عاصم أمين
في ملاعب كرة القدم قد يُعاقَب لاعب، ويُلاحَق بالشتائم، وربما تُقذف في وجهه الأحذية، لأنه أضاع هدفاً كلّف فريقه أو منتخب بلاده خسارة مباراة، حتى لو لم تكن تلك المباراة مصيرية. أما في ملاعب السياسة والحرب، حيث الخسائر أكبر والنتائج أكثر قسوة، فثمة من الساسة والقادة العسكريين من أضاعوا فرصاً، وأهدروا حقوقاً، وباعوا دماء من قاتلوا تحت رايتهم، ثم يأتي من حولهم من ينسج لهم أكاليل البطولة، ويمنحهم شرف الانتصار والمجد، حتى عندما تكون الوقائع نفسها تقول شيئاً آخر.
هنا تظهر واحدة من أبشع صور الولاء هو الولاء الذي يتحول إلى تبرير.
العقل الموالي لا ينظر إلى الحدث كما هو، وإنما كما يريد له أن يكون. لا يتعامل مع الخطأ باعتباره خطأ يحتاج إلى الاعتراف والمراجعة، بل يبحث له عن تفسير يخفف مسؤوليته. ولا يرى الخسارة خسارة إذا كان الاعتراف بها سيصيب صورة القائد أو الجماعة التي يؤمن بها. وهكذا يمكن للهزيمة أن تصبح “تراجعاً تكتيكياً”، والفشل “ليس بالإمكان افضل مما كان”، والقرار السيئ “اجتهاداً فرضته الظروف”، بينما يتحول المسؤول عن كل ذلك، مع مرور الوقت، إلى بطل لا يخطئ ومجد لا يتوارى.
المشكلة هنا لا تكمن في حب القائد أو الإيمان بالقضية، وإنما في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان المسافة العقلية الضرورية بينه وبين من يؤمن بهم. عندها تختلط القضية بالأشخاص، ويصبح نقد القيادة وكأنه طعن في القضية نفسها، ويتحول الاعتراف بخطأ واحد خيانة للتضحيات كلها. وبذلك يتحول الولاء من موقف سياسي إلى نوع من الحصانة الأخلاقية.
العقل الموالي لا يحتاج دائماً إلى أن يُطلب منه الكذب. يكفي أن يتعلم كيف ينتقي من الحقيقة ما يناسبه. يتذكر الانتصارات وينسى الخسائر، يحتفي بالشهداء ولا يتوقف كثيراً عند القرارات التي قادتهم إلى الموت، يتحدث طويلاً عن المؤامرات التي تعرض لها مشروعه، لكنه لا يمنح الأخطاء الداخلية القدر نفسه من الاهتمام. ومع كل تكرار لهذه الطريقة في التفكير، تصبح الرواية أهم من الواقع.
الأكثر بشاعة ومسوخية أن هذا العقل قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها القائد معفياً من المسؤولية مهما كانت النتائج. فإذا نجح نُسب النجاح إلى حكمته، وإذا فشل قيل إن الآخرين أفشلوا مشروعه، وإذا خسر أرضاً أو فرصة سياسية قيل إن الظروف لم تكن تسمح بأكثر من ذلك. وفي النهاية يصبح من المستحيل تقريباً أن تقع المسؤولية على الشخص او المجموعة القيادية التي اتخذت القرار، لأن هناك دائماً مبرراً جاهزاً ينتظره.
وهكذا تتحول دماء الضحايا، التي يفترض أن تكون سبباً لمراجعة القرارات، إلى وسيلة لمنع المراجعة. وكلما زادت التضحيات، أصبح التراجع عن الرواية أكثر صعوبة، لأن الاعتراف بالخطأ يبدو وكأنه تقليل من قيمة الذين ماتوا. والحقيقة أن احترام الضحايا والشهداء لا يكون بتحويل أخطاء القادة إلى بطولات، بل بالنظر بصدق إلى ما حدث، لأن الذين دفعوا حياتهم ثمناً لقضية لا يحتاجون إلى أساطير تحجب الحقيقة عنهم.
القائد السياسي والعسكري ليس فوق النقد، والتاريخ ليس محكمة تصدر أحكامها وفق مقدار التصفيق. قد يكون الشخص الذي قاد مرحلة ما صاحب إنجازات حقيقية، لكنه يظل بشراً يمكن أن يخطئ، وقد يتخذ قراراً صائباً في لحظة وقراراً كارثياً في لحظة أخرى. الاعتراف بهذا لا يهدم صورة القضية، بل يحميها من التحول إلى عقيدة مغلقة.
أخطر ما يفعله الموالي بقضيته أنه يمنحها الأشخاص بدلاً من المبادئ. فحين تصبح صورة القائد أهم من الحقيقة، يصبح الدفاع عنه غاية بحد ذاته، حتى لو كان الثمن تبرير الفشل، وتجميل الخسائر، وإعادة كتابة الوقائع.
القضايا العادلة لا تحتاج إلى عبيد ولا إلى متسلقين ولا إلى من يصفقون لكل قرار ويحولون كل هزيمة إلى انتصار. تحتاج إلى عقول اكاديمية و فكرية وثقافية نقدية قادرة على قول الحقيقة عندما تكون الحقيقة مؤلمة، وعلى الاعتراف بالخطأ حتى عندما يصدر عن الشخص الذي تحبه، وعلى الفصل بين قدسية القضية وبين بشر قد يخطئون باسمها.
فالولاء الحقيقي لا يعني أن ترى القائد دائماً على حق، بل أن تكون القضية نفسها أكبر من قائدها. أما حين يصبح الولاء أقوى من الحقيقة، يتحول الإنسان من مؤمن بقضية إلى حارس لرواية، ومن مدافع عن مبدأ إلى مبرر لكل شيء.