من استفاد من اندماج قسد والسلطة الجديدة في دمشق؟

د. عدنان بوزان

ليس السؤال الحقيقي اليوم: هل اندمجت قسد في السلطة الجديدة في دمشق أم لم تندمج؟ فالاتفاقات السياسية، في النهاية، ليست نصوصاً مقدسة، ولا تعني المصافحات التي تلتقط أمام الكاميرات بالضرورة أن الشعوب خرجت رابحة من التاريخ. السؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح، وبقسوة، ومن دون خوف من الإجابة هو: من الذي استفاد فعلاً من هذا الاندماج؟ ومن الذي دفع الثمن؟

لأننا مرة أخرى، أمام مشهد سوري مألوف إلى حد الألم: القيادات تتفاوض، والأحزاب تعيد ترتيب مواقعها، والمسؤولون يحصلون على المناصب، والقوى العسكرية تعيد توزيع النفوذ، بينما يبقى الناس في المكان نفسه؛ الفقراء أكثر فقراً، والجائعون أكثر جوعاً، والشعوب التي قيل لها إن الحرب كانت من أجل كرامتها تجد نفسها بعد انتهاء المعركة، تبحث عن أبسط شروط الحياة.

وقبل فترة ليست بعيدة، قلت لأبناء شرق الفرات، من الكورد والعرب والسريان وغيرهم: إنكم لا تملكون ترف الاستمرار في الهروب من الواقع. قلت إن مصيركم الحقيقي لن يبنى في دمشق، ولا في أنقرة، ولا في أربيل، ولا في العواصم البعيدة، بل هنا، على هذه الأرض التي تجمعكم. وإن جارك الذي يعيش معك، ويعرف جوعك وخوفك ومستقبل أطفالك، أقرب إلى مصيرك من سياسي يرفع شعار القومية من وراء الحدود، ثم يتركك وحدك عندما تبدأ الكارثة.

كانت تلك حقيقة بسيطة، لكنها اصطدمت دائماً بمرض السياسة السورية القديم: تحويل الهوية إلى سلاح، والقومية إلى جدار، والطائفة إلى مشروع، والعشيرة إلى بندقية، بينما يبقى الإنسان الضحية الأخيرة.

منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، كان هناك فرق سياسي واقتصادي واجتماعي واضح بين شرق الفرات وغربه. لم يكن الأمر متعلقاً باللغة وحدها، ولا بالانتماء القومي المجرد، بل بطبيعة الحياة والمصالح والواقع الجغرافي والتاريخي. فشرق الفرات له تركيبته الخاصة، ومجتمعاته المتداخلة، وثرواته، ومشكلاته، وذاكرته السياسية المختلفة. ومع ذلك، كان هناك دائماً من يريد إقناع سكانه بأن الحل هو أن ينسوا واقعهم، وأن يضحوا بمصالحهم المحلية من أجل شعارات كبرى لا يعرفون حتى من يقررها، ولا من يستفيد منها.

وهنا كانت الكارثة. بدلاً من أن يسأل العربي في شرق الفرات: ما الذي يربطني بجاري الكوردي الذي أعيش معه منذ عقود والقرون؟ ما الذي يجمع أبناء هذه المنطقة؟ كيف نبني إدارة تحمي الجميع؟ كيف نمنع عودة المركزية التي همشتنا جميعاً؟ كيف نحافظ على مواردنا ومستقبل أطفالنا؟ جاء من أقنعه بأن عدوه الحقيقي هو جاره.

وبدلاً من أن يسأل الكوردي: كيف أحول قوتي السياسية والعسكرية إلى ضمانات دستورية حقيقية لشعبي؟ كيف أحمي حقوق الكورد من دون أن أخسر شركائي الطبيعيين في المنطقة؟ كيف أبني مشروعاً مشتركاً لا يتحول إلى سلطة حزبية؟ جاءت حسابات أخرى، وانتصرت المصالح الضيقة، وتحول المشروع الكبير تدريجياً إلى شبكة من المناصب والتفاهمات والامتيازات.

وهكذا فعلت السياسة ما تجيده دائماً عندما تفشل الشعوب في رؤية الحقيقة: دفعت الناس إلى الاقتتال، ثم جلست القيادات لاحقاً لتتقاسم نتائج الحرب.

واليوم، بعد كل ما جرى، يحق للناس أن يسألوا: ماذا استفدنا؟

إذا كان الاندماج قد منح بعض القيادات مواقع جديدة، فهل منح الكوردي ضماناً دستورياً واضحاً لحقوقه؟

وإذا كان قد منح بعض المسؤولين مناصب في مؤسسات الدولة، فهل منح العربي في شرق الفرات حياة أفضل؟

وإذا كانت الأحزاب قد حصلت على حصتها من السلطة، فهل حصلت الشعوب على حصتها من الكرامة؟

وإذا كانت القوى العسكرية قد أعادت ترتيب نفسها تحت عناوين جديدة، فهل عاد الأمن الحقيقي إلى الناس؟

المنصب ليس وطناً، والوزارة ليست خبزاً، والرتبة العسكرية ليست ضماناً لمستقبل طفل جائع.

هذه هي الحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها.

لقد اندمجت القيادات، أو تفاوضت، أو أعادت توزيع مواقعها، وربما حققت بعض القوى مكاسب سياسية وحزبية وشخصية. لكن ماذا عن الناس الذين قيل لهم إن كل هذا الصراع كان من أجلهم؟ ماذا عن الكوردي الذي ما زال يسأل عن مكانه الحقيقي في الدولة؟ وماذا عن العربي الذي اكتشف أن الشعارات القومية لا تطعم أبناءه؟ وماذا عن سكان شرق الفرات جميعاً الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى أنهم خارج التاريخ، وفي آخر قائمة المستفيدين؟

لقد كان من السهل جداً تعبئة الناس بالشعارات.

قيل لهم: هذه معركة القومية. وقيل لهم: هذه معركة الدولة. وقيل لهم: هذه معركة الهوية. وقيل لهم: هذا عدوكم. لكن أحداً لم يسألهم، بعد انتهاء كل ذلك: أين نصيبكم من النصر؟ فهل كان ذلك هو النصر الذي بشرتموهم به: أن ينتهي بهم المطاف ملتفين حول حاويات النفايات، يبحثون بين البقايا عما يسد جوع أطفالهم؟

هذه هي المأساة.

فكم من مرة حمل الناس راية لم يعرفوا من صنعها؟ وكم من مرة قاتلوا في معركة لم يعرفوا من يقرر نهايتها؟ وكم من مرة مات الأبناء، ثم ظهر أولئك الذين لم يطلقوا رصاصة واحدة ليتحدثوا عن «الانتصار»؟

هناك من دفع بعض أبناء العشائر إلى صراعات دموية، ومن غذى الانقسام بين الكورد والعرب، ومن استثمر في الخوف والكراهية، ومن حول الهوية السياسية إلى تجارة مربحة. هؤلاء هم الذين يجب أن يسألوا اليوم، لا أن تختبئ المسؤولية خلف الشعوب.

من كان يحرض؟ من كان يمول؟ من كان يوزع السلاح؟ من كان يصنع خطاب الكراهية؟ ومن كان يختفي عندما تبدأ الكارثة، ثم يعود عندما يحين وقت تقاسم السلطة؟

لقد هرب كثير من صناع الفوضى إلى مواقع جديدة، وبقي الناس في المكان نفسه، يتبادلون الاتهامات، تماماً كما يقال: هرب القاتل، وبقي أهل البيت يتشاجرون حول من فتح الباب.

وهنا يجب أن يتوقف الجميع أمام الحقيقة الأكثر قسوة: لا الكوردي استفاد من أن يستخدم اسمه من أجل مصالح حزبية، ولا العربي استفاد من أن يستخدم باسم القومية من أجل مشاريع لا تعود عليه بشيء.

فالذي كان يصرخ باسم القومية العربية، ماذا قدم لأبناء شرق الفرات عندما احتاجوا إلى الخبز والعمل والكرامة؟ والذي كان يرفع شعار القضية الكوردية، ماذا قدم للكوردي عندما تحولت القضية إلى وسيلة لحماية الحزب والنفوذ والموقع؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب هو أن تتحول قضيته إلى وظيفة سياسية. عندها يصبح الوطن سلماً. وتصبح الدماء رصيداً سياسياً. وتصبح الهوية بطاقة عبور إلى السلطة. وتتحول الجماهير إلى مجرد وقود.

واليوم، يجب أن يسأل أبناء شرق الفرات أنفسهم، بكل شجاعة: ما موقعنا الحقيقي في سوريا الجديدة؟ هل نحن شركاء فعلاً، أم مجرد سكان لمناطق مطلوبة عند الحاجة إلى الثروة والجغرافيا والقوة العسكرية؟ هل تغيرت الدولة فعلاً، أم تغيرت فقط أسماء الذين يجلسون في مكاتبها؟

فالدولة التي تطلب منك الولاء لا تصبح عادلة لمجرد أنها غيرت علمها أو خطابها. والدولة التي لا تعترف بك مواطناً كاملاً، ولا تحمي حقك، ولا تمنحك دوراً حقيقياً في تقرير مصير منطقتك، تستطيع أن ترفع ألف شعار، لكنها ستبقى دولة مركزية تنظر إلى الأطراف باعتبارها مناطق يجب إدارتها، لا شعوباً يجب احترام إرادتها.

وهنا يجب أن يفهم الكورد والعرب والسريان، وكل أبناء المنطقة، درساً تأخر كثيراً: لا أحد سيبني شرق الفرات غير أهله. لا دمشق وحدها ستفعل ذلك. ولا الأحزاب وحدها. ولا العشائر وحدها. ولا القوى العسكرية وحدها. ولا الشعارات القومية.

الذي يستطيع حماية مستقبل المنطقة هو اتفاق أبنائها على أن مصالحهم المشتركة أكبر من الأحقاد التي زرعها السياسيون بينهم. فالعربي الذي يعيش في الحسكة أو دير الزور أو الرقة ليس محتاجاً إلى أن يكره الكوردي كي يكون عربياً. والكوردي ليس محتاجاً إلى أن يخاف من العربي كي يكون كوردياً. والسرياني ليس محتاجاً إلى أن يصبح تابعاً لأحد كي يحافظ على وجوده.

هذه المنطقة لا تحتاج إلى قومية تلغي قومية، ولا إلى حزب يبتلع المجتمع، ولا إلى سلطة تستبدل استبداداً باستبداد. إنها تحتاج إلى عقد سياسي اجتماعي جديد يقول إن الناس أهم من الأحزاب، وإن الخبز أهم من الشعارات، وإن الكرامة أهم من المناصب، وإن الشراكة أهم من الهيمنة.

أما الذين ما زالوا يعيشون داخل أوهام الماضي، ويرددون الشعارات نفسها بعد أن رأوا نتائجها، فعليهم أن يسألوا أنفسهم سؤالاً بسيطاً وقاسياً: ماذا بقي لكم من كل ما دافعتم عنه؟

هل أصبحت حياتكم أفضل؟ هل أصبح أطفالكم أكثر أمناً؟ هل أصبحت كرامتكم مصانة؟ هل أصبحت مناطقكم أكثر ازدهاراً؟ هل أصبح لكم صوت حقيقي في تقرير مصيركم؟

إذا كانت الإجابة: لا، فلماذا يستمر التصفيق للذين استفادوا، بينما يدفع الناس الفاتورة؟

إن المشكلة ليست في أن الشعوب أخطأت مرة؛ فكل الشعوب تخطئ. المشكلة أن تستمر في تكرار الخطأ نفسه، بينما الذين قادوها إليه يغيرون مواقعهم وأسماءهم وشعاراتهم، ويبقون دائماً في الصف الأول عند توزيع المكاسب.

لقد آن الأوان لأن يفهم أبناء شرق الفرات أن مستقبلهم لن يبنى بالحقد المتبادل. فالذين دفعوكم إلى كراهية بعضكم قد يجلسون غداً على طاولة واحدة، ويتصافحون، ويتقاسمون المناصب، بينما تبقون أنتم في الشوارع تتجادلون حول من خان ومن انتصر.

لا تجعلوا السياسيين يتصالحون فوق رؤوسكم بعد أن تتقاتلوا من أجلهم تحت أقدامهم. هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً: من استفاد من الاندماج؟

إذا كان الجواب: الأحزاب والقيادات وأصحاب المناصب، فهذه ليست شراكة وطنية.

وإذا كان الشعب لم يحصل على حقوقه وكرامته وأمنه وخبزه، فكل الاتفاقات ليست سوى إعادة ترتيب للسلطة.

أما الكورد والعرب وأبناء شرق الفرات جميعاً، فإن أكبر أخطائهم السياسية سيكون أن يكرروا التجربة نفسها: أن يختلفوا من أجل الآخرين، ويقاتلوا من أجل الآخرين، ويجوعوا من أجل الآخرين، ثم يكتشفوا في النهاية أن الآخرين كانوا يتفاوضون منذ البداية على ثمنهم.

كفى بحثاً عن الانتصار في هزيمة الجار. فالجار لن يرحل. أما السياسيون، فسيرحلون عندما تنتهي مصالحهم. ويبقى السؤال الأخير، والأكثر قسوة:

بعد كل هذه السنوات من الدم والشعارات والانقسامات والوعود… هل تعلمتم أخيراً من الذي كان يستفيد منكم؟

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أكرم حسين لطالما ارتبط توصيف المحافظات الشرقية الثلاث، دير الزور والرقة والحسكة، في الخطاب الرسمي السوري بمصطلحات من قبيل «المحافظات النامية» أو «المناطق المتأخرة تنموياً»، في توصيف يبدو في ظاهره محايداً، لكنه يخفي في ثناياه مفارقة عجيبة بين ما تمتلكه هذه المناطق من ثروات وإمكانات وما عانته لعقود من تهميش وإهمال. فشرق سوريا ليس منطقة فقيرة بالموارد، بل هو من…

د. محمود عباس ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟ لكن الإمكان شيء، والواقع الذي انتهت إليه إيران شيء آخر يكاد يكون نقيضه. فحين نضع جانبًا للحظة صورة إيران التي كان يمكن أن تكون عليها اليوم بما تملكه من ثروات وموقع وقوة بشرية، ثم ننظر إلى إيران القائمة فعلًا، تصبح المقارنة أكثر إيلامًا من أي إدانة سياسية. فأين…

بلاغ صادر عن أحزاب اللقاء التشاوري في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها سوريا، وما يرافقها من تحولات سياسية وأمنية وإدارية، عقدت أحزاب اللقاء التشاوري اجتماعها الاعتيادي بتاريخ 1 أيلول 2026 في مدينة قامشلو، وناقشت خلاله آخر المستجدات على الساحتين السورية والكردية، ولا سيما التطورات المتعلقة بعملية الدمج، والإعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وملف الحقوق القومية والسياسية للشعب…

إ. د. اسماعيل حصاف استاذ التاريخ الحديث والمعاصر متخصص بالقضية الكردية موقع كردستان الاستراتيجي تحتل كردستان موقعا استراتيجيا مركزيا في الشرق الاوسط وغرب آسيا، وكانت، بسبب تضاريسها الجبلية، حصنا طبيعيا. علاوة على ذلك، يسكنها شعب محارب ومحب للحرية، ولذلك كانت على الدوام “بقعة ساخنة” ذات اهمية قصوى، التقت فيها المصالح المتناقضة الحادة، وشهدت اصطدام العديد من القوى المتصارعة. وبسبب موقعها…