حسين أمين
منذ فترة طويلة، كثيراً ما يدور بيني وبين زوجتي نقاش وجدال حول مسألة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تحمل وراءها سؤالاً كبيراً:
لماذا، في كثير من الأحيان، يخسر العاقل وينتصر الرزيل؟
وتقول لي زوجتي، بلهجتها العفرينية التي تختصر أحياناً فلسفة كاملة بكلمات قليلة:
«دم دمو… إي ماري رَزيلة او نو ميززه !»
ثم تبدأ بسرد الأمثلة:
تقول: شوف، من الولد يبدأ الأمر.
الولد الرزيل في البيت، أهله يرعونه ويدللونه، وكل ما يطلبه يعطونه إياه.
أما العاقل، فيُطلب منه دائماً أن يفهم، وأن يتحمل، وأن يتنازل.
إذا تشاجر شخصان، أو حتى أخوان، فمن الذي يُلام؟
العاقل.
ومن الذي يُطلب منه أن يكون حكيماً ويتنازل؟
العاقل.
وإذا وقعت مشكلة بين شخصين، يتدخل الأقارب لدى الطرف العاقل ويقولون له:
«تنازل… خلصنا من المشكلة.»
أما الثرثار والفلتان وصاحب الصوت العالي، فكأن الجميع يخشى غضبه أكثر مما يحترم عقل العاقل.
وإذا كانت المشكلة مالية، فكثيراً ما يخسر صاحب الحق العاقل، بينما يخرج الرزيل رابحاً، لأنه أكثر صراخاً وإصراراً.
حتى في الزواج، تقول لي:
«العاقل يتنازل، ليس لأنه مخطئ، وإنما لأنه يريد أن تنتهي المشكلة.»
وأحياناً أشعر أنها محقة حين تقول:
على ما يبدو، حتى الحظ يحالف الرزيل في كثير من الأحيان؛ تُفتح أمامه الأبواب، بينما يواجه العاقل والمحترم قسوة الحياة ومتاعبها، وكأنه يدفع ثمن أخلاقه وعقله.
ثم نصل إلى السياسة، وهنا تصبح المسألة أكثر قسوة.
الوطني النزيه والمناضل الذي يرفض المساومة على مبادئه، قد يكون مصيره السجن أو الإقصاء أو الفصل أو الطرد، وأحياناً القتل.
وإن لم يستطيعوا إسقاطه بذلك، تبدأ بحقه حملات التشهير والاتهام، ومحاولة عزله عن محيطه وحزبه، حتى يصبح وجوده نفسه مصدر إزعاج لهم.
وهنا أسأل نفسي:
هل أصبح العقل عيباً، والصدق سذاجة، والمبدئية تهمة، والوقاحة قوة؟
وليس الأمر محصوراً في مجتمعنا فقط.
انظروا إلى سورية.
كم من الضباط انشقوا عن النظام لأنهم رفضوا قتل شعبهم؟
منهم من استشهد، ومنهم من قُتل، ومنهم من سُلّم، ومنهم من أُبعد، ومنهم من انتهى به الأمر بعيداً عن المشهد، رغم أنهم دفعوا ثمناً باهظاً لمواقفهم.
وفي المقابل، رأينا كيف استطاعت جماعات متطرفة، من القاعدة وجبهة النصرة وصولاً إلى داعش وغيرها، أن تنتقل في مراحل معينة من جماعات مطاردة إلى قوى تملك الأرض والسلاح والنفوذ، بينما أصبح الوطني الذي قاوم الاستبداد والإرهاب متهماً وملاحقاً.
يا إلهي… أي صراع هذا بين الفضيلة والرذيلة؟
والمؤلم أن المشهد نفسه يتكرر في الإعلام.
أصوات كثيرة من أصحاب الفكر والنزاهة والتنوير تُحاصر، بينما تُفتح المنابر أمام أصحاب الضجيج والتخوين والتشهير.
جيوش إلكترونية كاملة تتحرك ضد مفكر أو أكاديمي أو مناضل، ليس لأنه أخطأ، وإنما لأنه قال ما لا يريدون سماعه.
ونرى ذلك في الهجوم على البروفيسور الدكتور سربست نبي، و مثل هيثم مناع و رئيس المرصد السوري رامي عبد الرحمن والاعلامي القدير سمير متيني وغيرهم. وعلى أصوات فكرية ووطنية أخرى.
قد نختلف مع أي شخص في موقف سياسي أو فكري، وهذا حق طبيعي.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل نناقش الفكرة بالحجة، أم نحاول إسكات صاحبها بالتشهير والشتائم؟
حين يصبح الاختلاف جريمة، والنقد خيانة، والتفكير خروجاً عن الصف، نكون قد انتقلنا من الحوار إلى تربية القطيع.
الرذيلة لا تخاف من الجاهل بقدر ما تخاف من العاقل.
ولا تخاف من الصامت، بل تخاف من صاحب الصوت الحر.
ولا تخاف من إنسان بلا موقف، بل تخاف من إنسان لا يستطيع المال أو المنصب أو التهديد أن يشتري ضميره.
ولهذا قد يبدو لنا أحياناً أن الرذيلة تنتصر.
لأنها لا تضع لنفسها حدوداً.
تكذب إذا احتاجت إلى الكذب، وتشوه إذا احتاجت إلى التشويه، وتخون إذا احتاجت إلى الخيانة، وتستخدم القوة حين تعجز عن استخدام الحجة.
أما صاحب الفضيلة، فلديه حدود لا يستطيع تجاوزها.
لا يكذب لأنه يستطيع.
لا يخون لأنه يستطيع.
لا يبيع مبدئه لأنه يستطيع أن يربح.
ولهذا يدفع ثمناً أكبر.
لكنني، رغم كل ذلك، أختلف مع زوجتي في نقطة واحدة:
الرزيل قد يربح الجولة، لكنه ليس بالضرورة أن يربح التاريخ.
قد يخسر العاقل منصباً، وحزباً، ومصلحة، وربما سنوات من عمره…
لكنه يحتفظ بشيء لا تستطيع الرذيلة شراءه:
كرامته.
ولهذا أقول لزوجتي:
ربما الرذيلة أسرع في الوصول…
لكن الفضيلة أبقى.
فالتاريخ لا يخلّد دائماً من امتلك السلطة والقوة،
بل يخلّد من بقي إنساناً عندما كان بإمكانه أن يتحول إلى وحش.