محمود أوسو
هذه هي النقطة التي لا يريد الكثيرون التوقف عندها.
أي سجين سياسي في العالم، وخاصة سجين مثل عبد الله أوجلان، معزول منذ 26 سنة في جزيرة إمرالي، لا يملك حرية الكتابة ولا حرية التصريح. كل ورقة تخرج، وكل رسالة تقرأ، وكل وفد يدخل، يمر عبر رقابة المخابرات التركية 100%.
فمن السذاجة أن نتعامل مع تصريحاته اليوم وكأنها تغريدة يكتبها من هاتفه.
نحن أمام احتمالين لا ثالث لهما:
الاحتمال الأول: أن الدولة التركية تتلاعب فعلا وتوظف اسمه. وهذا معمول به في كل دول العالم. الدولة تستفيد من رمزيته لتفكيك الحركة، لتقول للكردي: قائدكم نفسه قال ألقوا السلاح. وهي رسالة موجهة ليس للأكراد فقط، بل لأوروبا لتبرير سياستها.
الاحتمال الثاني: أن أوجلان نفسه تغير. وهذا أيضا وارد. فالرجل من قراءة كتبه قبل السجن إلى اليوم مر بتناقضات كبيرة. من مشروع دولة كردستان المستقلة، إلى فيدرالية، إلى كونفدرالية ديمقراطية، إلى أمة ديمقراطية، إلى الاندماج مع الجمهورية التركية. هذا ليس تطورا فكريا طبيعيا، هذا تراجع سياسي كامل.
وفي الحالتين النتيجة واحدة: الكردي هو من يدفع الثمن.
اليوم نرى حزبا كان يملك 100 ألف مقاتل ومناطق نفوذ ودعم دولي، يتنازل عن كل أهدافه، ويعلن حل نفسه، ويطلب الاندماج، وفي نفس الوقت العالم كله ما زال يصنفه إرهابيا. فماذا ربحنا؟ لا دولة، لا فيدرالية، لا حقوق دستورية، ولا حتى إزالة صفة الإرهاب.
هنا يبدأ الكردي يهاجم الكردي، هذا يقول خائن وهذا يقول فيلسوف الأمة. بينما الحقيقة أبسط: السياسي الأسير لا يصنع سياسة حرة.
الفيلسوف الحقيقي لا يبني فلسفته داخل سجن عدوه وتحت قلم مخابراته. والسياسي الحقيقي لا ينجز انتصارا تاريخيا عبر حوار مع سلطة لا تعترف أصلا بوجودك.
المشكلة ليست في شخص أوجلان، المشكلة في تقديس الشخص حتى لو كان في السجن وحتى لو كانت تصريحاته ضد مصلحة شعبه.