من حلّ قسد إلى حلّ القضية الكردية في سوريا

شادي حاجي 
أعاد إعلان السيد مظلوم عبدي في دمشق، في 25 آب/أغسطس 2026، عن انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلّها كقوة عسكرية مستقلة، طرح السؤال الأهم: هل يمثل هذا الإعلان نهاية القضية الكردية في سوريا، أم نهاية مرحلة عسكرية منها وبداية مرحلة سياسية وقانونية جديدة؟
للإجابة، لا يكفي النظر إلى خطاب عبدي وحده، بل ينبغي وضعه في سياق اتفاق 10 آذار/مارس 2025، والتفاهمات اللاحقة، والرؤية السياسية التي خرج بها مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في قامشلو في 26 نيسان/أبريل 2025. فقد طرحت تلك الرؤية القضية الكردية ضمن مشروع سوريا موحدة، ديمقراطية ولا مركزية، مع ضمان الحقوق القومية والسياسية والثقافية للكرد دستورياً.
حلّ قسد لا يعني تلقائياً حلّ القضية الكردية
من الطبيعي في أي دولة أن تكون القوات المسلحة والأجهزة الأمنية خاضعة لمؤسسات الدولة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى دمج قوات قسد باعتباره انتقالاً من وضع عسكري استثنائي إلى مؤسسات الدولة.
لكن القضية الكردية أوسع من قضية السلاح.
فهي تشمل الاعتراف بالوجود القومي الكردي، والمواطنة المتساوية، واللغة والثقافة، والمشاركة السياسية، والإدارة المحلية، واللامركزية، ومعالجة آثار التمييز السابق، إضافة إلى قضايا المهجرين والملكية والعودة.
ولهذا فإن السؤال الأساسي بعد حل قسد هو: ما الذي سيحل محل القوة التفاوضية العسكرية في حماية هذه الحقوق؟
إذا كان الجواب هو الدستور والقانون والمؤسسات الديمقراطية، فإن الانتقال من السلاح إلى السياسة يمكن أن يكون تطوراً إيجابياً. أما إذا بقيت الحقوق رهينة التفاهمات السياسية أو القرارات الإدارية، فإن التسوية ستظل قابلة لإعادة التفاوض.
القضية الكردية ليست قضية لغة فقط
يمثل الاعتراف باللغة الكردية وحق تعليمها تطوراً مهماً، لكنه لا يختصر القضية.
فالفرق كبير بين تدريس الكردية كمادة، وبين ضمان استخدامها لغةً للتعليم في المناطق التي تتحدث بها، وبين بناء نظام تعليمي ثنائي اللغة ضمن النظام التعليمي السوري.
والأهم من ذلك أن الحقوق الثقافية واللغوية تحتاج إلى حماية دستورية وقانونية مستقرة، بحيث لا تعتمد على إرادة حكومة أو رئيس بعينه.
ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من مفهوم «صون الحقوق» إلى ضمان الحقوق دستورياً وقضائياً.
اللامركزية هي الاختبار السياسي الأكبر
ربما تكون اللامركزية أهم قضية لم تُحسم بصورة واضحة بعد.
فالرؤية السياسية الكردية المشتركة لم تطرح مجرد حقوق ثقافية، بل ربطت الحل بقيام سوريا ديمقراطية ولا مركزية.
وهنا تبرز أسئلة جوهرية: ما صلاحيات الإدارات المحلية؟ من يقرر في التعليم والثقافة؟ كيف توزع الموارد؟ ما حدود سلطة المركز؟ وكيف يشارك السكان في إدارة مناطقهم؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بالكرد وحدهم، بل بمستقبل الدولة السورية كلها.
فاللامركزية، إذا صيغت دستورياً وبصورة متوازنة، يمكن أن تكون وسيلة للحفاظ على وحدة سوريا من خلال توزيع السلطة، لا طريقاً إلى تقسيمها.
من الشراكة العسكرية إلى الشراكة السياسية
بعد انتهاء قسد كقوة عسكرية مستقلة، يصبح التحدي هو ضمان استمرار المشاركة السياسية الكردية.
فالإندماج للمقاتلين في مؤسسات الدولة يحل مسألة السلاح، لكنه لا يحل وحده مسألة التمثيل السياسي.
وهنا من المهم التمييز بين قسد، والإدارة الذاتية، والأحزاب السياسية الكردية. فحل قسد كقوة عسكرية مستقلة، وإنهاء صيغة الإدارة الذاتية القائمة، لا يعنيان تلقائياً حل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) أو إنهاء وجوده السياسي. فالحزب، من حيث المبدأ، كيان سياسي مستقل عن المؤسسة العسكرية وعن صيغة الإدارة الذاتية، ما لم يتخذ هو قراراً بحل نفسه أو يترتب على التشريعات السورية الجديدة حكم قانوني مختلف يتعلق بالأحزاب.
ومن ثم فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تعني انتقال القوى السياسية الكردية، بما فيها حزب الاتحاد الديمقراطي وسواه، من العمل في إطار ترتيبات الأمر الواقع العسكرية والإدارية إلى العمل السياسي العلني داخل النظام السياسي السوري الجديد، وفق قواعد دستورية وقانونية متساوية تنطبق على جميع الأحزاب.
وهذا التحول، إذا تحقق، قد يكون أكثر أهمية من بقاء أي مؤسسة عسكرية أو إدارية قائمة؛ لأنه ينقل القضية الكردية من منطق القوة الميدانية إلى منطق السياسة والدستور والانتخابات.
قضايا العودة والملكية جزء من الحل
ولا ينبغي أن تختزل التسوية في مناطق شرق الفرات وحدها ( وفق المصطلحات التي استحدثت خلال الأزمة وسيطرة قسد ومسد ).
فملفات كوباني وعفرين والشيخ مقصود والمهجرين والملكية والعودة الآمنة والكريمة تحتاج إلى حلول قانونية وعملية. ولا يمكن اعتبار القضية الكردية محلولة إذا بقيت هذه الملفات الأساسية معلقة.
الخلاصة
إن إعلان حل قسد يمكن أن يمثل نهاية مرحلة عسكرية وبداية مرحلة سياسية جديدة، لكنه لا ينبغي أن يُعتبر بحد ذاته حلاً للقضية الكردية.
كما أن انتهاء صيغة الإدارة الذاتية لا يعني بالضرورة انتهاء العمل السياسي الكردي، ولا يعني تلقائياً حل الأحزاب والقوى السياسية التي نشأت أو عملت في ظل المرحلة السابقة. فالمسألة الأساسية هي ما إذا كانت هذه القوى ستنتقل إلى العمل السياسي والقانوني ضمن سوريا الجديدة، وما إذا كان النظام السياسي المقبل سيتيح لها ولغيرها التنافس والتمثيل بصورة ديمقراطية ومتساوية.
المعيار الحقيقي لنجاح التسوية سيكون في ما إذا كانت الدولة السورية الجديدة ستنتقل من الاعتراف السياسي بالحقوق إلى ضمانها دستورياً، ومن المركزية إلى لامركزية واضحة، ومن المشاركة الفردية إلى تمثيل سياسي حقيقي، ومن التفاهمات المؤقتة إلى مؤسسات وقوانين قادرة على حماية الحقوق.
وبذلك يصبح السؤال التاريخي ليس: هل حُلّت قسد؟ وإنما:
هل أدى حل قسد وإنهاء الإدارة الذاتية إلى بناء دولة سورية ديمقراطية، متعددة القوميات والثقافات، يستطيع فيها الكرد حماية حقوقهم عبر الدستور والقانون والمؤسسات والأحزاب السياسية، لا عبر السلاح؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن حل قسد يمكن أن يكون جزءاً من حل تاريخي للقضية الكردية.
أما إذا انتهى الأمر بدمج القوة العسكرية الكردية وإلغاء ترتيبات الإدارة الذاتية، بينما بقيت القضايا الدستورية والسياسية والإدارية معلقة، فإن ما يكون قد حُلّ هو ملف قسد والإدارة الذاتية، لا القضية الكردية في سوريا.
وإلى مستقبلٍ أفضل

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أزاد خليل * تم إذلال مظلوم عبدي بطريقة قاسية ومهينة في قصر احمد الشرع في دمشق فقد وقف بنفسه ليعلن حلّ قسد، في مشهد لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل بدا وكأنه إعلان هزيمة أمام الجميع. حتى الميكروفون الذي كان يتحدث به مظلوم عبدي كان صوته ضعيفًا ومهزوزًا، وكأن المشهد كله صُمّم ليظهره بصورة القائد المنكسر الذي فقد كل أوراق…

تصريح صادر عن النائب كبرئيل موشي حول حل الإدارة الذاتية وقسد أرحّب بقرار حلّ الإدارة الذاتية ومؤسساتها وحلّ قوات سوريا الديمقراطية، وأعتبره خطوة وطنية مهمة على طريق ترسيخ وحدة الدولة السورية وسيادتها على كامل أراضيها. إن هذه الخطوة تأتي استجابة لإرادة وطنية واسعة، ومن شأنها أن تنقل منطقة الجزيرة التي أنهكتها سنوات الانقسام وتعدد مراكز القرار، إلى مرحلة جديدة عنوانها…

رحب رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، بالتقدم الكبير المحرز في عملية اندماج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مع القوات الحكومية السورية، وبالخطوات المتخذة لتنفيذ الاتفاقات المبرمة بين الجانبين. واعتبر بارزاني، في تصريح له، أن هذا التقدم يشكل تطورا مهما نحو تعزيز أمن سوريا واستقرارها، داعيا جميع الأطراف الكوردية ومكونات الشعب السوري إلى دعم هذه الخطوات والمساهمة في إنجاحها. وأشاد رئيس إقليم…

محي الدين حاجي تقف الحركة الكردية التقليدية في سوريا اليوم أمام لحظة فارقة ودقيقة للغاية في تاريخها السياسي، وهي لحظة لا تحتمل التردد أو الانتظار، بل تتطلب قراءة واقعية وشجاعة للمشهد الجيوسياسية المتغير. إن أزمة هذه الحركة لا تكمن فقط في تراجع حضورها الميداني، بل في غياب المبادرة الاستباقية للتعامل مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. ولعل النظر إلى تجربة…