محي الدين حاجي
تقف الحركة الكردية التقليدية في سوريا اليوم أمام لحظة فارقة ودقيقة للغاية في تاريخها السياسي، وهي لحظة لا تحتمل التردد أو الانتظار، بل تتطلب قراءة واقعية وشجاعة للمشهد الجيوسياسية المتغير. إن أزمة هذه الحركة لا تكمن فقط في تراجع حضورها الميداني، بل في غياب المبادرة الاستباقية للتعامل مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. ولعل النظر إلى تجربة شمال كردستان (كردستان تركيا) يقدم الدرس الأكثر قسوة ووضوحاً؛ فقد أدى صعود حزب العمال الكردستاني، بنشاطه المسلح في جبال قنديل وعملياته بكردستان تركيا وهيمنته التنظيمية والمالية على المجتمع الكردي هناك، إلى ابتلاع الحياة السياسية بالكامل وإطباق السيطرة على الواجهات الكردية هناك (دم بارتي)، مما جرد الأحزاب التقليدية القومية الكردستانية من أي تأثير فعلي وأخرجها نهائياً من معادلة القرار، حتى باتت كيانات هامشية لا محل لها من الإعراب.
إن هذا السيناريو يهدد بالتكرار في سوريا من خلال الهيمنة المطلقة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وواجهاته العسكرية والسياسية، الأمر الذي يضع الوجود التاريخي للحركة التقليدية القومية أمام خطر التهميش او الإلغاء النهائي وبذلك يتحكم بمصير الشعب كتوجه غير قومي كما يحصل الان في تركيا. ومع ذلك، فإن المعادلة في سوريا لم تُحسم بالكامل بعد، وما زالت هناك فرصة قد تكون الأخيرة أمام الأحزاب التقليدية لإثبات حضورها وتغيير قواعد اللعبة. تتطلب هذه الفرصة تشكيل قوة سياسية كردية متماسكة ومقبولة من العاصمة دمشق، تستند إلى أوراق قوة حقيقية لا تزال متوفرة؛ وفي مقدمتها امتلاك موطئ قدم رسمي عبر مجلسها الوطني والتمثيل البرلماني الحالي والتمسك بالقضية الكردية كقضية ارض وشعب، وإقامة علاقات جيدة مع قيادات الدولة السورية وشخصياتها المؤثرة، إلى جانب الدعم السياسي الكبير من إقليم كردستان العراق الذي يشكل عمقاً وسنداً لا غنى عنه.
تزداد أهمية هذه المبادرة بالنظر إلى سيناريوهات التحول المرتقبة لدى الطرف المهيمن؛ إذ لا يُستبعد أن يقدم حزب الاتحاد الديمقراطي على حل نفسه شكلياً، أو تتولى قيادات الواجهة في “قسد” تأسيس حزب جديد بشرعية مختلفة وهياكل جديدة كحركة سورية يريد مشاركة السلطة بدمشق كنموذج من الأحزاب اليسارية او الشيوعية باسم الديمقراطية واخوة الشعوب كما يحصل الان في تركيا. وان هذا التكتيك الشكلي ليس مجرد التكيف مع إملاءات التفاهمات مع دمشق وحسب، بل يحاول غسل مرحلة كاملة من ماضيه، ومحو السجل الثقيل من الشعارات غير الواقعية (مثل تغيير وجهة الشرق الأوسط وثورة شعوبها)، والتنصل من التجاوزات الحقوقية، واضابير الفساد الإداري، والمخالفات التي عانى منها الشارع الكردي طوال سنوات التهميش والفقر خلال فترة حكمهم للمناطق الكردية.
لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يصطدم بأزمة خلل داخلي حاد داخل الحركة التقليدية نفسها، والمتمثل في اغتراب قياداتها؛ إذ يعيش معظم متصدري الواجهة وما يُسمى “مفكريها” خارج سوريا، يتوزعون بين عواصم أوروبا وإقليم كردستان العراق، مالكين رفاهية العيش وطرح النظريات وتوجيه الانتقادات عبر وسائل الإعلام. إن المطلوب اليوم هو ممارسة ضغط شعبي وسياسي حقيقي على هذه القيادات وإلزامها بالعودة الفورية إلى الداخل السوري، للوقوف المباشر إلى جانب شعبهم، والتشارك معه في معاناته اليومية، وقيادة المرحلة ميدانياً بدلاً من التغريد وصدارة التعازي ورأس الدبكات في المنافي.
إذا ما اعتبرنا أن التحركات والتطورات الجارية في دمشق تشكل بداية لولادة مسار(ديمقراطي) يمكن التأسيس والاعتماد عليه مستقبلاً، فإن الواجب السياسي يحتم على الحركة التقليدية (القومية) اقتناص هذه اللحظة والتفاعل الإيجابي معها. يجب الاستفادة من هذا الانفراج للانخراط الفعلي في مؤسسات الدولة السورية، وزج كوادرها المؤهلة في القطاعات والمؤسسات الخدمية والحيوية التي تمس حياة المواطنين اليومية. إن تقديم الخدمات المباشرة وتخفيف أعباء المعيشة عن الناس هو السبيل الوحيد كبديل عن الشعارات الشمولية للتمكين الحقيقي، وتثبيت أقدام الحركة على أرض الواقع الكردي والسوري.
ومن جانب آخر، ورغم أن قيادات “قسد” تمتلك حالياً القدرة على الانخراط في الحياة السياسية واتخاذ زمام المبادرة بحكم القوة الميدانية والتفاهمات مع حكومة دمشق إلا أنها لن تستطيع الاستمرار في إدارة المشهد بمفردها ودون مشاركة بقية أطراف الحركة الكردية. إن أفضل خيار استراتيجي متاح لكلا الطرفين هو توحيد جهودهما وجمع قواهما لخدمة القضية الكردية أولاً وقبل كل شيء. وان الانفراد بالسلطة والقرار من قبل أي طرف يعد انتحاراً سياسياً وإضراراً عميقاً بالقضية؛ نظراً باختلاف توجهاتهم وأهدافهم التكتيكية والاستراتيجية. ومن هنا تبرز أهمية الشراكة والعمل التكاملي؛ بحيث إذا حاد أي طرف عن الأهداف الأساسية أو انزلق في مسارات خاطئة، يظل الطرف الآخر قادراً على المتابعة وتصحيح المسار والحفاظ على ثبات الحقوق.
وفي المحصلة، فإن إنقاذ المشهد الكردي من التشرذم والهيمنة الأحادية يتطلب إجراء تقييم شامل ومراجعة صريحة من قبل كافة الأطراف، سواء الحركة التقليدية أو حزب الاتحاد الديمقراطي وقيادات “قسد”. لا بد من العودة إلى التفاهمات المشتركة وبناء أرضية توافقية تسمح بتشكيل قوة سياسية كردية موحدة وقادرة على التمثيل الفاعل داخل السلطات التنفيذية والتشريعية في سوريا. إن الهدف الأساسي من هذه الشراكة الوطنية والتوافق الداخلي ليس السعي وراء المصالح الحزبية بل ضمان الحقوق القومية المشروعة للمكون الكردي، والمساهمة الفاعلة في بناء سوريا جديدة ديمقراطية؛ سوريا يعيش فيها الإنسان الكردي بكرامته وحريته، وينعم فيها بلقمة عيش هنية وأمان دائم على أرضه.