أنقرة وبغداد وطهران وتل أبيب وموسكو وواشنطن.
وفي مراحل التحول الإقليمي، تصبح الدول الهشة أكثر أهمية لا أقل؛ لأن الفراغ السياسي والأمني يجذب القوى الخارجية، والممرات الاستراتيجية والموارد والمناطق الحدودية تتحول إلى نقاط تنافس.
لذلك فإن مستقبل سوريا سيكون جزءاً من الصراع على شكل الشرق الأوسط المقبل، لا مجرد نتيجة للأزمة السورية الداخلية.
سابعاً: تركيا أمام معادلة جيوسياسية أكثر تعقيداً
تركيا تقع عند تقاطع أوروبا والبحر الأسود والشرق الأوسط، وتملك موقعاً مركزياً في ملفات الطاقة والممرات التجارية والمضائق والأمن الإقليمي.
ولهذا فإن مستقبلها لن يرتبط فقط بالتوتر مع اليونان أو إسرائيل، وإنما بموقعها في التنافس الروسي الأوروبي وبمستقبل البحر الأسود وشرق المتوسط وشبكات الطاقة والنقل.
وقد يتحول شرق المتوسط إلى مساحة تتقاطع فيها المنافسة على الطاقة والمياه والحدود البحرية والتحالفات العسكرية.
لكن ينبغي عدم تحويل التوترات القائمة إلى نتائج حتمية؛ وجود أسباب للصراع لا يعني بالضرورة وقوع الحرب، كما أن وجود تحالفات متعارضة لا يلغي أدوات الردع والتفاوض والاحتواء.
ثامناً: كوردستان قد تدخل مرحلة جديدة إذا تغيرت بنية المنطقة
الأزمات الدولية الكبرى لا تنتج تلقائياً دولاً جديدة، لكنها كثيراً ما تعيد فتح الملفات التي جرى تجميدها في مراحل سابقة.
وهنا تكمن أهمية المسألة الكوردية.
إذا تغيرت علاقات تركيا والعراق وسوريا وإيران، وإذا أعيدت صياغة التحالفات والحدود الأمنية في الشرق الأوسط، فلن يكون من السهل إبقاء القضية الكوردية خارج النقاش حول مستقبل المنطقة.
لكن الفرصة لا تعني النتيجة. الأزمات تفتح النوافذ، لكنها لا تبني المشاريع.
فإذا دخل الكورد مرحلة التحول الدولي وهم منقسمون، يمكن أن تتحول قضيتهم إلى ورقة في صراعات الآخرين. أما إذا دخلواها برؤية سياسية واضحة، وتمثيل مؤسسي، ومشروع قابل للتفاوض، وقدرة على مخاطبة القانون والمصالح الدولية، فإن التحول الإقليمي يمكن أن يتحول إلى فرصة سياسية حقيقية.
وهنا يظهر الفرق بين شعب يمتلك قضية وشعب يمتلك مشروعاً.
تاسعاً: الاقتصاد والغذاء أصبحا جزءاً من الأمن العالمي
قد تبدأ الحرب في الميدان، لكنها تصل إلى الناس عبر الأسعار. ارتفاع الطاقة يرفع تكاليف النقل والإنتاج. وارتفاع أسعار الأسمدة يرفع كلفة الزراعة. واضطراب الممرات البحرية يزيد التأمين والشحن. ثم تنتقل الصدمة من الميناء إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق، ومن السوق إلى الأسرة.
وقد سجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة في أغسطس 2026 ارتفاعاً بنسبة 1.9% عن يوليو، فيما ارتفع مؤشر الحبوب بنسبة 2.2%، وربطت المنظمة هذه التطورات بمخاوف الإمدادات والطقس والتوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة.
لكن الأزمة الغذائية لا تبدأ عندما ينفد الطعام، بل عندما يصبح الطعام موجوداً وغير متاح اقتصادياً. وهنا تتحول الطاقة والغذاء والماء والدواء والأسمدة إلى عناصر من الأمن القومي، لا مجرد ملفات اقتصادية.
عاشراً: القوة في القرن الحادي والعشرين أصبحت قدرة على الصمود
الدولة الأقوى ليست بالضرورة الدولة التي تملك أكبر جيش، وإنما الدولة التي تستطيع الاستمرار عندما تتعرض للصدمات.
من يستطيع إنتاج الطاقة؟ من يستطيع تأمين الغذاء؟ من يملك التكنولوجيا؟ من يستطيع حماية شبكاته؟ من يملك سلاسل توريد مستقلة؟ من يستطيع تمويل الحرب أو الصمود أمام العقوبات؟ ومن يستطيع الحفاظ على تماسك مجتمعه؟
هذه الأسئلة قد تصبح أكثر أهمية من حجم الترسانة العسكرية وحده. فالقوة الحديثة أصبحت شبكة من الجيش والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والمعلومات والمرونة الاجتماعية.
الحادي عشر: العالم يتجه نحو تعددية أكثر تنافسية
لن يكون العالم المقبل بالضرورة نسخة جديدة من الحرب الباردة. فروسيا تسعى إلى توسيع مجالها الأمني، والصين تعزز حضورها الاقتصادي والتكنولوجي والاستراتيجي، والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على قدرتها على تشكيل النظام الدولي، وأوروبا تبحث عن صيغة أكثر استقلالاً لأمنها، بينما تسعى القوى الإقليمية إلى استثمار الفراغات الجديدة.
ولهذا قد ننتقل من عالم ذي مركز مهيمن إلى تعددية صراعية: دول تتعاون اقتصادياً وتتنافس أمنياً، وتتحالف في ملف وتختلف في ملف آخر. إنه نظام أكثر مرونة، لكنه أقل قابلية للتنبؤ.
الثاني عشر: الأمم المتحدة لن تختفي، لكن قدرتها على إدارة التنافس قد تتعرض لضغوط أكبر
المشكلة ليست في بقاء المؤسسات الدولية أو اختفائها، وإنما في قدرتها على فرض قواعدها عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى. ولهذا قد يزداد الاعتماد على الاتفاقات الثنائية والإقليمية، والتفاهمات بين مراكز القوة، والترتيبات الأمنية المؤقتة.
النظام الجديد، إذا تشكل، لن يولد في مؤتمر واحد؛ بل سيتكون تدريجياً من الحروب والاتفاقات والتحالفات والأزمات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية.
الثالث عشر: أخطر سيناريو هو التصعيد غير المقصود
قد لا تريد أي قوة كبرى حرباً عالمية، ومع ذلك يمكن أن تؤدي سلسلة من القرارات المحدودة إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
حادث جوي، ضربة محدودة، رد مضاد، تعبئة، هجوم على قاعدة، دخول حليف، ثم دخول طرف آخر؛ وهكذا تتحول الأزمة من حدث يمكن احتواؤه إلى مسار تصعيدي مستقل. لذلك فإن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة قرار الحرب، بل فقدان القدرة على التحكم في مسار التصعيد.
الرابع عشر: العالم الجديد لن تصنعه الحرب وحدها
الحرب قد تسقط نظاماً، لكنها لا تضمن قيام نظام أكثر استقراراً. وقد تضعف حدوداً، لكنها لا تضمن حدوداً أكثر عدالة. وقد تفتح نافذة أمام شعب، لكنها لا تضمن أن يمتلك ذلك الشعب القدرة على استثمارها.
ولهذا فإن العامل الحاسم في التحولات الكبرى ليس مقدار الفوضى وحده، وإنما من يمتلك المشروع والمؤسسة والقدرة على التفاوض عندما تبدأ إعادة ترتيب الأوراق.
وهنا تكمن أهمية القضية الكوردية بصورة خاصة: فالتحولات الدولية لا تمنح الشعوب مستقبلاً جاهزاً؛ إنها تفتح أمامها احتمالات، ويحدد تنظيمها السياسي وقدرتها المؤسسية ما إذا كانت تلك الاحتمالات ستتحول إلى واقع أم تضيع في صراعات الآخرين.
خلاصة القول، العالم لا يقترب من نهايته، بل من نهاية مرحلة ، لسنا بالضرورة أمام نهاية العالم، ولا يمكن الجزم بأن حرباً عالمية شاملة ستندلع، أو أن حدود دول بعينها ستنهار، أو أن قوى محددة ستنتصر. لكن المؤكد أن النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة حساب عميقة.
القوة لم تعد عسكرية فقط؛ أصبحت طاقة وغذاء وتكنولوجيا وممرات وبيانات واقتصاداً وقدرة على الصمود. والسيادة لم تعد مجرد السيطرة على الحدود، بل القدرة على حماية الدولة ومجتمعها واقتصادها وبنيتها التحتية. والحرب لم تعد تبدأ دائماً بإعلان رسمي. والتحالفات لم تعد ثابتة كما كانت. والحدود قد تبقى قانونياً كما هي، بينما تتغير موازين القوة التي تمنحها معناها السياسي.
ومن هنا فإن السنوات المقبلة قد لا تكون بالضرورة سنوات حرب عالمية، لكنها قد تكون سنوات إعادة تشكيل عميقة للنظام الدولي.
والسؤال التاريخي الحقيقي ليس: من سينتصر في الحرب المقبلة؟ بل من سيكون مستعداً عندما يبدأ العالم في كتابة قواعده الجديدة؟
ففي لحظات التحول الكبرى لا تكفي الشعوب التي تمتلك قضية؛ بل تحتاج إلى مشروع. ولا يكفي المشروع؛ بل يحتاج إلى مؤسسة. ولا تكفي المؤسسة؛ بل تحتاج إلى قدرة سياسية على تحويل الحق إلى قوة تفاوضية وموقع داخل النظام الذي يتشكل.
وهنا تحديداً يبدأ الفرق بين من ينتظر التاريخ، ومن يستعد لصناعته.





