مقالات

الكرد بين قضية عظيمة وسياسة صغيرة

صلاح عمر

أزمتنا الكردية ليست في قلة الأحزاب، ولا في ندرة القيادات، ولا في غياب الشعارات الوطنية؛ أزمتنا أن لدينا كثرةً في السياسيين ونقصًا فادحًا في السياسة. لدينا من يتحدث باسم الشعب الكردي أكثر مما لدينا من يفكر بمستقبله، ومن يرفع راية القضية أكثر ممن يعرف كيف يحميها في دهاليز السياسة الدولية والإقليمية. لم نستطع، طوال عقود، أن نبني طبقة سياسية كردية محترفة تمتلك عقلًا استراتيجيًا، وتقرأ الجغرافيا السياسية وموازين القوى، وتفهم مصالح الدول، وتعرف كيف تحول التضحيات والفرص التاريخية إلى مكاسب سياسية وقانونية ثابتة.
والأخطر أن جزءًا كبيرًا من هذه الطبقة لم يعد يبحث عن تغيير الواقع، بل عن الموقع داخل الواقع. لا يريد إصلاحًا حقيقيًا لأن الإصلاح سيطال امتيازاته، ولا يريد مراجعة جادة لأن المراجعة ستكشف حجم الأخطاء، ولا يريد تداولًا حقيقيًا للقيادة لأن بقاءه مرتبط ببقاء المنظومة نفسها. وهكذا تحولت السياسة عند البعض من مشروع لتحرير الإنسان الكردي وبناء مستقبله إلى مهنة للعيش على القضية، ومن وسيلة لتحقيق الحقوق إلى وسيلة لحماية المواقع.
وحين تفشل هذه الطبقة في السياسة، لا تبحث عن سبب الفشل في قراراتها وحساباتها، بل تبحث عن خائنٍ جديد. كل من يسأل يصبح مشبوهًا، وكل من ينتقد يصبح عدوًا، وكل من يطالب بالمراجعة يصبح عميلًا، وكل من يرفض القرارات غير المحسوبة يُتهم بأنه يعمل ضد القضية. وكأن الوطنية الكردية أصبحت بطاقة عضوية حزبية، وكأن بعض القيادات حصلت على تفويض أبدي لتحديد من هو الوطني ومن هو الخائن.
فلنسألهم بوضوح: من أعطاكم حق توزيع صكوك الوطنية؟ ومن قال إن نقد الحزب نقدٌ للكرد؟ ومن قال إن مساءلة القيادة طعنٌ في الشهداء؟ ومن قال إن من يختلف معكم في الرؤية السياسية أصبح عدوًا للقضية؟
الشهداء ليسوا ملكًا لحزب، وتضحيات الكرد ليست رصيدًا انتخابيًا أو حزبيًا، والقضية الكردية ليست ملكية خاصة لأي تنظيم مهما امتلك من السلاح أو النفوذ أو العلاقات الدولية.
لقد كشفت السنوات الأخيرة حقيقة مؤلمة يجب ألا نهرب منها: امتلاك القوة العسكرية لا يعني امتلاك السياسة، والسيطرة على الأرض لا تعني امتلاك المستقبل، والحماية الدولية المؤقتة لا تعني امتلاك ضمانات دائمة. والسياسي الذي لا يعرف كيف يحوّل القوة إلى اتفاق، والدم إلى حق، والفرصة إلى ضمانة دستورية، قد يربح معركة عسكرية ثم يخسر المعركة السياسية التي تحدد مصير الأجيال.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من التخوين، ولا المزيد من البيانات، ولا المزيد من عبادة الأشخاص والتنظيمات، بل مراجعة كردية شجاعة تبدأ من سؤال بسيط ومزلزل: ماذا فعلنا؟ ولماذا وصلنا إلى هنا؟ ومن اتخذ القرارات؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟
نحن بحاجة إلى جيل سياسي كردي جديد؛ لا يخاف من العالم، ولا يجهله، ولا يبيع الوهم لشعبه، ولا يختبئ خلف الشهداء، ولا يستخدم القضية لحماية موقعه. جيل يعرف أن السياسة علم وموازين ومصالح وقدرة على التفاوض، وأن الوطنية ليست ارتفاع الصوت، بل القدرة على حماية المصلحة الوطنية عندما تكون الظروف أصعب ما تكون.
كردستان لا تحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يعيشون على أوجاعها؛ تحتاج إلى سياسيين يستطيعون أن يخرجوا بها من أوجاعها.
فمن لا يملك رؤيةً لمستقبل شعبه، لا يحق له أن يحتكر الحديث باسم ذلك الشعب؛ ومن يفشل في إدارة مرحلة تاريخية، عليه أن يملك شجاعة الاعتراف، لا أن يبحث عن رقبةٍ أخرى يعلّق عليها فشله.
لقد حان الوقت لأن نفهم أن أكبر خدمة يمكن أن نقدمها للقضية الكردية ليست التصفيق لقياداتها، بل قول الحقيقة لها. لأن الأمة التي تخاف من نقد قياداتها لن تحقق الحقوق القومية، والحركة التي تخاف من مراجعة أخطائها ستبقى تدور في الدائرة نفسها، مهما تغيّرت أسماء الأحزاب والوجوه والشعارات.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

بيان اعتزال

إدريس سالم أنا إدريس سالم، أكتب اليوم للمرّة الأولى دون أن أبحث عن جملة تليق بما أشعر، ودون أن أحاول أن أُنقذ…

متى سنعود إلى بيتنا؟

المهندس باسل قس نصر الله جاء أبناء جيراني، الموزعون بين ألمانيا والبرازيل وكندا والسويد وهولندا وغيرها من بلاد الغربة، لزيارة أهاليهم في…