هوزان عفريني
عن الفراغ الأمني وثمنه المدني
حين تساق عمليات الاندماج السياسي والعسكري دون دراسةٍ مستفيضة وتخطيطٍ يتنكب الطرق السليمة، فإنها لا تنتج استقراراً بل تخلق فراغاً أمنياً وإدارياً عريضاً، يشرع الأبواب أمام الفوضى، ليدفع المدنيون في النهاية الثمن الأفدح.
فبعد فترةٍ من انحسار القتال وتهدئة المحاور بين الكرد والعرب، وتوجه الأوضاع بنوعٍ من الحذر نحو التهدئة، لا يخفى أن شريحةً واسعة من الشارع الكردي ولا سيما في أوساط النشطاء بالمهجر الأوروبي، وإقليم كردستان، وفي روجآفا، تنظر بكثير من التوجس إلى صيغة الاندماج الأخير مع مؤسسات الدولة.
إن استعجال إدماج قوات سورية الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية في هياكل الدولة خلّف استحقاقاتٍ خطرة وفراغاتٍ متسعة، تتجلى في:
انكشاف القطاع الأمني: غياب أي مظلة حماية حقيقية للمكون الكردي، وبشخاص الموالين للإدارة الذاتية وقسد في المناطق ذات الغالبية أو التنوع العربي (كالحسكة، تل حميس، تل براك، تل كوجر، الرقة، الطبقة، وريف كوباني المختلط وصولاً إلى صرين والشيوخ، ناهيك عن الشهباء، تل رفعت، تل حاصل و تل عرن، الباب، أعزاز، وحيي الشيخ مقصود والأشرفية).
ضرب المنظومة التعليمية: ضرب أحد أهم المكاسب الثقافية؛ إذ تراجع التعليم باللغة الكردية، وتواجه المدارس والجامعات مصيراً مجهولاً يهدد بتراجع الحصيلة اللغوية والهوية الثقافية للتلامذة.
تآكل الشرعية السياسية وتفشي الفوضى: استمرار انتشار السلاح وتفلت المجموعات المحلية المسلحة خارج إطار سلطة القانون، وما يرافقه من عمليات تصفية واغتيال يذهب ضحيتها كوادر ومقاتلون، كما حدث في واقعة اغتيال الشهيد سيبان الحسكة.
الانكماش الاقتصادي: شلل الحركة التجارية وركود الأسواق في المناطق الكردية نتيجة غياب البيئة الاستثمارية والائتمان الأمني.
تبدد فرص العودة: انعدام المحفزات لدى النازحين واللاجئين للعودة إلى مناطقهم الأصلية.
ضمانات العودة.. شروط لا بد منها
إن عودة اللاجئين من إقليم كردستان والعراق لا تزال مرهونة بوجود ضمانات دولية أممية مكتوبة، تتلخص في:
* تقديم دعم مالي ولوجستي لتسهيل الاستقرار.
* توفير حماية أمنية موثوقة تحول دون تكرار سيناريوهات التهجير السابقة (كما جرى في رأس العين).
* إيجاد حلول جذرية لملف التعليم والأطفال الذين تلقوا تحصيلهم باللغة السورانية.
* معالجة ملف “المكتومين” والمحرومين من وثائق المواطنة، وهم الفئة الأشد تضرراً.
الاندماج القسري وحسابات الدولة السورية
لقد أخطأت الدولة السورية بحسم ملف الاندماج عبر خطوات متسرعة. فإن كانت مقتضيات المرحلة تتطلب ضم مقاتلي قسد إلى وزارة الدفاع، فإن الشق الإداري والمؤسساتي كان يحتاج التريث؛ بدلاً من الدمج المباشر، كان الأجدر إنشاء لجان تنسيق مشتركة بين دمشق والإدارة الذاتية لإدارة المرحلة الانتقالية خطوة بخطوة.
إن هذا التسرع أضر بالطرفين، وفسح المجال أمام استعادة خلايا “داعش” والمجموعات المتطرفة لنشاطها، مما يهدد بتحويل سوريا مجدداً إلى ساحة تصفية حسابات يدفع فاتورتها الجميع: كرداً وعرباً وأشوريين وسرياناً أرمنياً و شركساً و وتركمان.
اغتيال “سيبان الحسكة”.. ناقوس خطر
إن اغتيال الشهيد سيبان كرمي الحسكة ليس حادثاً عابراً، بل خطوة تُنذر بشرعنة ثقافة الانتقام ضد مقاتلي وحدات حماية الشعب (YPG). وإن تعاطي الجهات الرسمية مع هذه الجريمة كحالة جنائية عادية هو بمثابة ضوء أخضر لتكرارها.
تستدعي المسؤولية التاريخية من القيادات الكوردية المتواجدة ضمن هياكل الحكومة السورية ألا تمرر هذه الحادثة كخبرٍ يومي، بل أن تضعها في صدارة المفاوضات السياسية والأمنية؛ فالحقوق والقضايا العادلة(القضية الكوردية) لا تسقط بالاندماج الإداري، والتاريخ لا يرحم الخطوات القاصرة.



