بين الكرامة وضرورات البقاء: دلالات الإتفاق مابين الممكن والمأمول

ريبر هبون 
المشهد الذي ظهر فيه مظلوم عبدي في دمشق كان حزينًا ومؤسفًا ومؤلمًا بالنسبة إلى كثير من الكرد. ولا أعتقد أن أحدًا يمكنه أن ينكر ثقل ذلك المشهد على رجل قاد لسنوات قوات حاربت تنظيم داعش، وخاض معارك قاسية، ووقف خلفه آلاف المقاتلين.
لكن، ومن الناحية السياسية، علينا أن نضع المشهد في سياقه الحقيقي.
هذا هو الموجود، وهذا هو المتاح.
فمن السهل أن ننظر إلى صورة مظلوم عبدي وهو يقف في دمشق، ونرى فيها فقط قائدًا مهزومًا أو رجلًا اضطر إلى تقديم التنازلات. لكن السياسة أكثر تعقيدًا من الصورة التي تظهر أمام الكاميرا.
لقد كان واضحًا أن الخطاب، وطريقة الوقوف، والمخاطبة، وحتى الدلالات الجسدية والنفسية للمشهد، قد جرى ترتيبها بعناية. لم يكن وقوف مظلوم عبدي أمام السلطة الجديدة في دمشق أمرًا سهلًا عليه، ولا أعتقد أن الرجل ذهب إلى هناك وهو غير مدرك للرمزية الثقيلة التي يحملها هذا المشهد بالنسبة إلى الكرد.
لكن السؤال الأهم هو: هل كان أمامه خيار آخر؟
لو اختار المواجهة و«ركب رأسه»، كما يقول البعض، فماذا كان سيحدث؟
هل كانت الولايات المتحدة ستدخل حربًا جديدة دفاعًا عن الكرد؟
هل كانت فرنسا ستخوض مواجهة عسكرية من أجلهم؟
هل كان المجتمع الدولي سيمنع تركيا من التدخل؟
أم كان الكرد سيجدون أنفسهم في مواجهة عسكرية مفتوحة، من دون دولة تقف خلفهم، ومن دون جبال في كردستان سوريا يستطيعون الاحتماء بها؟
علينا أن نكون واقعيين.
الكرد في سوريا لا يملكون في الوقت الراهن أوراقًا كافية تمكنهم من فرض شروطهم على الآخرين. وهذه حقيقة مؤلمة، لكنها حقيقة.
ومن هنا أعتقد أن المشهد الذي رأيناه في دمشق لم يكن مجرد اتفاق بين طرفين محليين، حتى وإن ظهر بهذه الهيئة.
من الصعب قراءة ما حدث بمعزل عن التفاهمات والترتيبات الإقليمية والدولية التي سبقت هذا الاتفاق.
وبعد التفاهمات التي جرت بين الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، بدا أن مرحلة الشراكة السابقة بين التحالف الدولي والكرد في الحرب ضد داعش قد وصلت إلى نهايتها، وأن واشنطن لم تعد تريد استمرار الوضع السابق بالشكل نفسه.
وهنا دخلت فرنسا على الخط، ليس بالضرورة لأنها تريد أن تمنح الكرد مشروعًا سياسيًا مستقلًا، وإنما لأنها لا تريد أن تستأثر تركيا بالمشهد السوري كله.
ولهذا يبدو أن الدور الفرنسي كان، في الحد الأدنى، محاولة لتأمين حماية سياسية للكرد ومنع تعرضهم لمصير دموي مشابه لما تعرض له آخرون في سوريا، وخصوصًا الدروز في السويداء والعلويين في الساحل.
ومع ذلك، فإن هذه الضمانات لم تمنع وقوع مواجهات دامية.
شهدنا ما حدث على جبهة دير حافر، وشهدنا معركة الشيخ مقصود، التي انتهت بهزيمة الكرد وتراجعهم، وأظهرت مرة أخرى أن الحماية الدولية ليست بالضرورة حماية عسكرية مباشرة، وأن الدول تستطيع أن تترك حلفاءها في لحظة معينة أمام الأمر الواقع.
وهنا تظهر القاعدة القديمة التي يجب ألا ننساها:
الدول لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة.
لقد حارب الكرد تنظيم داعش إلى جانب التحالف الدولي، وقدموا آلاف الشهداء، وكانوا لسنوات شريكًا أساسيًا في الحرب على التنظيم.
لكن حين انتهت الحاجة العسكرية إلى تلك الشراكة، بدأت الحسابات تتغير.
وهذا هو الجانب القاسي من السياسة الدولية.
لا توجد فيها مكافأة أخلاقية مضمونة على التضحيات، ولا توجد فيها صداقة أبدية.
لذلك، من الخطأ أن ننظر إلى اتفاق دمشق باعتباره نهاية القضية الكردية.
الكرد دخلوا هذه المرحلة بما استطاعوا الحصول عليه في ظل موازين القوى الحالية.
هناك اعتراف باللغة الكردية وإمكانية استخدامها في التعليم والمناهج، وهناك حضور سياسي ومناصب مخصصة أو مرتبطة بالملف الكردي، ومن بينها تعيين مظلوم عبدي مستشارًا للشؤون الكردية، إضافة إلى موقع إلهام أحمد في مجلس الشعب السوري.
قد تبدو هذه المكاسب محدودة جدًا مقارنة بما كان يطمح إليه الكرد، لكنها في السياسة لا تُقاس فقط بما نريده، وإنما بما نستطيع انتزاعه في ظل موازين القوى الموجودة.
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا:
لم يكن الكرد في موقع يسمح لهم بفرض نظام فيدرالي أو كونفدرالي أو دولة مستقلة، ولم يكونوا قادرين على العودة إلى الحرب من دون أن يدفع المدنيون الكرد الثمن أولًا.
لذلك اختاروا البقاء داخل اللعبة السياسية، وانتظار المستقبل.
وهذا لا يعني أن المعركة انتهت.
بالعكس.
المعركة لم تنتهِ، والصراع لم ينتهِ، والتوازنات التي أنتجت هذا الاتفاق لم تستقر أصلًا.
الصراع الأمريكي الإيراني لم ينتهِ.
والتنافس الإسرائيلي التركي لم يصل إلى نهايته.
والعلاقة بين تركيا والسلطة السورية الجديدة ما زالت قابلة للتغير.
والوجود الفرنسي والأمريكي في المنطقة يمكن أن يتغير وفق تطورات كثيرة.
ولهذا لا يمكننا اليوم أن نقول إن الاتفاق الذي جرى هو اتفاق نهائي وشامل، وإن الأمور لن تتغير بعده.
من الخطأ قراءة السياسة على أنها صورة ثابتة.
ما يحدث اليوم يمكن أن يتغير غدًا إذا تغيرت المصالح، أو تغيرت التحالفات، أو حدث تصادم بين القوى الإقليمية والدولية.
وقد يكون الاتفاق نفسه رهينًا بمدى التوافق أو التنافر بين هذه القوى.
فإذا اتفقت المصالح الإقليمية والدولية على تطبيقه، فسيأخذ طريقه إلى التنفيذ.
وإذا تغيرت هذه المصالح، فقد يتغير الاتفاق نفسه أو تتغير طريقة تطبيقه.
لهذا، فإنني أتفهم تمامًا الغضب الكردي من مشهد مظلوم عبدي في دمشق.
أتفهم من رأى فيه مشهدًا مهينًا.
وأتفهم من شعر أن سنوات الدم والتضحيات لا ينبغي أن تنتهي بهذه الصورة.
لكنني في الوقت نفسه لا أعتقد أن من الإنصاف اختزال المسألة كلها في شخص مظلوم عبدي.
الرجل كان أمام خيارات صعبة جدًا.
كان يمكنه أن يرفض.
وكان يمكنه أن يقول لا.
لكن ماذا بعد «لا»؟
هذه هي النقطة التي يجب أن نجيب عنها قبل أن نحاكم الرجل.
هل كانت هناك دولة ستقف خلفه؟
هل كان هناك جيش دولي سيحميه؟
هل كانت هناك قوة إقليمية مستعدة لخوض الحرب إلى جانبه؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن رفض الاتفاق لم يكن بالضرورة بطولة سياسية، بل ربما كان مقامرة بمصير ملايين المدنيين.
وهنا يجب أن نفرق بين الكرامة السياسية والانتحار السياسي.
الكرامة أن تدخل السياسة وأنت تعرف ماذا تريد، وتحافظ على ما تستطيع الحفاظ عليه.
أما أن تدخل حربًا لا تملك أدواتها، وتترك شعبك أمام كارثة مؤكدة، فهذا ليس بالضرورة شجاعة.
كان يمكن أن تنتهي الحرب دون أن تنتهي الكرامة.
لكن أحيانًا تكون السياسة فن الحفاظ على ما تبقى إلى أن تتغير الظروف.
وهذا هو الرهان الكردي الآن.
ليس رهانًا على أن الاتفاق الحالي سيحقق كل شيء، وإنما على أن المستقبل لم يُغلق بعد.
فالكرد لم يعودوا إلى نقطة الصفر.
لديهم تجربة عسكرية وسياسية وإدارية، ولديهم علاقات دولية، ولديهم حضور في المعادلة السورية، ولديهم لغة وهوية وذاكرة وتضحيات لا يمكن محوها بقرار سياسي.
لكن عليهم في الوقت نفسه أن يتعلموا من هذه المرحلة.
أهم درس هو أن الاعتماد على الخارج وحده لا يكفي.
وأهم درس آخر أن الانقسام الكردي الداخلي يمكن أن يكون أخطر من الخصوم الخارجيين.
والدرس الثالث أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع مشروعًا سياسيًا دائمًا، كما أن السياسة وحدها لا تحمي شعبًا لا يملك أوراق قوة.
نحن أمام مرحلة جديدة، لا أمام نهاية القصة.
وقد يكون المشهد الذي رأيناه في دمشق مؤلمًا إلى درجة تجعلنا نريد إغلاق الكتاب.
لكن الكتاب لم يُغلق بعد.
السياسة في هذه المنطقة لم تقل كلمتها الأخيرة.
والاتفاق لم يُختبر بعد.
والقوى التي صنعت هذا الاتفاق قد تتوافق اليوم وتختلف غدًا.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى الكرد ليس فقط:
هل كان مشهد مظلوم عبدي في دمشق مهينًا؟
نعم، كان مؤلمًا، ولا أجد مشكلة في الاعتراف بذلك.
لكن السؤال الأهم هو:
كيف نحول هذه المرحلة الصعبة إلى فرصة، وكيف نخرج منها بأقل الخسائر، ثم نبني قوة سياسية حقيقية تمنع تكرار المشهد نفسه في المستقبل؟
فالمعركة لم تنتهِ.
وربما هذه ليست نهاية الطريق، بل نهاية مرحلة من الطريق.
والتاريخ، في النهاية، لا يرحم الشعوب التي لا تتعلم من هزائمها.
ولا يرحم أيضًا من يخلط بين الكرامة وبين الرغبة في الموت.
أحيانًا يكون الحفاظ على الشعب هو أول أشكال الانتصار، حتى لو بدا المشهد في لحظته الأولى أشبه بالهزيمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد Xalid Cemîl Mihemed للمرة الألف، يدهشني انغماس بعض عقلائنا في صدمة الهزائم المحتومة، على الأصعدة كافة، (السياسية، العسكرية، الدبلوماسية، الفكرية، الثقافية، الإبداعية، اللغوية، الإعلامية، الاجتماعية، العلمية والتربوية..)، وأحياناً، أكاد أنزلق مثلهم في كل منعطف خطِر، تمرّ به مجتمعاتنا المستباحة لكل صنوف الانتهاك، لتبرير انكسار هنا وتَصدُّع هناك، وتلميع لطخةٍ في جبين تاريخ انكساراتنا المكرورة، بالأسباب والوسائل ذاتها،…

حسن قاسم سيبقى يوم 25 آب/أغسطس 2026 يوماً مميزاً في ذاكرة الشعب الكوردي في سوريا، باعتباره اليوم الذي أُعلن فيه انتهاء مهام قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة، وانتقال قائدها مظلوم عبدي من موقع القيادة العسكرية إلى العمل السياسي بصفته مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع. ومن حيث المبدأ، لا يمكن النظر إلى إنهاء الحالة العسكرية والانتقال إلى مرحلة سياسية ومدنية…

طلال محمد شهدت الساحة السورية خلال الساعات الماضية تطورات سياسية بالغة الأهمية، تمثلت في ظهور مظلوم عبدي في قصر الشعب بدمشق، والإعلان عن انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بصيغتها العسكرية المستقلة، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على دمج القوات والمؤسسات ضمن مؤسسات الدولة السورية، وترافقت هذه التطورات مع انتقال مظلوم عبدي إلى موقع سياسي جديد داخل مؤسسات الدولة، الأمر…

محمدالشرف الحسيني 1- من دولة إدارة الصراع إلى دولة مكافحة الإرهاب والاستثمار وإعادة الإعمار * تمهيد: الحدث الكوردي–السوري الجديد قبل البدء، لا بد من تسجيل وجهة نظري في الحدث الكوردي–السوري الجديد، والمتمثل في الإعلان الرسمي عن حلّ قوات سوريا الديمقراطية ضمن صيغة الدولة السورية الجديدة. وبرأيي، فإن هذا الإعلان لن يكون نهاية المسار، بل بداية لمرحلة سياسية جديدة في العلاقة…