الكاتبة والشاعرة: آخين ولات
لا تكمن المأساة في جريمة ذبح الشهيد سيبان الإرهابية أن يُقتل إنسان فحسب، بل في أن يصبح قتله قابلاً للتبرير بهذا الشكل الفاضح والتهليل والاحتفال بهذا الشكل اللاإنساني اللا أخلاقي السافر والذي يحمل بكل وضوح دمغة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأن يجد منطق الثأر طريقه إلى مكانٍ يُفترض أن يكون سيد الأحكام فيه هو القانون، وأن يتحول الدم من مأساةٍ إنسانية إلى لغةٍ تتحدث بها الجماعات والسياسة. عندها لا تعود الجريمة مجرد فعلٍ ارتكبه أشخاص، بل تصبح مرآةً لمرحلةٍ كاملة: لمدى هشاشة الدولة، ولعمق الانقسام، ولعجز السياسة عن حماية الإنسان حين يفشل القانون في أداء وظيفته.
من هنا ينبغي أن تُقرأ جريمة قتل الشهيد الشاب الكردي سيبان في دير الزور، التي وثقتها تسجيلاتٌ متداولة منذ استدراجه من منزله واقتياده من قبل عدة أشخاص إلى أن انتهت حياته بطريقةٍ وحشية. وتزداد فداحة المشهد مع الرواية التي تقول إن قتله جاء انتقاماً لحادثةٍ سابقة قُتل فيها شابان عند نقطة تفتيش، ونُسبت مسؤولية ذلك إلى الضحية الحالية. لكن حتى لو ثبتت تفاصيل هذه الرواية، فإنها لا تمنح أحداً حق تحويل نفسه إلى قاضٍ وجلاد في الوقت نفسه. فالضحية لا تُدان بالانتقام، والدم لا يغسل الدم، والجريمة السابقة لا تمنح جريمةً جديدة شرعيةً أخلاقية.
المشكلة الأعمق تبدأ عندما يصبح الانتقام بديلاً عن الدولة. فعندما يعتقد أفرادٌ أو جماعاتٍ أن لهم الحق في تحديد المذنب وتنفيذ العقوبة بأنفسهم، فإنهم لا يقتلون شخصاً فقط؛ بل يقتلون فكرة أن هناك قانوناً أعلى من رغبة الجماعة الشعبوية المبتذلة. وحين ينهار هذا المبدأ، يصبح المجتمع أسير ذاكرته الدموية: كل قتيلٍ يطالب بقتيلٍ آخر، وكل جنازةٍ تفتح باباً لجنازةٍ جديدة، حتى يتحول الماضي إلى آلةٍ لإنتاج المستقبل نفسه.
وهنا تظهر مسؤولية السلطة، لا بوصفها متهمة بالضرورة بهذه الجريمة، وإنما بوصفها الجهة التي يفترض أن تمنع المجتمع من السقوط في هذا المنحدر. السلطة التي تريد أن تُسمى دولةً لا تستطيع أن تقف على مسافةٍ واحدةٍ من الجريمة والثأر والتحريض. عليها أن تجعل السلاح خاضعاً لإرادة الدولة، وأن تمنع أن تتحول الجماعات إلى سلطاتٍ بديلة، وأن تجعل الوصول إلى الحقيقة والمحاسبة طريقاً بديلاً عن الانتقام.
فالسلطة لا تُختبر عندما تكون الأمور هادئة، وإنما عندما يُقتل إنسانٌ في منطقةٍ مشحونةٍ بالانقسام، وعندما يكون للضحية انتماءٌ قومي، وعندما تكون للرواية أكثر من جهةٍ وأكثر من ذاكرةٍ وأكثر من جرح. في تلك اللحظة تحديداً يتضح إن كانت الدولة مشروعاً يتجاوز الجماعات، أم مجرد عصاباتٍ أو اسمٌ جديدٌ لقوةٍ أقدم.
ولهذا فإن طريقة التعامل مع هذه الجريمة ستكون أهم من أي خطابٍ سياسيٍ عنها. التحقيق الحقيقي ليس مجرد إجراء إداري؛ إنه رسالةٌ إلى المجتمع بأن الدم ليس مباحاً، وأنه لا أحد يستطيع أن يمنح نفسه حق الانتقام. والمحاسبة ليست تشفياً؛ إنها الوسيلة الوحيدة لإغلاق الباب أمام الثأر. أما الصمت، أو الغموض، أو ترك الجريمة غارقةً في الروايات المتناقضة، فإنه لا ينهيها، بل يتركها حيةً في ذاكرة الناس، قابلةً لأن تتحول غداً إلى جريمةٍ أخرى.
والأخطر من الجريمة نفسها أن تنشأ حولها بيئةٌ من التحريض والتعميم. فإذا كانت هناك أصواتٌ أو حساباتٌ أو منابر تستهدف الكرد بخطاب كراهيةٍ أو تهديدٍ أو تحريضٍ على الانتقام، فإن المشكلة لا تعود في الكلمات وحدها؛ لأن الكلمة التي تُنتزع منها المسؤولية يمكن أن تصبح مقدمةً للفعل. وفي المقابل، يجب ألا يتحول رفض التحريض إلى رفضٍ للنقد السياسي. من حق الناس أن ينتقدوا «قسد» أو أي حزبٍ أو قوةٍ سياسية، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من الانتماء الكردي ذنباً جماعياً.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: لا أحد يملك حق تحويل قوميةٍ كاملةٍ إلى متهم، كما لا يملك أحدٌ حق تحويل قوميةٍ كاملة إلى ضحيةٍ دائمة. المعيار هو الفعل والموقف. من قتل يُسأل عن قتله، ومن حرّض يُسأل عن تحريضه، ومن صمت أمام الظلم يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية بقدر ما يسمح به موقعه وقدرته، أما الشعوب فلا ينبغي أن تُحاكم بالجملة.
وهذا تحديداً ما يجعل مسؤولية السلطة الحالية بقيادة الجولاني “أحمد الشرع” أكبر من مجرد إصدار بيان إدانة. إذا كانت تريد الانتقال فعلاً من منطق الفصيل إلى منطق الدولة، فعليها أن تثبت أن الدولة لا تنحاز إلى القاتل لأنه قريبٌ منها، ولا إلى الضحية لأنه بعيدٌ عنها، وإنما تنحاز إلى مبدأ واحد: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج الحماية.
لكن السؤال لا يتوقف عند السلطة. فحين يسقط كرديٌ ضحيةً بهذه الطريقة الإرهابية الشنيعة، فإن الذين يقدمون أنفسهم ممثلين للقضية الكردية يواجهون امتحاناً لا تقل صعوبته عن امتحان السلطة نفسها. لأن تمثيل شعبٍ لا يعني امتلاك حق التحدث باسمه فقط، بل امتلاك القدرة على حماية مصالحه السياسية وتحويل مآسيه إلى ملفاتٍ تفاوضيةٍ واضحة، لا إلى بياناتٍ عاطفيةٍ عابرة وبقلوبٍ مكسورة ولغةٍ ركيكة راضخة.
ليس المطلوب من السياسي الكردي أن يرفض كل تفاوضٍ، ولا أن يحوّل كل جريمةٍ إلى إعلان حرب. بل المطلوب أن يعرف ماذا يريد من التفاوض، وما الذي لن يساوم عليه، وما الذي يستطيع أن يقايض عليه، وما الذي يجب أن يعود به إلى الناس. فالمفاوضات ليست بطولة ً لمجرد حدوثها، والقرب من أصحاب القرار ليس إنجازاً في ذاته. الصورة لا تساوي اتفاقاً، والمصافحة لا تساوي ضماناً، والابتسامة أمام الكاميرا لا تعني أن حياة إنسان أصبحت أكثر أمناً.
بعد كل جريمةٍ كهذه، يجب أن تكون الأسئلة السياسية أكثر قسوةً ووضوحاً: ماذا طلبتم؟ ماذا حصّلتم؟ ما الذي تغير؟ من الذي سيضمن عدم تكرار جرائم التصفية؟ ماذا ستفعلون أمام هذا الكم السافر من الحقد والكراهية والتحريض اليومي ااذي بدأ منذ تولي هذه السلطة حكم دمشق وما هذه الجرائم الإرهابية سوى نتيجةٍ بديهية لحملات التحريض التي لم تتوقف؟ وأي ثمن سياسيٍ أنتم مستعدون لدفعه كي لا يصبح دم الكرد مجرد هامشٍ في جدول أعمالٍ طويل؟
السياسة التي لا تنتج حمايةً تتحول إلى إدارةٍ للأزمة، والسياسة التي تكتفي بتسجيل الحضور تتحول إلى صورة، والسياسة التي تتنازل باستمرار من دون أن تحصل على مقابل تتحول من فن الممكن إلى فن التكيّف مع العجز والخنوع المجاني. هناك فرقٌ بين المرونة السياسية وبين فقدان البوصلة؛ بين التسوية التي تحمي الممكن وبين التراجع الذي يجعل المستحيل أكثر قرباً.
ولهذا فإن القضية الكردية لا ينبغي أن تُختزل في سؤال: هل نريد التفاوض أم لا؟ السؤال الأعمق هو: ماذا نريد من التفاوض؟ وما الحد الأدنى الذي لا يجوز أن يسقط من أجندته؟ فالحقوق السياسية لا تبدأ من الشعارات الكبرى فقط؛ إنها تبدأ من الحق الأول: أن يعيش الإنسان آمناً، وأن لا يصبح انتماؤه القومي سبباً في استباحة دمه، وأن تكون الدولة قادرةً على حمايته عندما يكون أضعف من خصمه.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الجريمة إلى مبرر لقطع كل جسور العيش المشترك. إننا لا نقول أن كل عربيٍ مسؤولٌ عن جريمةٍ ارتكبها أفراد، كما أنه لا يمكن أن يُختزل كل كرديٍ في مواقف حزبٍ أو قوةٍ سياسية. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينجح القاتل في قتل الضحية مرة ثانية: مرةً بالإرهاب والسكين، ومرة بتحويل دمها إلى كراهيةٍ بين شعبين.
وهنا تصبح مقاومة التعميم جزءاً من مقاومة الجريمة نفسها. لأن القاتل يريد أن يثبت أن الجماعة أهم من الإنسان، وأن الثأر أقوى من القانون، وأن الهوية يمكن أن تكون حكماً بالموت. أما العدالة فتقول العكس تماماً: الإنسان أولاً، ثم تأتي الهويات والانتماءات والاصطفافات.
إننا أمام دائرةٍ خطرة: جريمةٌ تولد الخوف، والخوف يولد انعدام الثقة، وانعدام الثقة يدفع الجماعات إلى الاحتماء بهوياتها، وعندما تصبح الهوية حصناً يصبح المختلف تهديداً، وعندما يصبح المختلف تهديداً يصبح العنف أسهل تبريراً. وهكذا تتحول السياسة من وسيلةٍ لتنظيم الاختلاف إلى وقودٍ لإدارته بالعنف.
كسر هذه الدائرة لا يكون بمزيد من الدم، وإنما باستعادة المعنى الحقيقي للدولة والسياسة معاً. الدولة التي تحمي الإنسان من الانتقام، والسياسة التي تمنع تحويل المأساة إلى ثأرٍ قومي، والمجتمع الذي يرفض أن يحمّل ملايين البشر ذنب أفراد.
أما الذين يفاوضون باسم الكرد، فعليهم أن يدركوا أن التاريخ لا يسألهم فقط عن عدد الاجتماعات التي عقدوها، بل عن عدد المرات التي استطاعوا فيها تحويل القوة السياسية إلى حمايةٍ حقيقية، والخطاب إلى ضماناتٍ، والوعود إلى واقع. فالقيادة ليست أن تصل إلى طاولة القرار؛ القيادة أن تعود منها بشيءٍ يستطيع الناس أن يلمسوه في حياتهم.
وفي النهاية، ليست القضية قضية شابٍ قُتل في دير الزور فحسب، ولا قضية خلافٍ بين جماعاتٍ سياسية، ولا حتى قضيةٌ كردية منفصلة عن مستقبل سوريا. القضية أعمق: أي دولةٍ نريد؟ وأي مجتمعٍ نريد؟ وهل نريد مستقبلاً تحكمه ذاكرة الدم، أم مستقبلاً يصبح فيه القانون أقوى من الثأر؟
هذه الجريمة يجب ألا تُستخدم لإشعال حربٍ جديدة، لكنها أيضاً يجب ألا تُدفن تحت ركام البيانات والمصافحات والابتسامات الصفراء والاجتماعات عديمة الجدوى. يجب أن تبقى حاضرةً في الوعي السياسي حتى تتحول من مأساةٍ إلى سؤال، ومن سؤالٍ إلى موقف، ومن موقفٍ إلى ضماناتٍ ملموسةٍ على أرض الواقع و أمنٍ حقيقي.
فالدم الذي لا يُستخلص منه درسٌ سياسيٌ وأخلاقيٌ يتحول إلى مقدمةٍ لدم جديد.
والسياسي الذي يرى في الجريمة مجرد فرصةٍ لبيان، يفرّط في معنى تمثيله.
والسلطة التي لا تستطيع حماية أضعف مواطنيها لا يمكنها أن تقول إنها دولة.
أما الشعب الذي يُطلب منه أن يثق بالوعود، فعليه أن يسأل دائماً: أين النتائج؟
لأن السياسة التي لا تحمي الإنسان ليست سياسة، والسلطة التي لا تضبط السلاح ليست دولة، والتعايش الذي يقوم على الخوف ليس تعايشاً، والسلام الذي يُبنى فوق دمٍ لم تُكشف حقيقته ليس سلاماً.
لقد قُتل إنسانٌ، لكن السؤال الذي تركه موته أكبر من الجريمة نفسها: من يملك حق تقرير مصير الحياة والموت؟ إن كان الجواب هو السكين، فنحن أمام غابة. وإن كان الجواب هو الجماعة، فنحن أمام حربٍ لا تنتهي. أما إذا كان الجواب هو القانون والعدالة والسياسة المسؤولة، فحينها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا ببناء دولة.
فالاختبار الحقيقي ليس أن نجلس حول طاولةٍ واحدة، بل أن نضمن ألا يُسحب إنسانٌ آخر من بيته إلى الموت. وليس أن نرفع شعارات التعايش، بل أن نجعل حياة المختلف مصونة مثل حياتنا. وليس أن نقول إننا نمثل شعباً، بل أن نثبت أن هذا الشعب أصبح، بفضل تمثيلنا، أكثر أمناً وكرامةً وقدرةً على صناعة مستقبله.
وفي السياسة كما في الحياة، لا تُقاس قوة الشعوب بعدد السكاكين التي تستطيع حملها، والهتافات الإرهابية والتهليل للذبح الهمجي الذي يحمل هويةً واحدة وهي هوية إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، بل بعدد السكاكين التي تستطيع أن تجعلها بلا قيمة.
في النهاية، ليست القضية قضية شابٍ قُتل في دير الزور فحسب، ولا حادثةً يمكن عزلها عن الأسئلة الأكبر التي تواجه سوريا اليوم. إنها تكشف السؤال الأهم: هل نحن أمام دولةٍ قادرة على تحويل الخلافات والجرائم إلى مسارٍ من العدالة، أم أمام مجتمعٍ تُترك فيه الذاكرة والهوية والثأر لتحدد مصائر الناس؟
لهذا لا ينبغي أن تُدفن الجريمةُ تحت البيانات والاجتماعات، ولا أن تتحول إلى ذريعةٍ لكراهيةٍ جماعيةٍ أو إلى ورقةٍ عابرةٍ على طاولة التفاوض. قيمتها السياسية الحقيقية أن تدفع السلطة إلى إثبات قدرتها على حماية مواطنيها، وتدفع السياسيين الكرد إلى تحويل المأساة إلى مطالبَ وضماناتٍ، وتدفع الجميع إلى إدراك أن العيش المشترك لا يُبنى بالنوايا وحدها، بل بالثقة التي يصنعها العدل.
وفي المحصلة لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على حمل السلاح، ولا قوة السياسي بعدد الاجتماعات التي يحضرها، بل بقدرتهما معاً على جعل حياة الإنسان أكثر أمناً وكرامته أكثر صيانة.
فالدرس الذي يتركه هذا الدم ليس أن نحمل سكيناً أقوى، بل أن نستيقظ من سباتنا والأوهام ونطرح سؤالاً جدياً على أنفسنا: هل حقاً نستطيع أن نبني مع هؤلاء وطناً محترماً تصبح فيه السكين عاجزة عن



