مقالات

إقليم كوردستان… تجربة تستحق الحماية لا التآمر

حسن قاسم
في منطقةٍ أنهكتها الصراعات، وأثقلتها الانقسامات الطائفية والمذهبية، وباتت المؤامرات السياسية والأمنية جزءاً من مشهدها اليومي، يبرز إقليم كوردستان بوصفه تجربة مختلفة، حاولت خلال العقود الماضية أن ترسّخ الاستقرار، وتدعم قيم الحرية والتعددية والتعايش، وأن تبني علاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ولم تكن هذه التجربة وليدة ظرف عابر، بل جاءت ثمرة عقود طويلة من التضحيات والنضال، دفع خلالها شعب كوردستان ثمناً باهظاً من دماء أبنائه، دفاعاً عن أرضه وحقوقه ووجوده، وصولاً إلى مرحلة أصبح فيها الإقليم أحد عوامل الاستقرار المهمة في المنطقة.
لقد أثبت إقليم كوردستان، في أكثر من مناسبة، أنه لا يبحث عن العداء مع أحد، بل يسعى إلى بناء علاقات جيدة مع دول الجوار والمجتمع الدولي، وفتح أبواب التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي، بما يخدم مصالح شعبه وشعوب المنطقة. كما كان لقوات البيشمركة دور بارز في مواجهة تنظيم داعش، وقدمت تضحيات كبيرة في الحرب على الإرهاب، إلى جانب ما قدمه المجتمع الكوردستاني من احتضان للنازحين واللاجئين الهاربين من جحيم الحرب.
ومع ذلك، فإن محاولات إضعاف هذه التجربة أو محاصرتها لم تتوقف. فكلما خطا الإقليم خطوة نحو ترسيخ مؤسساته واستقراره، ظهرت تحديات وضغوط ومخاطر جديدة تهدد أمنه واستقراره.
وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي، ولا سيما الدول التي أعلنت مراراً التزامها بمحاربة الإرهاب وحماية الاستقرار في المنطقة. فحماية إقليم كوردستان لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها انحيازاً إلى طرف ضد آخر، وإنما باعتبارها حماية لتجربة سياسية ومجتمعية أثبتت قدرتها على مواجهة الإرهاب واستقبال مئات الآلاف من النازحين، والمحافظة على قدر من الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل التحولات الأمنية والعسكرية التي يشهدها العراق والمنطقة، وما يرافقها من مخاوف من استغلال تنظيم داعش وأمثاله لأي فراغ أمني أو سياسي للعودة إلى النشاط. وقد حذّر الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، في تصريحات إعلامية، من مخاطر عودة الإرهاب والتطرف في ظل المتغيرات الأمنية الراهنة.
إن محبي السلام والحرية والديمقراطية، وكل من يؤمن بحق الشعوب في الأمن والاستقرار، مدعوون اليوم إلى النظر إلى إقليم كوردستان باعتباره جزءاً من الحل، لا مشكلة ينبغي محاصرتها.
فاستقرار الإقليم ليس شأناً كوردستانياً فحسب، بل مصلحة عراقية وإقليمية ودولية. وأي تهديد لأمنه لن يبقى محصوراً داخل حدوده، بل يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوزها إلى المنطقة بأسرها.
لقد دفع شعب كوردستان ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، ومن حقه أن ينعم بالأمن والاستقرار، ومن واجب المجتمع الدولي أن يساند المؤسسات التي أثبتت قدرتها على حماية هذا الاستقرار.
كوردستان لا تطلب امتيازاً فوق غيرها، وإنما تطلب أن تُعامل تجربتها بالعدل، وأن تُحمى من المخاطر التي تهدد أمنها، وأن يُترك لشعبها حق بناء مستقبله في بيئة يسودها السلام والديمقراطية والتعايش.
فحماية السلام في كوردستان ليست حماية لشعب واحد فحسب، بل دفاع عن مساحة من الأمل في منطقة ما زالت تبحث عن طريقها للخروج من دوامة الصراع والتطرف.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب