م. عبدالباقي علي
إن بناء سوريا لا ينبغي أن ينطلق من رغبة أي طرف في فرض مشروعه على الآخرين، بل من سؤال جوهري: كيف يمكن بناء دولة يشعر جميع السوريين بأنها دولتهم، لا دولة فئة أو قومية أو طائفة أو أكثرية بعينها؟
فالأكثرية، من دون ضمان حقوق الأقلية، لا تؤسس دولة المواطنة، بل قد تنتج دولة تقوم على الغلبة والإقصاء. وإذا كان المقصود بناء دولة عربية قومية على حساب بقية المكونات، فإن ذلك لا يمثل قضية تخص طرفاً واحداً، وهنا تكمن المشكلة. قد يُفرض هذا المشروع بالقوة أو بدعم توازنات دولية وإقليمية مؤقتة، لكن حقوق الكرد وغيرهم من المكونات ستظل كامنة، قابلة لإعادة التوظيف والاشتعال كلما أراد الآخرون استخدامها في صراعاتهم.
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والدمار، لم تعد سوريا بحاجة إلى إعادة بناء الحجر فحسب، بل إلى إعادة بناء مفهوم الدولة نفسه، وترميم الثقة بين السوريين، وبين المواطن والمؤسسات، وبين مختلف المكونات التي عاشت على هذه الأرض منذ أجيال.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر أيضاً إلى العلاقة بين الدولة السورية والكرد السوريين. فاندماج الكرد في الدولة لا يمكن أن يتحقق بالشعارات أو الإكراه أو إنكار خصوصيتهم، كما لا يمكن أن يتحقق من خلال مطالب غير واقعية أو مشاريع تعمّق الانقسام. المطلوب هو التزام صادق من الحكومة السورية ببناء دولة تتسع للجميع، وتمثل جميع مواطنيها وتعمل لمصلحتهم من دون تمييز. وفي المقابل، تحتاج القوى والتيارات الكردية إلى الوضوح والواقعية في مطالبها، وإلى استعداد حقيقي للدخول في شراكة وطنية لبناء سوريا موحدة وحديثة.
فالاندماج الحقيقي لا يعني الذوبان، والشراكة لا تعني تخلي الإنسان عن لغته أو ثقافته أو خصوصيته. بل على العكس، كلما شعر المواطن بأن الدولة تحترم هويته وكرامته ولغته وحقوقه، ازداد ارتباطه بها وشعوره بأنها وطنه.
وتقدم لنا تجربة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية دروساً مهمة. فقد خرجت دول أوروبية عديدة من الحرب وهي تعاني دماراً هائلاً في مدنها واقتصاداتها وبنيتها التحتية، كما تعرض بعضها للاحتلال والانقسام وتغيير الحدود والأنظمة السياسية. وكانت ألمانيا من أكثر البلدان تضرراً، في حين واجهت فرنسا وهولندا والنمسا ودول أخرى أزمات عميقة.
ومع ذلك، لم تبقَ هذه المجتمعات أسيرة الدمار إلى الأبد. فعلى مدى سنوات وعقود، أعادت بناء مؤسساتها ومدنها واقتصاداتها، واستثمرت في التعليم والصناعة والقانون والإدارة، حتى أصبحت دول عديدة منها في مقدمة دول العالم من حيث التنمية والصناعة والاستقرار ومستوى المعيشة.
ولا يعني ذلك أن التجربة الأوروبية قابلة للنسخ الحرفي في سوريا، فلكل مجتمع ظروفه وخصوصياته، وإنما يثبت أن حجم الدمار، مهما كان كبيراً، لا يجعل النهوض مستحيلاً. فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يغيب المشروع الوطني، وتصبح الأولوية للصراع على السلطة والهوية بدلاً من بناء المؤسسات والمستقبل.
ومن أبرز الدروس الأوروبية أيضاً أن التعدد اللغوي والثقافي لا يتعارض بالضرورة مع قوة الدولة ووحدتها. فهناك دول أوروبية تعترف بأكثر من لغة رسمية، وأخرى تمنح لغات الأقليات حقوقاً قانونية وتعليمية وإدارية ضمن مناطق وجودها التاريخي.
وفي ألمانيا نفسها، توجد جماعات صغيرة نسبياً حافظت على خصوصياتها اللغوية والثقافية، كما توجد مناطق يمكن فيها رؤية أسماء المدن والبلدات واللوحات مكتوبة بالألمانية وبإحدى لغات الأقليات المحلية. وتوجد كذلك أنماط من التعليم والمؤسسات الثقافية التي تساعد هذه الجماعات على الحفاظ على لغاتها وتراثها.
واللافت أن ألمانيا لم تصبح أضعف بسبب الاعتراف بهذا التنوع، كما لم يؤد وجود هذه اللغات إلى انهيار الدولة أو توقف التنمية. بل استطاعت الدولة الحديثة الجمع بين وحدة المؤسسات واحترام الخصوصيات المحلية والثقافية.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة عند مناقشة المسألة الكردية في سوريا. فالاعتراف باللغة والثقافة الكرديتين، ووضع صيغ قانونية وتعليمية مناسبة لحمايتهما، لا ينبغي أن يُفهم تلقائياً بوصفه تهديداً لوحدة البلاد. كما أن الاعتراف بالتنوع لا يعني بالضرورة تقسيم الدولة أو إقامة حدود بين مكوناتها.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول الحفاظ على الخصوصية الثقافية إلى مشروع للعزلة أو إلى إقامة جدران نفسية وسياسية جديدة بين السوريين. فالهدف يجب أن يكون بناء دولة واحدة يستطيع فيها المواطن أن يكون كردياً وسورياً، أو عربياً وسورياً، أو سريانياً وسورياً، من دون أن يُطلب منه التخلي عن جزء من هويته لإثبات انتمائه إلى الوطن.
حتى تجربة انقسام ألمانيا تحمل درساً مهماً. فبعد الحرب العالمية الثانية، انقسمت البلاد نتيجة ظروف الاحتلال والصراع الدولي إلى دولتين مختلفتين سياسياً واقتصادياً، وعاشت ألمانيا لعقود خلف حدود وجدار فصل بين الشرق والغرب.
لكن الجدار لم يصنع وحدة حقيقية داخل الجزء الشرقي، ولم يستطع أن يجعل الانقسام قدراً دائماً. وفي النهاية، انهار جدار برلين، ثم أعيد توحيد ألمانيا.
والمغزى هنا يتجاوز التجربة الألمانية نفسها: قد تفرض الجدران واقعاً لفترة من الزمن، لكنها لا تبني انتماءً حقيقياً. فالدولة الأقوى ليست التي تستطيع فصل الناس أو إخضاعهم، وإنما التي تجعل المواطنين يرغبون في البقاء داخلها لأنهم يجدون فيها الحرية والحقوق والفرص والكرامة.
ومن هنا نصل إلى أحد أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها أي سلطة، وهو الاعتقاد بأن تمثيل الأكثرية يمنحها الحق في تجاهل الأقلية.
فالديمقراطية ليست مجرد مسألة أرقام، وليست قاعدة تتيح لمن يملك خمسين في المئة زائد واحد أن يفعل ما يشاء بالباقين. حكم الأكثرية جزء من الديمقراطية، لكنه يصبح خطراً عندما لا يكون مقيداً بدستور وقانون ومؤسسات تحمي الحقوق الأساسية للجميع.
قد تتغير الأكثرية السياسية من انتخابات إلى أخرى، أما حقوق المواطن فلا ينبغي أن تتغير بتغير موازين القوى.
ولو اعتمدت الدول الحديثة فقط على منطق العدد، لاستطاعت كل أكثرية فرض لغتها وثقافتها وتصورها للحياة على بقية المجتمع. وعندها تتحول الديمقراطية تدريجياً إلى شكل جديد من أشكال الهيمنة.
ولهذا، فإن الدولة الحديثة الناجحة لا تسأل مواطنيها فقط: كم عددكم؟ بل تسأل أيضاً: ما حقوقكم؟ وكيف نضمن مشاركتكم؟ وكيف نمنع تعرض أي جماعة للتمييز أو الإقصاء، مهما كان حجمها؟ كما ينبغي للدولة أن تلاحق كل من يثير الفتن أو يهين أي أقلية إثنية أو عرقية أو دينية، لأن حماية السلم الأهلي وكرامة المواطنين مسؤولية أساسية من مسؤولياتها.
وهذا ما تحتاج إليه سوريا بصورة خاصة.
لا ينبغي أن يكون الهدف تقليص شأن مكوّن حتى يشعر مكوّن آخر بأنه أكبر، ولا إضعاف هوية لكي تقوى هوية أخرى، ولا اعتبار الاعتراف بحقوق جماعة خسارة لجماعة ثانية.
حقوق الكرد لا تنتقص من حقوق العرب، وحقوق العرب لا ينبغي أن تكون سبباً لإنكار حقوق الكرد، كما أن حقوق السريان والآشوريين والتركمان والشركس وغيرهم لا تهدد أحداً.
فالدولة التي تتسع للجميع تكون أقوى من الدولة التي تحاول جعل الجميع نسخة واحدة.
والهوية السورية الجامعة لا ينبغي أن تكون بديلاً قسرياً عن الهويات الأخرى، بل إطاراً مشتركاً يجمعها. ويمكن للإنسان أن يعتز بقوميته أو لغته أو ثقافته، وفي الوقت نفسه يشعر بانتماء كامل إلى سوريا ودولتها.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب أيضاً مسؤولية من جميع الأطراف.
فالدولة مطالبة بالاعتراف بالحقوق، ومنع التمييز، وبناء مؤسسات عادلة. وفي المقابل، تحتاج جميع القوى السياسية والقومية إلى وضع مطالبها ضمن إطار واقعي يحافظ على السلم الأهلي ويمنع إعادة إنتاج الصراع والانقسام.
ليس المطلوب أن ينتصر طرف ويستسلم الآخر، بل أن يصل الجميع إلى قناعة مفادها أن العيش المشترك أكثر فائدة من صراع لا نهاية له.
وسوريا اليوم بحاجة إلى تحويل طاقة أبنائها من الخلاف على الماضي إلى بناء المستقبل.
لقد خسر السوريون سنوات طويلة، وأرواحاً ومدناً واقتصاداً وفرصاً وتعليماً وأجيالاً كاملة من الاستقرار. والاستمرار في الصراع على من يملك الدولة سيضيف خسائر جديدة.
أما البديل، فهو الاتفاق على أن الدولة ملك لجميع مواطنيها.
وعندها تصبح الأولويات مختلفة: إعادة الإعمار، والتعليم، والصناعة، والصحة، والبنية التحتية، وفرص العمل، والقضاء المستقل، والإدارة الكفوءة، وحماية الحقوق، وتشجيع السوريين في الداخل والخارج على المشاركة في النهوض بالبلاد.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين دولة تعيش على صراعات الهوية ودولة تتطلع إلى المستقبل.
فالدولة الأولى تنشغل بالسؤال عن لغة المواطن وقوميته وطائفته، أما الدولة الثانية فتسأل: ماذا نستطيع أن نقدم له من تعليم وعدالة وفرصة وكرامة؟
سوريا التي تستحقها الأجيال القادمة ليست سوريا يستطيع فيها مكوّن أن يقول إنه انتصر على مكوّن آخر. فالنجاح الحقيقي يتحقق عندما يستطيع كل مواطن أن يقول: هذه الدولة تحميني وتمثلني وتحترمني، وأنا مسؤول عن حمايتها وبنائها.
وإذا استطاعت دول خرجت من واحدة من أكثر الحروب تدميراً في تاريخ البشرية أن تعيد بناء نفسها، وإذا استطاعت مجتمعات متعددة اللغات والثقافات أن تؤسس دولاً مستقرة ومتقدمة، فلا يوجد ما يجعل السوريين عاجزين عن تحقيق ذلك.
لكن البداية تتطلب تغييراً في طريقة التفكير.
يجب الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن دولة الأكثرية إلى دولة المواطنة، ومن الخوف من التنوع إلى إدارته واحترامه، ومن الصراع على الماضي إلى التنافس على بناء المستقبل.
فالوحدة الحقيقية لسوريا لن تُصنع بإجبار الناس على التشابه، وإنما بجعلهم مقتنعين بأن مستقبلهم المشترك أفضل من مستقبل كل طرف بمفرده.
وعندما يشعر العربي والكردي والسرياني والآشوري والتركماني والشركسي وسائر السوريين بأنهم متساوون أمام القانون، وأن لغاتهم وثقافاتهم وكرامتهم مصونة، وأن الدولة لا تنتمي إلى جماعة دون أخرى، تصبح الوحدة أكثر قوة، لا أقل.
فإعادة بناء الأبنية والطرق قد تحتاج إلى المال والوقت، أما إعادة بناء الوطن فتحتاج قبل ذلك إلى العدالة والثقة والرؤية السياسية الرشيدة.
وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام سوريا، لكنه أيضاً الطريق الوحيد لتحويلها من بلد أنهكته الحرب والانقسامات إلى دولة حديثة ومستقرة ومتقدمة، تليق بتاريخ سوريا وتضحيات أبنائها ومستقبل أجيالها.
ويجب في هذا السياق الاستفادة من تجارب عدد من الدول العربية التي عانت إخفاقات مؤسساتية واقتصادية وإدارية، وتراجع حضورها الإقليمي والدولي. فمنها دول انهارت مؤسساتها، ومنها دول ما تزال تواجه أزمات حادة ومخاطر كبيرة، مثل العراق وليبيا وتونس، بينما تعاني دول أخرى أزمات اقتصادية عميقة جعلتها عاجزة عن مواكبة مسار التنمية والتقدم في عصر التكنولوجيا الحديثة.
فكثيراً ما تستخدم الحكومات الشعارات القومية والوطنية واجهةً لكسب تعاطف الأغلبية وتوظيف ذلك في تثبيت الحكم وبناء مجد فردي أو عائلي. ومع مرور الزمن، تتآكل مؤسسات الدولة، وتضعف الإدارة والاقتصاد، وتتحول الدولة إلى أداة لخدمة السلطة بدلاً من خدمة المجتمع، إلى أن تصل في بعض الحالات إلى الانهيار الكامل.
لذلك، لا يكفي أن ترفع الدولة شعارات الوحدة أو القومية أو حماية الهوية، بل يجب أن تثبت التزامها بها من خلال مؤسسات قوية، وإدارة كفوءة، واقتصاد منتج، وقانون يساوي بين المواطنين، ونظام سياسي يمنع احتكار السلطة وتحويل الدولة إلى ملكية خاصة لفرد أو عائلة أو جماعة.
.