أحمد آلوجي
شكّل الشباب الكردي في سوريا، لعقود طويلة، رئة الحركة السياسية التي تتنفس من خلالها، لكنه ظلّ، في الوقت نفسه، أسير بنية تنظيمية هرِمَة، حالت دون تحويل طاقاته الهائلة إلى قوة دفع حقيقية. ففي المراحل السابقة، تعرّضت الكوادر الشابة في أحزاب الحركة الكردية لعزوف وابتعاد، لأسباب ذاتية وموضوعية، تمثّلت في الخلافات التنظيمية والانشقاقات الأفقية والعمودية التي عصفت بهذه الأحزاب عبر مراحل زمنية مختلفة. وقد خلّفت هذه الانقسامات فجوة عميقة في الذهنية الفكرية والأسلوب النضالي بين الكوادر الشابة وقادة الصف الأول، الذين يغلب على غالبيتهم العمر فوق الخمسين. هذا التباطؤ في التجديد، جعل من انخراط الشباب في العمل الحزبي تجربة شكليّة، أشبه بـ “اللوكيميا” في جسد الأحزاب، حيث الوجود دون تأثير. ومع بداية الثورة السورية عام 2011، ازداد انخراط الشباب أملاً بتحقيق تطلعاتهم، لكن سرعان ما اصطدموا بجدار القيادات التي لم تفسح لهم المجال للارتقاء في السلم التنظيمي، ما دفع الكثيرين إلى الانسحاب أو البحث عن مسارات بديلة في المجتمع المدني.
اليوم، ومع سقوط نظام البعث في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 تقف هذه الأحزاب، وخاصة المجلس الوطني الكردي (ENKS) بصفته المظلة السياسية الأوسع، أمام مفترق طرق تاريخي. لم يعد مقبولاً الاستمرار في نهج الإقصاء والتهميش، إذ تتطلب المرحلة الجديدة استقطاب الفئات الشابة بمختلف مهنهم وتأهيلهم، لتكون لهم اليد الطولى في بناء سوريا الجديدة، وعاملاً داعماً في إقرار الحقوق الدستورية للشعب الكردي الذي ظُلم طوال عقود. والمطلوب اليوم ليس مجرد شعارات، بل إعادة هيكلة تنظيمية جذرية، تمنح الشباب مساحات حقيقية في صنع القرار، بعيداً عن المحسوبيات والبيروقراطية التي أفقدت الأحزاب مصداقيتها.
وهنا تبرز المسؤولية الكبيرة على عاتق الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا (PDK-S)، بصفته الحزب صاحب البنية الجماهيرية الأوسع والأقدم (تأسس عام 1957)، والقادر على لعب دور ريادي في قيادة هذا التحوُّل. يمكن لهذا الحزب، انطلاقاً من خبراته، أن يكون نموذجاً في تجديد الدماء، مستفيداً من تجارب ناجحة وأخرى فاشلة في دول الجوار.
فعلى سبيل المثال، في إقليم كوردستان، ورغم الثقل السياسي للأحزاب التقليدية، شهدت الساحة ظهور حركات معارضة استطاعت استقطاب الناخبين الشباب الغاضبين من تردي الخدمات والأزمات الاقتصادية وتوظيفها سياسياً، مما يؤكد أن الحيوية الشبابية يمكن أن تشكل قاعدة انتخابية وسياسية مؤثرة. وفي المقابل استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني توظيف وترويض الآلاف من الشباب وزجهم في منظماته الرديفة وفي معتركات خدمية مختلفة لصالح خدمة مشروعه القومي، كما تُظهر التجربة ذاتها أن إقصاء الشباب وعدم إشراكهم في الحكم يغذّي الهجرة واليأس.
إن استفادة المجلس الوطني الكردي، وعلى رأسه الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، من هذه التجارب تعني تبني استراتيجية واضحة لتمكين الشباب، لا تقتصر على منحهم مقاعد رمزية، بل تشمل إعادة هيكلة الأطر التنظيمية، وإطلاق منصات رقمية للحوار، ودمج الكفاءات الشابة في ملفات التفاوض وبناء الدولة. فالشباب الكردي، الذي ناضل وشارك في الثورة، هو اليوم الضمانة الحقيقية لنجاح المشروع السياسي الكردي في سوريا الجديدة، واستمرار الأحزاب في نهجها التقليدي سيكون حكماً بإعدام سياسي لحقوق الشعب الكردي. الفرصة سانحة، والوقت لم يعد في صالح التردد.
==========