«على طريق الرقة» بعد عشرة أعوام: من صعود «قسد» إلى حلّها في دمشق

عدنان بدرالدين

مقدمة بمناسبة إعادة النشر

كُتب مقال «على طريق الرقة» في 5 حزيران/يونيو 2016، في مرحلة بدا فيها صعود قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في كردستان الغربية مفتوحًا على احتمالات واسعة. فمع تعاظم الدعم العسكري الأمريكي، كانت تلك القوات تتقدم في ريف الرقة الشمالي، معتمدةً على وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي ذي المرجعية الأوجلانية، والتي شكّلت عمودها الفقري. وكان مشروع «فدرالية روجآفا وشمال سوريا» قد أُعلن، وافتُتحت ممثليات للإدارة في عدد من العواصم الأوروبية. وقد رأى كثيرون في تزامن هذه التطورات العسكرية والسياسية والدبلوماسية تمهيدًا لاعتراف دولي قريب بكيان سياسي كردي يحظى بضمانات أمريكية وغربية.

انطلق المقال، في المقابل، من التمييز بين حاجة الولايات المتحدة إلى شريك عسكري محلي في حربها على تنظيم داعش، واستعدادها لتقديم ضمانة سياسية ودستورية دائمة للمشروع الذي أقامه الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني في سوريا. ولم يكن السؤال المطروح متعلقًا بقوة «قسد» العسكرية في تلك اللحظة، بل بقدرتها على تحويل تحالف مؤقت فرضته الحرب إلى اعتراف سياسي مستدام، وبمصير المؤسسات التي قامت تحت حماية ظرف دولي وإقليمي قابل للتغير.

بعد أكثر من عشرة أعوام، أعلن مظلوم عبدي، في 25 آب/أغسطس 2026 ومن قصر الشعب في دمشق، انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلّها بوصفها قوة عسكرية مستقلة، إلى جانب حلّ الإدارة الذاتية وتشكيلاتها العسكرية والمدنية ودمجها في مؤسسات الدولة السورية. جاء ذلك بعد مواجهات قصيرة مع قوات الحكومة الجديدة، وتراجع سريع عن مناطق واسعة، وخروج العناصر غير السورية، وإزالة الأعلام والرموز الحزبية، وانتقال المؤسسات الأمنية والإدارية والاقتصادية إلى سلطة الدولة.

أُطلق على العملية اسم «الاندماج»، وهو توصيف صحيح لطريقتها الإجرائية، لكنه لا يغيّر مضمونها السياسي. فما جرى لم يكن اتحادًا بين مؤسستين متكافئتين، ولا انتقالًا للإدارة الذاتية إلى داخل الدولة مع احتفاظها بشخصيتها واختصاصاتها، بل إنهاءً لبنيتها المستقلة واستيعابًا لبعض أفرادها وموظفيها ضمن مؤسسات السلطة المركزية. وقد يُمنح بعض قادتها ومسؤوليها مناصب رسمية، لكن تولّي المناصب لا يعني بذاته مشاركة فعلية في السلطة، ما لم يقترن بصلاحيات واضحة وتأثير في صنع القرار. ولن تغيّر التعيينات الجديدة، إن حدثت، هذه المعادلة ما دامت السلطة المركزية تحتكر القرار وتحدد حدود المشاركة فيه. وقد تبقى بعض الحقوق الثقافية في نطاق تحدده الدولة، غير أن بقاء هذه الحقوق أو إسناد مناصب إلى بعض قادة التجربة ومسؤوليها لا يعادل استمرار المشروع الذي حكم مناطق واسعة من سوريا بوصفه سلطة أمر واقع لها قواتها وأجهزتها الأمنية وإدارتها ومناهجها التعليمية ومؤسساتها الاقتصادية.

ويظهر هذا التحول بوضوح في مصير التعليم المدرسي وجامعة روجآفا. فالفرق جوهري بين التعليم باللغة الكردية بوصفها لغةً  لمناهج ومؤسسات مستقلة، وبين تدريس اللغة الكردية مادةً محدودة داخل نظام تعليمي تحدد الدولة مناهجه. كما أن دمج جامعة روجآفا في جامعة الفرات، واعتماد العربية والإنكليزية لغتين أساسيتين للتدريس فيها ، يعني انتهاءها بوصفها مؤسسة مستقلة أنتجتها الإدارة الذاتية، حتى إذا بقي بعض مبانيها وأساتذتها وطلابها داخل هيكل جامعي جديد.

لا تعني هذه النهاية أن الأعوام العشرة الماضية يمكن اختزالها في واقعة واحدة، لكنها تكشف أن التضحيات البشرية الهائلة التي قُدّمت في الحرب على تنظيم داعش بقيت من دون عائد سياسي ملموس. وهي تتيح، في الوقت نفسه، إعادة طرح السؤال الذي قام عليه المقال: هل تستطيع حركة سياسية أن تؤسس حقوق مجتمع وتصوغ مستقبله استنادًا إلى تحالف عسكري مؤقت مع قوة دولية، في غياب ضمانات دستورية، وتوافق كردي داخلي، وفصل واضح بين مصالح المجتمع المحلي وأجندة تنظيم عابر للحدود؟

يُعاد نشر المقال من دون تغيير في مضمونه، مع تصحيح بعض الأخطاء الإملائية والطباعية وضبط علامات الترقيم.. وقد تنتمي نبرته التهكمية وبعض صياغاته إلى المناخ السجالي الذي كُتب فيه، وربما لم تكن هي اللغة التي كنت سأستخدمها اليوم. غير أن فكرته الأساسية بقيت واضحة: الدعم العسكري الخارجي لا يتحول تلقائيًا إلى اعتراف سياسي، والمؤسسات التي تقوم بقوة الأمر الواقع تظل معرضة للزوال عندما تتغير وظيفة التحالف الذي وفر لها الحماية.

لا يُعاد نشر النص بقصد المفاخرة بتوقع تحقق بعد عشرة أعوام، ولا للتشفي بنهاية تجربة سياسية، بل لوضع قراءة نقدية كُتبت في ذروة صعود تلك التجربة بين يدي القارئ من جديد. فحلّ «قسد» والإدارة الذاتية يتيح اليوم العودة إلى ما طرحه المقال من أفكار وتوقعات، وتقييم مدى وجاهتها في ضوء المسار الذي سلكته الأحداث والنهاية التي آلت إليها التجربة.

على طريق الرقة

عدنان بدرالدين

5 حزيران/يونيو 2016

في مقابلة مع إحدى وسائل الإعلام التابعة لحزبه، اعترف السيد صالح مسلم، الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي، لأول مرة، وبصراحة، بأن دول العالم تستنكف عن الاعتراف بـ«فدرالية روجآفا وشمال سوريا» التي أعلنها حزبه مؤخرًا بالاشتراك مع بعض القوى العربية والسريانية الموالية للنظام السوري.

«أمريكا وروسيا غير جديتين ولا تؤيدان حضورًا كرديًا مستقلًا من الناحية الدستورية»، و«تركيا تقف حجر عثرة أمام علاقاتنا الدولية»، قالها مسلم بمرارة.

اعتراف المسؤول الأوجلاني الرفيع هذا كان له وقع الصاعقة في أوساط مؤيدي ومناصري حزب العمال الكردستاني، الذين يملؤون هذه الأيام الدنيا ضجيجًا حول قرب موعد الاعتراف الدولي بإدارتهم العتيدة.

إنها النتيجة المنطقية لما يحدث على الأرض، يتباهى مناصروها بحبور صاخب: ممثليات الإدارة في كبريات العواصم الأوروبية تفتح أبوابها، وقوات أمريكية تحمل شارات مقاتلي الحزب في سوريا، ووفد رفيع من الإدارة الذاتية في واشنطن، وتمسك أمريكي عنيد بالتعاون مع قوات حماية الشعب «رغم أنف الأتراك»… كلها بشائر على اقتراب موعد الاعتراف الدولي، يتابعون القول، مذكرين، كالعادة طبعًا، بحقيقة أن إدارة كردستان العراق ظلت، هي الأخرى، ردحًا من الزمن قائمة بحكم الأمر الواقع قبل أن تصبح على ما هي عليه الآن من حضور إقليمي ودولي يُعتد به.

ولكن ما لرئيسهم يرسم صورة أخرى قاتمة، وبـ«الألوان الطبيعية»، لواقع الأمور؟! إنها فعلًا «خيبة متلتلة»، كما يقول إخوتنا المصريون في مثل هذه الحالات.

إذا كانت أمريكا غير جدية إلى هذا الحد، فلماذا يزج الأخ صالح مسلم ورفاقه، إذن، بخيرة شبابنا، فتية وفتيات، في حروبها الفاشلة في سوريا؟

السيد عبد الله أوجلان، المرجعية العقائدية والسياسية الأوحد للحزب، كان ولا يزال يعتبر الولايات المتحدة الأمريكية «أصل كل بلايا العالم وكوارثه»، وهذا، كما هو واضح، لا يفسر كل الهيام المتدفق الذي يبديه الأخ مسلم وصحبه بالأمريكان ومشاريعهم في المنطقة.

هل ينقلب التلاميذ على معلمهم يا ترى؟ هل كفّت أمريكا عن أن تكون «إمبريالية»؟ ربما يكون أوباما مجرد «ثوري مقنّع»؟ ربما وربما… أسئلة تتراكم برسم الإجابة لدى أنصار «الكوموناليزم والمجتمع الآيكولوجي»!

على طريق الرقة يقف رجلان جنبًا إلى جنب، متشابكي الأيدي: باراك أوباما وصالح مسلم.

في نظر أوباما، صالح مسلم هو مجرد زعيم محلي لمنظمة صغيرة تشكل استطالة لمنظمة عسكرية–سياسية أكبر تدعى حزب العمال الكردستاني، تقوم وزارة خارجية بلاده بتجديد حضورها على لائحة «المنظمات الإرهابية» التي تصدرها كل عام. لكن التعاون معه الآن، رغم ذلك، مفيد.

أول، وعلى الأرجح آخر، رئيس أفرو/أمريكي يدخل البيت الأبيض، يحاول، مع اقتراب انقضاء ولايته الثانية، تلميع «صورته المطينة» في أذهان الأمريكيين والعالم، كأضعف وأسوأ رئيس في كل تاريخ الإمبراطورية الجامحة. هو، لذلك، بحاجة إلى انتصار ما، أي انتصار، على داعش، حتى ولو كان من النوع الهوليوودي الصرف.

أوباما، رغم ضعفه، أذكى من أن يعتقد بإمكانية القضاء على داعش في غضون الأشهر القليلة المتبقية له في الحكم، خاصة أنه أعلن بنفسه، أكثر من مرة، أن القضاء على تنظيم أبي بكر البغدادي مهمة صعبة سيتطلب تنفيذها «عشرات السنين».

في نظر صالح مسلم، أوباما، رغم كل شيء، هو رئيس أعتى قوة إمبريالية في العالم تقف عقبة كأداء أمام «مسيرة البشرية نحو إقامة نظام الكومونات والمجتمع الإيكولوجي»، لكنه الآن حليف لا غنى عنه من أجل الحفاظ على «مكتسبات ثورة روجآفا في الإدارة الذاتية الديمقراطية والفدرالية»، التي تعني، قبل هذا وذاك، الكثير من السلطة والكثير من المال.

وبفضله، أوباما، إلى حد ما، حصل «الرفاق» على أكثر مما كانوا يحلمون به بكثير: ثلاثة «كانتونات ديمقراطية»، وأعلام الحزب ترفرف على الأبنية في «روجآفا المحررة»، وصور القائد تزين كل الجدران. صورة تختزل كل الحلم الذي داعب قلوبهم لعقود، و«إنجاز تاريخي هائل» يستحق أن تُبذل في سبيله الأرواح، وأن تُراق من أجله الدماء.

بعد أشهر معدودات سيغادر أوباما البيت الأبيض ليتفرغ لكتابة مذكراته، والعمل من أجل رفع رصيده في البنوك من خلال إلقاء المحاضرات والندوات والمشاركات التلفزيونية، أو ربما قد ينذر نفسه للعمل الإنساني لمساعدة ملايين المشردين بسبب سياساته الكارثية.

بعد ذلك التاريخ، بفترة قد تطول أو تقصر، سيضطر «الرفاق» إلى أن يحزموا أمتعتهم، و«يعودوا سالمين» إلى قواعدهم في قنديل، أو إلى أي مكان آخر تراه «القيادة» مناسبًا للبدء في تنفيذ مهمة «تاريخية» و«مصيرية» جديدة.

أما شعبنا في «روجآفا»، فسيتوجب عليه أن يقوم طويلًا بإحصاء عدد بيوته المهدمة، وشهدائه، ومشرديه في المنافي والجوار، وأن يتذكر أسماء أطفاله وإخوته وجيرانه ممن أصبحوا طعامًا لأسماك البحار، وأن يشمر، بعد ذلك، عن ساعديه من أجل التصدي لمهمة إزالة آثار كل الخراب المدوي الذي تسفر عنه مغامرات «الإخوة الأعداء»، بهدف إصلاح ما يمكن إصلاحه.

إنها مهمة ستستغرق بالتأكيد عشرات السنين، ولكن بشرط أن يتبقى في كردستان الغربية ما يكفي من الكرد لتنفيذها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سيروان حجي بركو برأيي، الحل ليس أن نضع الطفل أمام خيار: إما الكردية أو العربية. وليس أيضاً أن نبني نظاماً تعليمياً كردياً منفصلاً عن الدولة السورية. الحل الأفضل هو تعليم ثنائي داخل المدرسة السورية نفسها. أن يبدأ الطفل الكردي منذ سنواته الأولى بتعلم القراءة والكتابة بالكردية، وأن يتعلم العربية أيضاً منذ البداية، بحيث يخرج من المدرسة وهو يتقن اللغتين معاً….

دلدار بدرخان‏ ‏‎Dildar Bedirxan‎‏. تقديم المناصب لهذا القيادي وذاك، إرضاءً لهذا الحزب وتلك، لن يغير من واقع القضية الكوردية شيئاً، ولن يغير من حقيقة أن القضية ليست قضية أشخاص يبحثون عن الكراسي والمواقع، ولا…

م. عبدالباقي علي إن بناء سوريا لا ينبغي أن ينطلق من رغبة أي طرف في فرض مشروعه على الآخرين، بل من سؤال جوهري: كيف يمكن بناء دولة يشعر جميع السوريين بأنها دولتهم، لا دولة فئة أو قومية أو طائفة أو أكثرية بعينها؟ فالأكثرية، من دون ضمان حقوق الأقلية، لا تؤسس دولة المواطنة، بل قد تنتج دولة تقوم على الغلبة والإقصاء….

صالح عمر Salih Omer تمخض لقاء الرئيس احمد الشرع والسيد مظلوم عبدي عن إتفاق يقضي بدمج قوات قسد والإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة وهي خطوة نراها في الإتجاه الصحيح إذا ما كانت مدخلاً حقيقياً نحو حل سياسي عادل وشامل يضمن حقوق جميع المكونات لكن كان من الأجدى بالسيد مظلوم عبدي قبل مغادرته إلى دمشق أن يندمح مع قامشلو بإعتبارها جزءا…