مصطفى عبد الوهاب العيسى
لا يفرح بقرع طبول الحرب والدعوة إليها إلا من في قلبه مرض. ومنذ اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع والسيد مظلوم عبدي، لم تتوقف أصوات الفتنة ودعاة الشر عن التحريض على الاقتتال، والدفع نحو الابتعاد عن الحلول السلمية والسياسية.
وسبق أن أشرت في أكثر من مقال إلى أن هيكلية قسد وطبيعة تكوينها لا تسمحان لها بحل نفسها بسهولة، كما هو الحال مع الفصائل العسكرية الأخرى التي حلت نفسها في أوائل العام 2025، وأن الوصول إلى هذه الخطوة يحتاج إلى وقت ومفاوضات وتفاهمات متدرجة.
اليوم، نشعر بالراحة والغبطة ونحن نرى أن ما دعونا إليه من حلول سلمية، وما توقعناه – وإن تأخر – من إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية، يتحول تدريجيا إلى واقع ملموس من خلال خطوات متتالية، كان آخرها التحول الجوهري في مسار المفاوضات، وحل قسد والانتقال إلى مرحلة جديدة نأمل أن تكون أفضل لسوريا والسوريين.
وعسى أن تكون هذه الخطوة بداية موفقة لإعادة إحياء الحياة السياسية في سوريا، واستعادة الزخم السياسي، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من العمل الوطني والحوار البناء والتوافق.
كما نأمل أن تنعكس هذه التطورات على مدينة الحسكة المظلومة والمهمشة والمنكوبة بالمعنى الحرفي، وأن تكون بداية لوضع حد لمعاناة أهلها الذين لا يزالون حتى يومنا هذا، وبعد نحو عامين على سقوط النظام، يعانون من فقدان كامل لمعظم الخدمات، ويفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة بمعنى الكلمة.
إن السلام – وإن صعب وطال طريقه – يبقى أكثر جدوى وأقل كلفة من الحرب، وما تحتاجه سوريا اليوم هو المزيد من الحكمة التي تمهد لمستقبل يتسع لجميع السوريين.
بعد حل قسد، لا بد أن ينتهي التوتر، وأن تلجم جميع الأصوات التي كانت تسعى إلى الخراب وإشعال الفتن على امتداد الجغرافيا السورية، وأن يدرك الجميع أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة بناء لا هدم، وحوار لا اقتتال، وتوافق لا تصعيد.
كما لا بد من التعاطي مع ملف السويداء بالحكمة ذاتها، وبقدر أكبر من بعد النظر، والعمل على معالجته سلميا في أقرب وقت ممكن، وقبل أن تجر السويداء سوريا بأكملها إلى خريف الغضب الذي يهدد المنطقة برمتها.
إن السوريين اليوم أمام أمل كبير بعودة الحياة السياسية إلى مسارها الطبيعي تدريجيا بعد حل قسد، ولنا كل الحق في التفاؤل بمرحلة جديدة من الحيوية السياسية، والنشاط السياسي المكثف خلال الأيام والأسابيع المقبلة، وبانفتاح أوسع على مختلف القوى والشخصيات والتيارات والمكونات السورية، وبما يتيح مشاركة سياسية حقيقية لا تقتصر على قسد وقياداتها، وإنما تشمل جميع السوريين بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم وانتماءاتهم، وفي مقدمتهم الكورد الذين لا يمكن اختزالهم بقسد، كما لا يمكن حصر مطالبهم وحقوقهم في مناصب لقيادات بعض أحزابهم.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مشاركة سياسية أوسع وأشمل، لأن استقرار سوريا لن يبنى بمقاربات وتوافقات أمنية وعسكرية – فرضتها التحولات الإقليمية – مع قسد أو غيرها فقط، ولا يمكن أن تكون المشاركة السياسية مجرد مكافآت ومناصب تمنح لبعض الشخصيات، بل ينبغي أن تكون حقا لجميع السوريين، وأن تقوم على التمثيل الحقيقي والحوار وتكافؤ الفرص وإشراك أصحاب الرأي والكفاءات السياسية في رسم مستقبل البلاد.
وعليه، فإن حل قسد ينبغي ألا ينظر إليه بوصفه نهاية لملف، أو انتصار طرف على طرف، بل باعتباره فرصة لفتح صفحة سياسية جديدة، والانتقال من مرحلة التوتر والانقسام إلى مرحلة التعافي السياسي واستعادة الحيوية السياسية، وإعادة بناء الثقة بين جميع السوريين ومؤسسات الدولة.
وكلما اتسعت دائرة المشاركة، وتراجعت لغة الإقصاء والتخوين، ازدادت فرص الوصول إلى انفراج سياسي حقيقي، وتهيأت الظروف لانفتاح سياسي أوسع يعيد إلى الحياة السياسية حيويتها. وأعتقد أن السوريين بحاجة اليوم إلى رؤية سياسية جديدة تتجاوز منطق المحاصصة وردات الفعل، وتعتمد الشراكة الوطنية.
نجاح المرحلة المقبلة لا يقاس فقط بعدد الاتفاقات التي توقع، أو بعدد التشكيلات التي تندمج في مؤسسات الدولة، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه التفاهمات إلى حياة سياسية حقيقية وطبيعية تحمي حقوق الجميع، وتتيح لكل سوري أن يشارك في الشأن العام، ويبدي رأيه دون خوف أو إقصاء.
أهم ما يمكن أن ينتج عن هذه المرحلة هو استعادة السياسة لمكانتها، وإذا نجحت سوريا في تحويل اللحظة الراهنة إلى مسار مستدام من التعافي السياسي، فإننا قد نكون أمام بداية حقيقية لاستعادة عافية الدولة والمجتمع معا.
سوريا الآن أمام فرصة لا يجب تفويتها، وهنا تحديدا تكمن أهمية المشاركة السياسية في المرحلة المقبلة. فالسوريون لا يحتاجون فقط إلى الهدوء ووقف الاقتتال، وإنما يحتاجون إلى حياة سياسية حقيقية، وأحزاب تنهض بالوطن، ومجتمع مدني، وإعلام قادر على التعبير والمناقشة والمراقبة وحتى المساءلة… إلخ.
وكلما اتسعت هذه المساحات، أصبح الانتقال من التعافي السياسي إلى الاستقرار السياسي أكثر قربا وواقعية، وتحول الانفراج السياسي الراهن والمؤقت إلى انفتاح سياسي حقيقي، بحيث يشعر كل مكون وكل مواطن وكل حزب بأن له دورا في سوريا الجديدة.
تحولات سريعة ومتلاحقة تشهدها المنطقة، وفي خضم هذه التحولات تبدو تركيا المستفيد الأكبر إلى حد بعيد، فقد ضاعفت رصيدها من النقاط على مختلف الأصعدة، وخاصة بعد الضعف الذي لحق إيران وإسرائيل في حربهما، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل بحقائق المشهد الإقليمي وتوازناته.
كما حصلت تركيا مؤخرا على جرعات كبيرة من الزخم السياسي والعسكري، مرة من خلال اتفاق مكة، ومرة أخرى بعد حل قسد الذي كان ولا يزال أحد أبرز متطلبات أمنها القومي.
وقد انعكس كل ما سبق عليها – ولو بصورة غير مباشرة – في المستوى الاقتصادي أيضا، إذا ما لاحظنا الانتعاشة التي شهدتها أسواقها المالية خلال الشهر الأخير، وإن كان من المبكر الجزم بأن هذه الانتعاشة مستدامة، أو قد تكون مؤقتة، أو حتى وليدة عوامل وتطورات أخرى لا علاقة مباشرة لها بهذه التحولات والأحداث.
والواقع أن وضع تركيا الحالي هو ما يؤرق تل أبيب كثيرا، ولا أعتقد أن إسرائيل ستقف مكتوفة الأيدي أمام المد التركي والتفوق الملحوظ الذي حققته أنقرة في الإقليم على أكثر من صعيد.
ومن هنا، فإن الصراع التركي الإسرائيلي على النفوذ وموازين القوة والسيطرة في المنطقة قد يكون البوابة الرئيسية لما أسميه مجازا: خريف الغضب، والذي لا أتوقع أن يمر من دون مواجهة أو حرب باردة على أقل تقدير بين الطرفين.
في خضم هذه المعادلة الإقليمية المعقدة، يبرز ملف السويداء بوصفه الملف الأكثر حساسية بالنسبة إلى سوريا، فهو الملف الذي يمكن أن يسحب البلاد إلى هذا الخريف، كما أنه في الوقت ذاته الملف الذي يمكن أن يجنبها الغرق فيه بصورة كاملة.
فالسويداء ليست مجرد أزمة محلية يمكن عزلها عن محيطها، بل أصبحت نقطة تقاطع بين مصالح وقوى إقليمية متعددة، وأي خطأ في إدارة هذا الملف قد تكون تداعياته أكبر بكثير من حدود المحافظة نفسها.
ولذلك، فإن الطريقة التي ستتعامل بها دمشق مع السويداء قد تحدد – إلى حد بعيد – ما إذا كانت سوريا ستواصل مسار تعافيها السياسي بصورة جيدة، أم ستجد نفسها مجددا في قلب صراع إقليمي لا طاقة لها به.
السويداء قد تكون الفيصل بين أن تعيش سوريا مرحلة التعافي السياسي والاستقرار والانفتاح بصورة متدرجة وآمنة، وبين أن تنجر إلى خريف الغضب الذي لا طاقة لسوريا ولا للسوريين به بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والاستنزاف.
ليس من السهل أبدا على سوريا أن تتجنب الدخول في صراع محتمل بين تركيا وإسرائيل، كما نجحت في تجنب الانخراط في الحرب الأمريكية الإيرانية، فطبيعة موقعها الجغرافي وحجم المصالح الإقليمية المتشابكة على أراضيها يجعلانها عرضة لضغوط هائلة من مختلف الأطراف.
ومع ذلك، لا بد من بذل كل جهد ممكن لتجنب الانجرار إلى هذا الصراع، والحفاظ على سوريا بوصفها دولة تسعى إلى إعادة بناء نفسها، لا ساحة جديدة لتصفية الحسابات الإقليمية.
قد يستعصي على الحل ويتعقد ملف السويداء أكثر فأكثر، وقد تتشابك فيه المصالح المحلية والإقليمية إلى درجة تجعل الوصول إلى تسوية نهائية أكثر صعوبة، لكنني – من وجهة نظري – لا أرى بديلا حقيقيا عن الحلول السلمية والسياسية.
ومهما بلغت صعوبة المفاوضات، ومهما بدا الوصول إلى تفاهمات شاملة أمرا شاقا، فإن الحوار يبقى أقل كلفة من الحرب، والتسوية السياسية تبقى أفضل من الانفجار، والحكمة في إدارة هذا الملف تبقى الطريق الأقصر لحماية سوريا من أن تتحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات من جديد.
إن المطلوب اليوم ليس تحقيق انتصار طرف على طرف، وإنما الوصول إلى صيغة تحفظ سوريا، وتصون أهلها وحقوقهم، وتضمن للدولة حضورها ومؤسساتها، وتمنع في الوقت نفسه تحويل المحافظة إلى ساحة نفوذ أو ورقة في الصراع التركي الإسرائيلي.
ولذلك، فإن التعامل مع السويداء يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الحكمة السياسية، وإلى نفس سياسي صبور، وإلى قناعة راسخة بأن إنقاذ سوريا من خريف الغضب يبدأ من قدرتها على إطفاء التوتر داخلها قبل أن تتحول إلى أبواب مفتوحة لتدخلات وصراعات خارجية.
قد تكون المرحلة المقبلة شديدة التعقيد، وقد تحمل تطورات سريعة ومتلاحقة لا يمكن التنبؤ بكل تفاصيلها، لكن الفرصة ما تزال قائمة.
وإذا أحسنت دمشق إدارة ملف السويداء، ونجحت في ترسيخ التعافي السياسي، فقد تتمكن سوريا من عبور هذه المرحلة الحساسة بأقل الخسائر، وتكمل طريقها نحو الاستقرار وبناء الدولة، بدل أن تجد نفسها مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية لا يعرف أحد أين وكيف يمكن أن تنتهي.