سري كانيه/رأس العين: من حق العودة إلى خطر الفتنة

م. عبد الباقي علي
ما جرى مع عودة عدد من مهجّري سري كانيه/رأس العين لا ينبغي اختزاله بعبارة «مشاجرة بين عائدين وقاطنين حاليين». هذا التوصيف الرسمي الأول كان من أكبر الأخطاء، لأنه أعطى انطباعًا بأننا أمام طرفين متساويين يتنازعان على منازل، بينما القضية في جوهرها تتعلق بأهالٍ عادوا بعد سنوات من التهجير إلى مدينتهم وبيوتهم.

بحسب ما ظهر لاحقًا من شهادات ومقاطع مصورة وروايات متعددة، لم يكن الأمر مجرد خلاف داخل منزل واحد، بل وقعت اعتداءات في أكثر من موقع، وشارك فيها أفراد ومجموعات استخدم بعضهم السلاح، فيما استخدم آخرون العصي والسكاكين. كما أن الخطاب الرسمي نفسه تغيّر لاحقًا، فجرى الحديث عن «اعتداءات» وتوقيف بعض المتورطين، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا جرى تخفيف وصف ما حدث في الساعات الأولى وتحويله إلى مجرد «مشاجرة»؟

الأهم من ذلك أن القضية ليست، في حالات كثيرة، نزاعًا على الملكية أصلًا. بعض المقيمين في بيوت المهجرين لا يقولون إن تلك المنازل ملك لهم، بل يبررون بقاءهم فيها بأن منازلهم الأصلية دمرت أو بأنهم تعرضوا سابقًا لانتهاكات من «قسد»، وكأن بيت عائلة مهجرة يمكن أن يتحول إلى تعويض عن ظلم وقع على عائلة أخرى.

هذا المنطق مرفوض مهما كانت معاناة الطرف الآخر حقيقية. من دُمّر منزله له حق في التعويض، ومن تعرض لانتهاك له حق في العدالة، لكن لا يجوز أن يكون التعويض على حساب ضحية أخرى. مسؤولية التعويض تقع على الدولة وعلى الجهة المسؤولة عن الضرر، لا على عائلة كردية عائدة بعد سنوات إلى منزلها.

وفي المقابل، من الضروري جدًا عدم تحويل هذه الاعتداءات إلى اتهام جماعي للعرب. ليس صحيحًا أن «عرب رأس العين» اعتدوا على الكرد، بل إن عددًا من السكان العرب المحليين وقفوا إلى جانب العائلات الكردية وحاولوا حمايتها ومنع الاعتداء عليها. لذلك يجب تسمية المسؤولين كما هم: أفراد ومجموعات محددة شاركت في الاعتداء، لا قومية كاملة.

وهنا تكمن خطورة الخطاب التحريضي من الطرفين. عندما يقال إن «العرب هاجموا الكرد»، تصبح صور الاعتداء اللاحق على بعض مقرات الأمن أو إنزال العلم السوري مادة جاهزة لمن يقول إن «الكرد يهاجمون الدولة». بهذه الطريقة تتحول جرائم وأفعال أفراد إلى خصومة بين جماعتين كاملتين.

الهجوم على المقرات الأمنية أو الاعتداء على العلم السوري لا يمكن تبريره، وهو أيضًا خروج عن القانون. لكن من الخطأ التعامل معه وكأنه وقع في فراغ. فحين يشعر جمهور بأن الدولة خففت من حجم الاعتداء الذي تعرض له، ووصفته بأنه «مشاجرة»، يصبح من السهل على المتطرفين إقناعه بأن مؤسسات الدولة لن تحميه وأن عليه أن يرد بنفسه.

وهنا تتحمل الدولة السورية جزءًا مهمًا من المسؤولية السياسية والأمنية. ليس بمعنى أنها بالضرورة أمرت بالاعتداءات، بل لأنها صاحبة المسؤولية الأولى عن حماية العائدين وعن التحقيق والمحاسبة. وقد أكد مسؤولون أمميون هذا المبدأ بوضوح عندما حمّلوا الحكومة السورية مسؤولية ضمان أمن العائدين وسلامتهم.

كان المطلوب منذ اللحظة الأولى بيانًا لا يحتمل التأويل: عودة المهجرين حق، والاعتداء عليهم جريمة، ومنع أي عائلة من العودة إلى منزلها بالقوة أمر غير مقبول، وأي مشكلة تتعلق بإشغال المنازل يجب أن تُحل عبر القانون والقضاء لا عبر السلاح أو فرض الأمر الواقع.

وفي الوقت نفسه، إذا كانت بعض العائلات المقيمة في تلك المنازل نازحة بدورها أو فقدت بيوتها، فعلى الدولة أن تجد لها حلًا إنسانيًا وسكنًا بديلًا وتعويضًا عادلًا. الحل ليس أن يُلقى أحد في الشارع، لكنه أيضًا ليس أن يبقى منزل الضحية الأولى تعويضًا للضحية الثانية.

المشكلة في كلمة «مشاجرة» أنها لا تصف الحدث فقط، بل تصنع موقفًا سياسيًا منه. عندما يسمع المعتدي أن ما حدث مجرد مشاجرة، قد يشعر أن فعله جرى تخفيفه. وعندما يسمع المعتدى عليه الوصف نفسه، قد يشعر بأن الدولة وضعت الضحية والمعتدي في كفة واحدة. وهكذا بدل أن تؤدي الدولة دورها في تهدئة الاحتقان، قد تساهم لغتها في زيادته.

وهذا ما يجعل تجربة السويداء حاضرة في الأذهان. ليس لأن الحسكة والسويداء حالتان متطابقتان، بل لأن الخطر واحد: حادث محلي، ثم سوء إدارة أو توصيف غير منصف، ثم تعبئة أهلية وطائفية أو قومية، ثم ردود فعل وانتقامات، وفي النهاية تصبح السيطرة على الموقف أصعب بكثير.

الحسكة لا تحتمل هذا السيناريو. وهي محافظة متنوعة عاش فيها العرب والكرد والسريان والآشوريون وغيرهم جنبًا إلى جنب، وأي محاولة لتحويل قضية عودة المهجرين وحقوق الملكية إلى حرب عربية–كردية ستكون كارثة على الجميع.

المعيار المطلوب بسيط: من اعتدى يُحاسب، ومن استولى على منزل دون حق يُعالج وضعه بالقانون، ومن ارتكب اعتداءً على مؤسسة عامة أو على أفراد يُحاسب أيضًا، دون أن تتحول أفعال أي شخص إلى إدانة لقوميته كلها.

الدولة الحقيقية لا تُقاس بعدد من يرفعون علمها أو يعلنون الولاء لها، بل بقدرتها على حماية المواطن حتى عندما يكون مختلفًا سياسيًا أو قوميًّا. والولاء للدولة لا يمكن أن يصبح حصانة لمن يعتدي على الناس.

لذلك فإن تصحيح الرسالة الرسمية اليوم مهم جدًا. إذا كانت الوقائع والتحقيقات أثبتت وجود اعتداءات، فيجب تسميتها اعتداءات بوضوح، وأن يعرف العائد أن الدولة تحميه، وأن يعرف المعتدي أن الدولة لن تغطيه.

فالعدالة في سري كانيه/رأس العين ليست فقط حقًا للعائدين، بل ربما تكون أيضًا الحاجز الأهم أمام انزلاق الحسكة إلى فتنة عربية–كردية لا يحتاجها أحد.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الياس رمو إقرار حل القضية الكردية في تركيا. انتصار لقضية الحق والعدل في تركيا . أنا راهنت على ذلك منذ عقود قناعة مني بان الحل هو قدر تركيا وليس خيارها . دور اوجلان في إنجاز هذا التغيير الدستوري محمود ويستحق التقدير لانه حرر اكراد تركيا من سيطرة جماعة قنديل عبر حل حزب العمال الكردستاني . نشاركً شعبنا الكردي في تركيا…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* وصف خميني الحرب الخارجية بـ «المقدسة» لتصدير فكره الرجعي تحت اسم «الثورة الإسلامية» إلى بلدان أخرى. وبعد أن سيطر على إيران، قام بقمع معارضي الحكم في الداخل بسرعة من خلال إشعال «حرب خارجية»، متهما إياهم بـ «الخيانة» و«الطابور الخامس». ومن خلال الخداع والدجل، قام بدمج «الشعب» و«الحكومة» معا، وأسقط موضوع «حقوق الإنسان» من الأساس! في الخطوة التالية،…

حسن صالح شعبنا الكردي في غربي كردستان شعب عريق يعيش على أرضه التاريخية ،و قد ألحق هذا الجزء الكردستاني بسوريا التي نشأت بعد إتفاقية سايكس بيكو . وعندما تأسس أول حزب كردستاني في سوريا عام ١٩٥٧، طرح القضية بجرأة وتعرض مناضلوه للملاحقة والإعتقال، لكنهم تمسكوا بقدسية الحقوق القومية ولم يتراجعوا عنها. ورغم سياسة التمييز العنصري والتجريد من الجنسية ، وتنفيذ…

حسن قاسم في حضرة المدن المنسية، أقف طويلًا أمام أسماءٍ ليست مجرد أسماء على خارطة، بل ذاكرة عمرٍ كامل، ومرابع صبا، وأمكنة لقاء العاشقين، ووجوه أناسٍ تركوا في القلب ما لا تمحوه المسافات. قامشلو، عامودا، درباسية، تربه سبي، ديركا حمكو… أسماءٌ كلما نطقتُ بها، شعرتُ أن شيئًا مني ما زال هناك، بين أزقتها وشوارعها وبيوتها المتواضعة، حيث كانت الحياة أكثر…