إيران أمام خيارين الرضوخ أو الزوال

د. محمود عباس

بعد الحرب الأولى، وما تلاها من معارك امتدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية وصولًا إلى موجات القصف الجديدة، لا أرى أن ما يجري مجرد جولات متقطعة من التصعيد والتهدئة، بل بداية انتقال إلى مرحلة مختلفة في التعامل الأمريكي مع إيران. فالمشهد، في تقديري، أكبر من ضربة وردّ، وأبعد من مفاوضات تُفتح ثم تُغلق. ثمة محاولة لإعادة صياغة موقع إيران ووظيفتها الإقليمية، لا مجرد ضبط برنامجها النووي.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو قمة الناتو في تركيا منفصلة تمامًا عن التحولات الأوسع التي أعقبت المواجهة، ولا تبدو الحركة الدبلوماسية الجارية مجرد بحث عن وقف للنار. فما يظهر اليوم قد لا يكون سوى طور ثانٍ، يسبق طورًا ثالثًا أكثر خطورة، يمكن أن تصبح فيه الجغرافيا نفسها جزءًا من الصراع: مضيق هرمز، وممرات الطاقة، ومراكز النفط والغاز، والسواحل والمواقع القادرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة في الخليج.

وتقوم الخطة الجديدة على إبعاد إسرائيل، باتفاق مشترك، عن واجهة الحرب، وحصر دورها في ضرب بعض الأذرع الإيرانية، مقابل الدفع بدول الخليج وبعض دول الناتو إلى قلب المواجهة، مع تحييد أكبر عدد ممكن من الدول الأخرى.

إنها ليست مجرد إعادة توزيع للأدوار، بل عملية بناء لتحالف دولي واسع يعيد إلى الأذهان سيناريو العراق، ولا سيما مع الحديث عن التعامل مع الجيش الإسرائيلي بوصفه قوة أمريكية متقدمة في المنطقة.

وفي المقابل، ستقاتل إيران بكل ما تملك لتحويل المنطقة بأكملها، ولا سيما دول الخليج، إلى مسرح للنار والفوضى، وتكرار النموذج السوري الذي شاركت في صنع مأساته، حين سخّرت ميليشياتها وأموالها وسلاحها لحماية النظام المجرم البائد، ولو على أنقاض سوريا ودماء شعبها.

وتدرك إيران خطورة هذه المعادلة؛ فلم يعد أمامها ذلك الهامش الواسع للمناورة الذي تمتعت به طوال عقود. وهي، في تقديري، تقترب من خيارين حاسمين: إما القبول بجوهر الشروط الأمريكية في المفاوضات، مع انتزاع بعض البنود التي تحفظ لها ما تبقى من مصالحها ونفوذها، وإما المضي في المواجهة بما قد يقود إلى نهاية نظام «ولاية الفقيه» نفسه، وتفكك مشروع «تصدير الثورة» وانهيار أذرع ما يسمى بـ«المقاومة».

وقد لا يسقط النظام الإيراني دفعة واحدة، لكنه قد يُجرَّد من قوته، ويُحاصر، ويُترك هزيلًا يتآكل من الداخل.

فلم تعد واشنطن تسعى، في هذه المرحلة، إلى إسقاط النظام الإيراني بضربة واحدة، بقدر ما تسعى إلى تغيير قواعد بقائه، نزع قدرته النووية العسكرية، تقليص قدرته على التحكم بالممرات والطاقة، إضعاف أذرعه الإقليمية، وإبقائه تحت ضغط اقتصادي وعسكري يسمح بإعادته إلى الحصار كلما تجاوز الحدود المتفق عليها. وفي المقابل، قد تقبل طهران بتنازلات كانت تعدّها قبل أشهر مستحيلة، لا لأنها غيّرت عقيدتها، بل لأن المحافظة على نظام ولاية الفقيه أصبحت بالنسبة إليها الهدف الأعلى. وهنا قد تتحول المعادلة من «الرضوخ أو الزوال» إلى صيغة أكثر تعقيدًا، التراجع من أجل البقاء، أو رفض التراجع والدخول في استنزاف قد يقود في النهاية إلى الزوال، ويلقى مصير نظامَي الأسد وصدام حسين والبعث البائد؛ أنظمةٌ ظنّت أن قبضتها وعقيدتها ستمنحانها الخلود، فإذا بها تنهار في النهاية تحت أنقاض مشاريعها نفسها.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

29/7/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

م. محفوظ رشيد مقدمة: لكي تحظى أي قيادة أو ممثلية للشعب الكوردي بالشرعية والهيبة، لا بد أن تستند إلى كيان واضح وملموس، وعنوان معروف، وهيكلية تنظيمية تقوم على قوانين ولوائح وأسس واضحة، ومكاتب متخصصة تحدد المهام والمسؤوليات. كما ينبغي أن تستند إلى ميثاق أو عقد اجتماعي ينظم العلاقة بينها وبين الشعب، وإلى رؤية سياسية شاملة، قومياً كوردياً ووطنياً سورياً، تعبّر…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد الزهايمر مجرد فقدان للذاكرة، بل هو مرض يصيب قدرة الإنسان على الإدراك، وعلى الربط بين الماضي والحاضر، وعلى التعامل الطبيعي مع الواقع من حوله، فالمشكلة ليست فقط أن الإنسان ينسى بعض التفاصيل، بل أنه قد يفقد القدرة على فهم ما يجري، أو يكرر الأخطاء نفسها، أو يعيش في صورة مختلفة عن الحقيقة، وهكذا يمكن…

صلاح بدرالدين عندما حاولت التوسط لرأب الصدع، وبعبارة أدق وقف عدوان ب ك ك على إقليم كردستان العراق دعيت من جانب اللجنة الائتلافية الموسعة المشكلة من جميع الأحزاب المشرفة على انتخابات أول برلمان كردستاني في الإقليم كمراقب، والتي جرت في 19/5/1992 بمشاركة نحو مليون مقترع كانوا يمثلون أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، وكانت التجربة الأولى الأهم في الحياة السياسية بالإقليم….

صلاح عمر مصيبتنا الكردية، في كثير من مراحل تاريخنا الحديث، لم تكن في غياب التضحيات، ولا في ندرة الرجال، ولا حتى في نقص الشعور القومي؛ كانت في العجز عن تحويل هذا الشعور إلى عقل سياسي قادر على قراءة العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. لقد عرف الكرد كيف يقاومون، وكيف يموتون من أجل قضيتهم، وكيف يحافظون على هويتهم…