محمد سعيد آلوجي
قد لا أكون مخطئًا إذا قلت إن إعلان مظلوم عبدي، أمس، بشأن حلّ «قسد» والتخلي عن سلاحه، والانضمام إلى حكومة الشرع، لم يكن في تقديري مجرد تنفيذ لاتفاقات سابقة كما أنه لا يبدو بأنه جاء نتيجة مشاورات واسعة مع جميع العاملين معه في قيادة «قسد».
بل إنني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا الإعلان جاء في سياق ضغوط وتوجيهات متكررة من قيادة حزب العمال الكوردستاني (PKK) وقيادات قنديل، وبما يتصل بصورة أو بأخرى بالتفاهمات والحسابات السياسية والأمنية المرتبطة بتركيا. ولا أستبعد أن تكون هذه الخطوة قد فرضت على مظلوم عبدي هامشًا ضيقًا للمناورة في ظل ارتباطات سياسية وتنظيمية تراكمت على مدى سنوات.
ومن الصعب، في الوقت نفسه، الجزم بأن مظلوم عبدي قد تخلى فعليًا عن ولاءاته وارتباطاته السابقة بقيادة حزب العمال الكوردستاني وعبد الله أوجلان. ما لم تظهر مؤشرات عملية وواضحة تثبت ذلك. فالتجارب السابقة للعديد من المنشقين عن الحزب تشير إلى أن الخروج من تلك المنظومة لم يكن أمراً سهلاً، فأن بعض من اختاروا الانفصال عنها دفعوا أثمانًا باهظة، وصلت في حالات عديدة إلى فقدانهم لحياتهم.
وإذا أردنا تناول إعلان حلّ «قسد» بعيداً عن الانفعال، وبشيء من القراءة التاريخية والسياسية، فقد يكون من المفيد العودة إلى بدايات وجود حزب العمال الكوردستاني في غربي كوردستان، والتي ارتبطت في مرحلة معينة بتعاقد عناصر منه مع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري في عهد بشار الأسد. ثم توليهم مهام مرتبطة بحراسة بعض المنشآت وحقول النفط قبل أن تتطور أدوارهم لاحقاً إلى المشاركة في مواجهة عدد من الناشطين والقوى الكوردية في سياق الثورة السورية.
وفي مرحلة لاحقة، جاءت ولادة «قسد» في إطار تركيبة عسكرية وسياسية جديدة رافقها، بحسب منتقديها، العديد من الأهداف والحسابات الإقليمية والدولية، ومن بينها محاولة الفصل بين البنية العسكرية الجديدة وبين التصنيف الإرهابي المفروض على حزب العمال الكوردستاني. إلى جانب تحقيق أهداف أخرى كان لها في نظر الكثيرين من الكورد والسوريين آثار سلبية على الحياة السياسية والاجتماعية في المنطقة.
ومع ذلك أرى بأنه من الضروري عند تقييم المرحلة الراهنة التمييز بين نظام بشار الأسد السابق، وبين الحكومة السورية الحالية برئاسة أحمد الشرع، وعدم التعامل مع المرحلتين باعتبارهما حالة واحدة. فقد اتخذت الحكومة الحالية خطوات أُعلن عنها رسمياً باتجاه الاعتراف بالهوية الكوردية، ومن بينها ما ورد في المرسوم رقم 13. إضافة إلى إقرار تدريس اللغة الكوردية ضمن المناهج التعليمية، وإعادة الجنسية إلى عدد من الذين حُرموا منها في عهد النظام السابق، وغيرها من الإجراءات التي تستحق المتابعة والتقييم بموضوعية بعيداً عن المواقف المسبقة.
وفي ضوء كل ذلك. أعتقد أن المرحلة الحالية تستوجب من الكورد المخلصين لقضيتهم إعادة النظر، وبجدية في أساليب العمل السياسي والتنظيمي التي اتُّبعت خلال العقود الماضية، والعمل على الوصول إلى صيغة مشتركة لإطلاق عمل كوردي عصري ومنظم للدافع عن الحقوق القومية والوطنية للكورد ضمن إطار سلمي وسياسي واضح. بعيداً عن احتكار القرار من قبل الأحزاب الكوردية التقليدية أو توظيف القضية القومية لخدمة مصالح شخصية أو عائلية أو حزبية ضيقة.
كما أن من الضروري في تقديري عدم بناء المستقبل على الوعود ذاتها التي صدرت في مراحل سابقة عن الجهات التي قادت أو ساندت تنظيمات حزب العمال الكوردستاني في الجزء الكوردستاني الواقع ضمن الدولة السورية، خصوصًا أن سياسات تلك المراحل تركت في نظر الكثيرين آثاراً عميقة ومؤلمة على المجتمع الكوردي، وكان من أبرز نتائجها سقوط أعداد كبيرة من خيرة شباب وبنات الكورد. فضلًا عن استمرار حالة الانقسام السياسي والاجتماعي.
إن المرحلة الجديدة تتطلب شجاعة سياسية من نوع آخر: شجاعة لمراجعة الأخطاء والاعتراف بما لم ينجح، ووضع المصلحة القومية والوطنية فوق الاعتبارات الحزبية والتنظيمية والشخصية. فالقضية الكوردية أكبر من أي حزب أو قائد، ومستقبل أجيالنا لا ينبغي أن يبقى رهينة لصراعات الماضي أو لحسابات القوى الإقليمية.
26.08.2026