القضية الكوردية في سوريا مرحلة المراجعة وبناء رؤية جديدة

عبد الغني عجو
في ظل المرحلة الجديدة التي تمر بها سوريا، وكثرة التساؤلات التي يطرحها أبناء شعبنا الكوردي حول مستقبل القضية الكوردية، أرى أن من واجب الحركة السياسية الكوردية في سوريا أن توضح موقفها ورؤيتها السياسية أمام الرأي العام، ولا سيما أمام السؤال الذي أصبح يشغل الجميع: إلى أين يتجه الكورد السوريون؟ وماذا ينبغي أن تفعل الحركة السياسية الكوردية بعد اختزال القضية الكوردية وتراجع سقف الطموحات السياسية؟
إننا اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب التعامل معها بواقعية ومسؤولية، بعيدا عن الشعارات والانفعالات. فلا يجوز الاستسلام للأمر الواقع، كما لا يجوز في الوقت نفسه الاستمرار في تكرار الأخطاء والسياسات التي ساهمت في إضعاف الموقف الكوردي وفقدان القدرة على التأثير في مستقبل القضية الكوردية.
إن القضية الكوردية في سوريا ليست قضية حزب أو جهة أو شخصية، وليست مرتبطة بمرحلة سياسية أو عسكرية محددة، بل هي قضية شعب له وجوده التاريخي وحقوقه القومية والسياسية والثقافية المشروعة. ولذلك، فإن أي تغير في موازين القوى أو تراجع في مستوى الطموحات لا يعني نهاية القضية، بل يفرض علينا مراجعة أساليب العمل وإعادة ترتيب الأولويات.
ومن هنا، يجب على الكورد السوريين أن يعتمدوا بالدرجة الأولى على أنفسهم، وعلى وحدتهم وقدرتهم على بناء مشروع سياسي كوردي جامع. إن الاعتماد الكامل على القوى الدولية أو الإقليمية كان وسيبقى خطأ، لأن الدول تتحرك وفقا لمصالحها، ومواقفها تتغير بتغير هذه المصالح. وهذا لا يعني الانعزال أو قطع العلاقات مع المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، بل يعني بناء علاقات سياسية ودبلوماسية متوازنة تخدم قضيتنا، من دون رهن مصير شعبنا وحقوقه بإرادة الآخرين.
إن المطلوب اليوم من الحركة السياسية الكوردية هو مراجعة حقيقية وشجاعة للمرحلة السابقة. علينا أن نعترف بأن الانقسام الكوردي والصراعات الحزبية والشخصية أضعفت قضيتنا وأفقدتنا، في كثير من الأحيان، القدرة على التأثير. فلا يمكن أن نطالب الآخرين بالاعتراف بحقوقنا ونحن عاجزون عن بناء موقف كوردي موحد.
ومن هنا، أرى أن الأولوية في المرحلة القادمة يجب أن تكون لإعادة بناء وحدة الصف الكوردي على أسس سياسية جديدة، والبحث عن مرجعية سياسية جامعة لا تحتكرها جهة واحدة، وتضم مختلف القوى والفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية. كما يجب أن تشمل الرؤية الكوردية جميع المناطق الكوردية في سوريا، وألا تختزل القضية في منطقة واحدة أو حزب واحد أو تجربة سياسية بعينها.
إن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة نضال سياسي ودستوري وسلمي، هدفه تثبيت الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي ضمن مستقبل سوريا. وفي مقدمة هذه الحقوق الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي ووجوده القومي، وضمان اللغة والثقافة والهوية الكوردية، وإعادة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وضمان حقوق الملكية، وتحقيق مشاركة سياسية حقيقية، وإيجاد نظام إداري ديمقراطي يضمن للمجتمعات المحلية إدارة شؤونها.
وفي الوقت نفسه، يجب على الحركة السياسية الكوردية أن تعود إلى المجتمع وأن تستمع إلى صوت الشعب. فالقضية ليست مجرد اجتماعات وبيانات ومناصب حزبية، بل هي قضية مستقبل ومصير شعب، ومعاناة المهجرين، وحقوق المعتقلين، ومصالح الشباب، وحقوق أصحاب الأراضي، ومستقبل الأجيال القادمة.
إن إنقاذ شعبنا من حالة الضعف والتراجع لا يأتي من الخارج، بل يبدأ من الداخل، من المصالحة الكوردية، وإنهاء سياسة التخوين والإقصاء، واحترام الرأي المختلف، وإشراك الشباب والمرأة والمثقفين والباحثين ومنظمات المجتمع المدني في صناعة الرأي والقرار.
نحن اليوم بحاجة إلى البحث عن طريق واقعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لا ندعو إلى الاستسلام للأمر الواقع، كما لا ندعو إلى المغامرة بشعارات لا تنسجم مع الظروف والتوازنات القائمة. إن ما نحتاجه هو واقعية سياسية، وإعادة بناء المشروع الكوردي على أسس جديدة وأكثر قدرة على مواجهة المتغيرات.
فالواقعية لا تعني التخلي عن الحقوق، بل تعني معرفة كيفية الدفاع عنها في الظروف الصعبة، وتحديد ما يمكن تحقيقه اليوم، والعمل المتواصل من أجل ما يجب تحقيقه غدا.
إن الكورد السوريين والحركة السياسية الكوردية أمام مسؤولية تاريخية. فإما أن نستمر في تكرار أخطاء الماضي والانقسام وانتظار الحلول من الآخرين، وإما أن نفتح صفحة جديدة تقوم على الوحدة والتنظيم والعمل السياسي والدبلوماسي، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
ومن وجهة نظري، فإن مستقبل القضية الكوردية في سوريا يجب أن يقوم على قوة شعبنا ووحدة صفه قبل أي شيء آخر، وعلى نضال سياسي ودستوري وسلمي من أجل تثبيت الحقوق القومية المشروعة ضمن مستقبل سوريا، إلى جانب بناء علاقات دولية وإقليمية متوازنة تخدم القضية الكوردية من دون الارتهان الكامل لأي قوة خارجية.
إن القضية الكوردية لم تنته، لكنها وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها إلى مراجعة شاملة لطريقة التفكير والعمل، وإلى عقل سياسي جديد قادر على قراءة المتغيرات، ورؤية واقعية لا تفقدنا طموحنا، وشجاعة للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. وربما تكون هذه المرحلة، رغم كل صعوباتها، فرصة لإعادة بناء الحركة السياسية الكوردية بصورة أكثر نضجا، وأكثر قربا من شعبها، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن المرحلة الحالية يجب أن تدفعنا إلى التوقف أمام تجربتنا بكل صراحة، لا من أجل جلد الذات أو البحث عن المسؤوليات، بل من أجل استخلاص الدروس وبناء طريق جديد. فالقضية الكوردية أكبر من الأشخاص والأحزاب والمناصب، ومستقبل شعبنا لا يجوز أن يبقى رهينة الخلافات الداخلية أو الحسابات الحزبية الضيقة.
وأقول لكل القوى والشخصيات الكوردية: لن ينقذ القضية الكوردية حزب واحد، ولن ينقذها شخص واحد، ولن تنقذها دولة أجنبية وحدها. إن القوة الحقيقية تكمن في شعبنا، في وحدته ووعيه وتنظيمه وإرادته، وفي قدرته على تجاوز خلافاته وبناء مشروع وطني جامع يحمي حقوقه ويؤمن مستقبله.
.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

آراس اليوسف سيشكّل يوم 25 آب/أغسطس 2026 يوماً مفصلياً في تاريخ القضية الكردية في سوريا. فبعد إعلان حلّ الـPKK في 12 أيار/مايو 2025، جاء اليوم إعلان إنهاء دور قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، في وقت ما تزال فيه التفاهمات مع دمشق غير واضحة للشعب الكردي. هذا الواقع بات يفرض سؤالاً أساسياً: من يملك حق تقرير مستقبل الشعب الكردي؟ حقيقة،…

شادي حاجي أعاد إعلان السيد مظلوم عبدي في دمشق، في 25 آب/أغسطس 2026، عن انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلّها كقوة عسكرية مستقلة، طرح السؤال الأهم: هل يمثل هذا الإعلان نهاية القضية الكردية في سوريا، أم نهاية مرحلة عسكرية منها وبداية مرحلة سياسية وقانونية جديدة؟ للإجابة، لا يكفي النظر إلى خطاب عبدي وحده، بل ينبغي وضعه في سياق اتفاق…

أزاد خليل * تم إذلال مظلوم عبدي بطريقة قاسية ومهينة في قصر احمد الشرع في دمشق فقد وقف بنفسه ليعلن حلّ قسد، في مشهد لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل بدا وكأنه إعلان هزيمة أمام الجميع. حتى الميكروفون الذي كان يتحدث به مظلوم عبدي كان صوته ضعيفًا ومهزوزًا، وكأن المشهد كله صُمّم ليظهره بصورة القائد المنكسر الذي فقد كل أوراق…

تصريح صادر عن النائب كبرئيل موشي حول حل الإدارة الذاتية وقسد أرحّب بقرار حلّ الإدارة الذاتية ومؤسساتها وحلّ قوات سوريا الديمقراطية، وأعتبره خطوة وطنية مهمة على طريق ترسيخ وحدة الدولة السورية وسيادتها على كامل أراضيها. إن هذه الخطوة تأتي استجابة لإرادة وطنية واسعة، ومن شأنها أن تنقل منطقة الجزيرة التي أنهكتها سنوات الانقسام وتعدد مراكز القرار، إلى مرحلة جديدة عنوانها…