كمال بكر
لا يمكن للحياة السياسية أن تقوم من دون تنظيم، كما لا يستطيع العمل العام أن يستمر بالجهود الفردية وحدها. ومن هنا نشأت الأحزاب بوصفها أطرًا لتنظيم الأفكار والجهود، وإتاحة المجال أمام الناس للمشاركة في الشأن العام والدفاع عن رؤاهم وبرامجهم.
لذلك، ليست الحزبية في ذاتها مشكلة، كما أن الانتماء إلى حزب لا ينبغي أن يكون موضع اتهام أو انتقاص. فقد ينتمي الإنسان إلى تنظيم سياسي عن قناعة، ويسهم من خلاله في خدمة قضية يؤمن بها. ولعب العمل الحزبي، في مراحل كثيرة من تاريخ الشعوب، دورًا مهمًا في تنظيم النضالات والدفاع عن الحقوق وصياغة المشاريع السياسية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء من وسيلة للعمل إلى غاية بحد ذاته، ومن إطار لتنظيم الجهد إلى إطار يحدد طريقة التفكير والحكم على الآخرين. عندها ننتقل تدريجيًا من الحزبية بوصفها ممارسة سياسية مشروعة إلى التحزّب بوصفه حالة ذهنية وسلوكية.
التحزّب لا يعني قوة الانتماء إلى الحزب أو الإخلاص له، بل يبدأ عندما يصبح موقف الحزب هو المعيار الوحيد للصواب والخطأ. فما يصدر عن الجماعة يُدافع عنه حتى عندما يكون قابلاً للنقد، وما يصدر عن الطرف الآخر يُرفض أحيانًا لمجرد أنه صادر عنه، حتى لو حمل فكرة تستحق النقاش.
عندها لا يعود السؤال: ما صحة الفكرة؟ بل: من قالها؟
ولا يعود الموقف يُناقش وفق مضمونه، بل وفق الجهة التي صدر عنها.
وهنا يفقد الحوار معناه الحقيقي، لأن الإنسان لا يدخل النقاش بحثًا عن فهم أفضل أو حل ممكن، بل يدخل وهو يحمل إجابة جاهزة لا يريد من الحوار سوى إثباتها.
وربما تكون من أخطر نتائج هذه الثقافة أنها تجعل النقد الداخلي موضع شك، وكأن الاعتراف بالخطأ يضعف الجماعة، بينما التجربة تثبت أن الجماعات التي لا تستطيع رؤية أخطائها تكون أكثر عرضة لتكرارها.
الاختلاف بين الأحزاب والتيارات السياسية أمر طبيعي، بل إن غيابه الكامل ليس دليلاً على الصحة دائماً. فالمجتمعات الحية تتعدد فيها الرؤى والمصالح والاجتهادات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى اصطفاف دائم، وعندما يصبح الآخر السياسي خصماً لا يُعترف بشرعية وجوده أو بحقه في الاختلاف.
في ثقافة الاصطفاف تضيق المساحات الوسطى، ويصبح الجميع مطالبين باختيار أحد المعسكرين. أما من يحاول الاحتفاظ برأيه المستقل أو نقد الطرفين، فقد يجد نفسه موضع شك من الجميع.
وهكذا تتحول السياسة من مجال لإدارة الاختلاف إلى ساحة لتبادل الاتهامات، ويتراجع النقاش حول البرامج والحلول لصالح الحديث عن النوايا والولاءات والانتماءات.
ولا تقف نتائج ذلك عند حدود الأحزاب، بل تمتد إلى المجتمع نفسه، فتنتقل الخصومات السياسية إلى العلاقات الاجتماعية، وتتحول وسائل التواصل إلى ساحات مواجهة، ويصبح التخوين أسرع من الحوار، والاتهام أسهل من محاولة الفهم.
وتزداد حساسية هذه الظاهرة في الواقع الكردي السوري، بحكم خصوصية القضية وتشابكها مع قضايا كردية وإقليمية أوسع. فالكرد في سوريا جزء من شعب يمتد وجوده وتاريخه إلى أجزاء أخرى من كردستان، ولا يمكن تجاهل ما يجري في هذه الأجزاء أو أثره في المشهد السوري.
لكن هذا الترابط لا يلغي خصوصية الواقع الكردي السوري، ولا يعني أن تُنقل إليه الصراعات والحسابات كما هي. فلكل جزء ظروفه السياسية والاجتماعية، ولكل مرحلة تحدياتها وأسئلتها الخاصة.
ومن هنا، فإن الحاجة هي إلى رؤية تنطلق من الواقع الكردي السوري ومصالحه وخصوصيته، مع الاستفادة من التجارب والعلاقات الكردستانية والإقليمية من دون أن تتحول إلى بديل عن القرار المستند إلى الواقع المحلي.
ليس الاستقلال الفكري حكراً على من يقفون خارج الأحزاب. فالحزبي أيضًا يستطيع أن يكون مستقلاً في تفكيره عندما يحتفظ بحقه في السؤال والنقد والاختلاف.
كما أن الإنسان المستقل قد يقع بدوره في التحزّب، عندما يتحول موقفه الرافض للأحزاب إلى تعصب ضدها، أو عندما يرتبط عمليًا بمحور معين من دون أن يعترف بذلك.
ولهذا، فإن المسألة لا تتعلق بالبطاقة الحزبية بقدر ما تتعلق بطريقة التفكير.
فالانتماء الصحي لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن عقله، ولا ينبغي أن يتحول الولاء إلى تعطيل للضمير أو القدرة على النقد.
إن الحزب الذي لا يستطيع أعضاؤه مناقشة أخطائه أو الاختلاف مع بعض قراراته يفقد تدريجيًا إحدى أهم وسائل تطوره. كما أن العضو الذي لا يرى في حزبه سوى الصواب، وفي الآخرين سوى الخطأ، لا يخدم حزبه حتى وإن كان يعتقد أنه يفعل ذلك.
وفي مثل هذه الأجواء، تبرز مسؤولية المثقف في الحفاظ على مسافة نقدية تتيح له النظر إلى المواقف بمعيار واحد، وألا يتحول انتماؤه أو قربه السياسي إلى سبب لتعطيل النقد.
فوظيفة المثقف ليست تبرير قرارات السياسي، بل طرح الأسئلة ومساءلة الأفكار والبحث عن رؤية أوسع، وفتح مساحات للحوار من دون إنكار الخلافات.
والاستقلال هنا لا يعني التخلي عن الانتماء، بل ألا يصبح الانتماء بديلاً عن التفكير.
الانتقال من ثقافة الاصطفاف إلى ثقافة التوافق لا يعني إلغاء الأحزاب أو الدعوة إلى ذوبان الفوارق السياسية والفكرية. فالتوافق الحقيقي لا يقوم على التشابه الكامل، بل على الاعتراف بالاختلاف وتنظيمه ضمن قواعد مشتركة.
ما يحتاج إليه الواقع الكردي السوري ليس حزبًا واحدًا ولا رأيًا واحدًا، بل القدرة على الاتفاق حول الحد الأدنى من القضايا المشتركة، وترك مساحة طبيعية للاختلاف حول ما عداها.
يمكن للأطراف أن تختلف في البرامج والرؤى وأساليب العمل، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى حماية المشتركات الكبرى من أن تصبح ضحية للصراعات الحزبية. وهذا يقتضي إعادة الاعتبار للحوار، والابتعاد عن لغة التخوين، والاعتراف بأن أحدًا لا يمتلك وحده الحقيقة الكاملة أو حق احتكار تمثيل المجتمع.
ربما لا تكمن المشكلة في أن يكون الإنسان حزبيًا، بل في أن ينسى أن الحزب جزء من المجتمع، وليس المجتمع جزءًا من الحزب.
وعندما يدرك الحزبي أن ولاءه لتنظيمه لا ينبغي أن يتعارض مع مسؤوليته تجاه مجتمعه، يصبح الانتماء قوة إيجابية. أما عندما يصبح الحزب غاية نهائية، ويصبح الدفاع عنه مقدمًا على الحقيقة والمصلحة العامة، فإن الحزبية تتحول إلى تحزّب.
إن الحاجة ليست إلى إلغاء الانتماءات، بل إلى تحريرها من التعصب، وليست إلى إنهاء الاختلاف، بل إلى تعلم كيفية إدارته.
وربما تكون الخطوة الأولى هي أن نميّز بين حقنا في الانتماء وواجبنا في التفكير، وبين الدفاع عن الرأي وتحويله إلى حقيقة مطلقة.
فالحزبية يمكن أن تكون وسيلة للعمل والبناء، لكن التحزّب يبدأ عندما يصبح الانتماء قيدًا على العقل.
والانتقال من ثقافة الاصطفاف إلى ثقافة التوافق لا يبدأ بالاتفاق على كل شيء، بل بالاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف، وبأن المصلحة العامة أكبر من أي حزب، وأن القضية لا يمكن أن تختزل في تنظيم أو شخص أو رؤية واحدة.
بون : 11.09.2026



