تركيا : من السلاح إلى السلام: هل آن أوان إعادة بناء الاستراتيجية الكردية في تركيا؟

د . مرشد اليوسف
على مدى نصف قرن تقريبا ، خاضت الحركة الكردية المسلحة في تركيا صراعاً طويلاً ومكلفاً، حمل في بداياته هدفاً يتجاوز مجرد الاعتراف الثقافي أو اللغوي، ووصل إلى المطالبة بدولة كردية مستقلة. غير أن حصيلة هذا الصراع، رغم ما أحدثه من تحولات عميقة في الوعي الكردي وفي السياسة التركية، لم تؤدِّ إلى تحرير إقليم كردي أو إقامة كيان سياسي كردي مستقل داخل تركيا.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة الاستراتيجية، لا من موقع الهزيمة النفسية، وإنما من موقع قراءة ميزان القوى بواقعية.
فتركيا دولة كبيرة ذات مؤسسات عسكرية وأمنية واقتصادية قوية، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك قدرة عالية على الاستمرار في حرب طويلة. وفي المقابل، لم تتمكن الحركة الكردية المسلحة، رغم قدرتها على الاستمرار والمقاومة، من تحويل قوتها العسكرية إلى مكاسب إقليمية دائمة. ولذلك فإن استمرار الحرب بالطريقة نفسها قد يعني إعادة إنتاج النتيجة نفسها: خسائر بشرية ومادية كبيرة، من دون الوصول إلى حل سياسي نهائي.
من هنا يصبح السلام خياراً استراتيجياً، وليس مجرد تراجع تكتيكي.
لكن السلام لا يعني أن يقبل الكرد بكل الشروط التركية إلى الأبد. فالانتقال من السلاح إلى السياسة ينبغي أن يعني الانتقال من محاولة فرض الحقوق بالقوة إلى انتزاعها بالتفاوض والمؤسسات والقانون والديمقراطية. وهذا فرق جوهري.
قد تبدأ العملية بشروط تضعها أنقرة، لأن ميزان القوى يفرض ذلك، لكن السياسة ليست لحظة واحدة.
إنها مسار طويل وما لا يستطيع الطرف تحقيقه عسكرياً قد يستطيع تحقيق جزء منه سياسياً عبر البرلمان، والأحزاب، والمجتمع المدني، والإعلام، والانتخابات، والضغط الدولي، وتغيير الثقافة السياسية داخل الدولة.
والأهم أن السلام الحقيقي يحتاج إلى ضمانات متبادلة. فإذا كان المطلوب من الكرد التخلي عن العمل المسلح، فمن الطبيعي أن يقابله انتقال تركي تدريجي من المقاربة الأمنية إلى المقاربة السياسية، مع معالجة القضايا المتعلقة باللغة والثقافة والحقوق المدنية والمشاركة السياسية والتنمية والمساواة أمام القانون.
إن قبول السلام لا ينبغي أن يعني قبول فكرة أن «القضية الكردية انتهت». بل يعني أن أدوات التعامل معها تغيرت.
لقد أثبت التاريخ أن الحركات القومية لا تنتصر دائماً بالسلاح. أحياناً تنتصر عندما تتحول من حركة عسكرية إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على بناء المؤسسات والتأثير في الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي أمام الكرد في تركيا اليوم ليس: هل انتصر السلاح أم انهزم؟ بل: ما الأداة التي يمكن أن تحقق للكرد في المستقبل ما عجز السلاح عن تحقيقه خلال عقود؟
وقد تكون الإجابة: السلام، ثم السياسة، ثم التفاوض الطويل النفس.
فالسلام الذي يبدأ بشروط الطرف الأقوى يمكن أن يتحول، مع مرور الزمن، إلى تسوية أكثر توازناً إذا امتلك الطرف الآخر رؤية سياسية واضحة، ومؤسسات قوية، ووحدة داخلية، وقدرة على العمل الديمقراطي.
وفي هذه الحالة لا يكون الانتقال من الحرب إلى السلام تخلياً عن القضية الكردية، وإنما إعادة تعريف لمعركة الحقوق: من الجبل إلى البرلمان، ومن البندقية إلى السياسة، ومن الصراع المسلح إلى النضال الديمقراطي.
وقرار البرلمان التركي في البارحة خطوة جيدة باتجاه السلام المطلوب .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر مصيبتنا الكردية، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، لم تكن في غياب التضحيات، ولا في ندرة الرجال، ولا حتى في نقص الشعور القومي؛ كانت في العجز عن تحويل هذا الشعور إلى عقل سياسي قادر على قراءة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لقد عرف الكرد كيف يقاومون، وكيف يموتون من أجل قضيتهم، وكيف يحافظون على هويتهم…

رامان يوسف Raman Yousef تفاجأ سكان الحسكة اليوم بدخول عشرات الآليات المحمّلة بعناصر من الأمن العام. الأرتال تتمركزت في معسكر الطلائع شرق المدينة ، بعد أن أخلته «قسد» قبل أسبوع، هو جزء من اتفاقية 29 كانون الثاني، التي تفاجئنكم تفاصيلها في كل مرة. ويبررها مراهقو الإدارة و اعلامييها . القوات الخاصة التي دخلت ، لا يكفي و هناك المزيد، ستُوكل…

محمد صالح شلال شهد الشرق الأوسط منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٥ تحولات عميقة تجاوزت في نتائجها حدود الحرب في غزة، وأعادت ترتيب موازين القوى الإقليمية والدولية، ووضعت العديد من المشاريع السياسية والعسكرية التي كانت تبدو حتى وقت قريب ثابتة ومستقرة أمام اختبار وجودي. فالحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس لم تبقَ محصورة في…

محمد سعيد آلوجي إن كانت تنظيمات حزب العمال الكوردستاني في غرب كوردستان قد سلّمت أمرها للحكومة المركزية المؤقتة في دمشق، وعلى رأسها قسد. بموجب اتفاقات الدمج الموقعة بين السيد مظلوم عبدي والحكومة السورية المؤقتة. بعد أن كانت قد بسطت سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية. لينحسر وجودها فيما بعد في أقل من نصف محافظة الحسكة، وذلك بعد فشلها في…