الدكتور عبدالحكيم بشار
يكاد يكون هناك إجماع بين أبناء الشعب الكردي، بمختلف قواه السياسية، ومثقفيه، وناشطيه، وشرائحه المجتمعية، على أن القضية الكردية في سوريا قضية وطنية بامتياز، وأن حلها ينبغي أن يكون حلاً وطنياً سورياً، في إطار دولة ديمقراطية تضمن حقوق جميع مكوناتها على أساس المواطنة والشراكة.
ومنذ تأسيسها، انتهجت الحركة السياسية الكردية في سوريا طريق النضال السلمي بمختلف أشكاله، دفاعاً عن حقوق الشعب الكردي وهويته ووجوده، وسعياً إلى انتزاع حقوقه المشروعة ضمن إطار الدولة السورية.
ومع انطلاق الثورة السورية، وتصاعد الحراك الشعبي الديمقراطي، كانت التنسيقيات الشبابية الكردية في طليعة المشاركين في الحراك السلمي المطالب بالحرية والكرامة والتغيير، قبل أن تنخرط القوى السياسية الكردية فيه لاحقاً. وقد شكّل هذا الحراك تهديداً حقيقياً للنظام البائد، لأنه كان جزءاً من حراك شعبي واسع يطالب ببناء سوريا جديدة قائمة على الحرية والعدالة والمواطنة.
إلا أن هذا الحراك لم يستمر طويلاً، حيث تولى حزب الاتحاد الديمقراطي، عبر الإدارة التي أقامها، مواجهة وقمع جانب كبير من النشاطات الجماهيرية والسياسية المناهضة للنظام، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الحراك السياسي الكردي، وانحسار دوره، وإنهاء تجربة التنسيقيات الشبابية بصورة شبه كاملة.
وفي الوقت ذاته، ظلت أبواب النظام البائد موصدة أمام الحركة السياسية الكردية، ولم يكن هناك أي مجال حقيقي لحوار وطني جاد حول القضية الكردية أو حول حقوق الكرد ومشاركتهم في بناء مستقبل سوريا.
أما اليوم، فقد تبدلت الظروف بصورة جذرية، وأصبحت أمام الحركة السياسية الكردية فرصة تاريخية لا يجوز إهدارها.
هناك عاملان أساسيان يجعلان المرحلة الراهنة مختلفة عن المراحل السابقة:
أولاً: الانتقال من حالة العسكرة وحكم الأمر الواقع إلى إطار الدولة
إن اندماج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة ومؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة السورية يفتح الباب أمام إنهاء حالة العسكرة وحكم الأمر الواقع في المناطق الكردية، والانتقال بالقضية الكردية إلى مسارها الطبيعي: المسار السياسي الوطني السلمي.
وهذا التحول يجب أن يكون فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية الكردية على أسس مدنية وديمقراطية، وإعادة تفعيل دور الأحزاب السياسية والنخب والمثقفين والشباب ومؤسسات المجتمع المدني، بعيداً عن منطق السلاح والإقصاء وفرض الأمر الواقع.
وفي هذه المرحلة، لا بد من التأكيد على إجلالنا وتقديرنا لشهداء الثورة السورية، ولشهداء الشعب الكردي الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الحرية والكرامة وحقوق شعبهم، وعلى ضرورة احترام تضحياتهم والوقوف إلى جانب عائلاتهم ودعمها، بما يليق بما قدموه من تضحيات.
ثانياً: انفتاح الدولة السورية الجديدة على القضية الكردية
إن الأبواب التي أغلقها النظام البائد أمام الحركة السياسية الكردية لم تعد موجودة بالشكل السابق، بل إن هناك اليوم مؤشرات سياسية واضحة على انفتاح جديد تجاه القضية الكردية.
وقد أكد الرئيس أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة، أن الكرد جزء أصيل من النسيج الوطني والاجتماعي السوري، وأن ضمان حقوقهم هو حق أصيل لهم وليس منّة من أحد.
كما يشكل المرسوم التشريعي رقم 13 خطوة مهمة يمكن البناء عليها، وتطويرها ضمن رؤية وطنية ودستورية متكاملة تضمن حقوق الكرد وترسخها في إطار سوريا الجديدة.
وعليه، فإن الظروف السياسية الراهنة باتت أكثر ملاءمة من أي وقت مضى لإطلاق حراك سياسي كردي وطني، منظم، ومدروس، يمتلك رؤية واضحة وبرنامجاً سياسياً متكاملاً.
المطلوب اليوم ليس الانتظار ولا الاستمرار في الاكتفاء بالبيانات والمواقف الإعلامية، وإنما الانتقال إلى العمل السياسي الحقيقي والفاعل.
نحن بحاجة إلى برنامج كردي واضح يحدد المطالب والأهداف والأولويات، وفي مقدمتها ضمان الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد في الدستور السوري الجديد، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وضمان الشراكة الحقيقية للكرد في مؤسسات الدولة وفي بناء سوريا الجديدة.
كما أن المرحلة تتطلب إعادة ترتيب أولوياتنا ، بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة وموقف سياسي موحد تجاه الاستحقاقات الوطنية والدستورية المقبلة.
فالحقوق المشروعة لا تُتحقق بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى رؤية سياسية واضحة، وتنظيم، وتوافق، وحضور فاعل، وعمل مؤسساتي مستمر.
إننا أمام فرصة تاريخية، لكن الفرص لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.
لقد انتهت مرحلة الانتظار، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها العمل والمسؤولية.
علينا أن نكون حاضرين، وأن نمتلك مشروعنا، وأن نطرح مطالبنا بوضوح، وأن نعمل من أجل تحويلها إلى حقوق دستورية وقانونية ومؤسساتية راسخة.
لقد آن الأوان لأن ينتقل الكرد من موقع انتظار الحل إلى موقع المشاركة الفاعلة في صناعة مستقبل سوريا.
إنه وقت العمل الحقيقي، وليس شيئاً آخر