حسن قاسم
رغم المحاولات الحثيثة التي تبذلها السلطة الانتقالية في دمشق لبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، يبدو أن الطريق أمامها لا يزال طويلاً وشائكاً. فالمشكلة لم تعد مقتصرة على إدارة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، بل باتت السلطة محاصرة بضغوط داخلية وخارجية متشابكة، تجعل مهمة تثبيت الاستقرار أكثر تعقيداً.
في الجنوب، تصر إسرائيل على الإبقاء على وجودها العسكري في الأراضي السورية التي احتلتها، تحت ذريعة إقامة منطقة أمنية على حدودها. وقد جاء ذلك واضحاً خلال زيارة بنيامين نتنياهو وإسرائيل كاتس إلى مناطق نفوذ إسرائيل في الجنوب السوري. وفي المقابل، تبدو إيران حريصة على الاحتفاظ بأوراقها داخل الساحة السورية، عبر محاولة تحريك خلاياها وشبكاتها، مستفيدة من وجود بنى عسكرية ومخازن أسلحة سرية، وبالتنسيق مع حلفائها في المنطقة.
وتتحدث تقارير إعلامية عن اتصال أجراه أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معبراً عن مخاوفه من التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية. غير أن الرد الأمريكي، وفق ما أوردته تلك التقارير، جاء بأن الوجود الإسرائيلي في بعض المناطق يمثل ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ حاجزاً أمام تمدد الفصائل المرتبطة بإيران وحزب الله. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى: سوريا تحاول استعادة سيادتها، بينما تتقاسم القوى الإقليمية والدولية مناطق النفوذ فوق أرضها.
وليس المشهد الداخلي أقل تعقيداً. فالموقف الدرزي لم يعد محصوراً بالمطالبة بضمانات محلية أو ترتيبات إدارية، بل ظهرت أصوات تتحدث عن خيارات سياسية أكثر جذرية. كما أن الحضور المسيحي بدأ يأخذ شكلاً تنظيمياً وسياسياً من خلال تشكيل أطر داخل سوريا وخارجها. أما الخلافات والتوترات بين الفصائل الجهادية داخل المؤسسة العسكرية، فهي ملف آخر قد ينفجر في أي لحظة إذا لم تتمكن السلطة من بناء جيش وطني موحد فعلاً، لا مجرد تجميع تشكيلات مسلحة تحت مسمى واحد.
أما الملف الكوردي، فإنه يمثل أحد أهم الاختبارات أمام دمشق. فما سُمّي باندماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري لا يعني بالضرورة أن الخلافات قد انتهت؛ فهناك قضايا جوهرية تتعلق بالحقوق السياسية والدستورية، واللغة، والإدارة المحلية، ومستقبل القوات والمؤسسات القائمة في روجافاي كوردستان. وهذه القضايا لا يمكن اختزالها في ترتيبات عسكرية أو إدارية مؤقتة.
المشكلة السورية اليوم ليست فقط: كيف تبسط دمشق سلطتها؟ بل: أي سوريا تريد أن تبني؟
سوريا المركزية التي تحاول استعادة السيطرة بالقوة لن تكون حلاً دائماً، كما أن سوريا المقسمة إلى مناطق نفوذ لن تكون دولة مستقرة. الطريق الواقعي يمر عبر عقد سياسي جديد يعترف بتعدد سوريا القومي والديني والمذهبي، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية لامركزية، تضمن حقوق جميع مكوناتها دون استثناء.
فالسلطة الانتقالية أمام امتحان تاريخي: إما أن تنجح في بناء دولة يتساوى فيها الجميع، أو تتحول سوريا مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لصراعات الداخل والخارج.



