حسن قاسم
لم تعد أزمة الحركة السياسية الكوردية في سوريا مجرد خلافات بين الأحزاب أو نتيجة لضغوط الخارج. إنها أزمة بنيوية عميقة، كشفتها التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا، ولا سيما الانتكاسات الأخيرة لقسد، وتراجع هامش المناورة أمام القوى الكوردية، وظهور مسار «الاندماج» مع الدولة السورية.
السؤال اليوم ليس: لماذا تراجعت الحركة الكوردية؟ بل: هل ما زالت أدواتها السياسية والتنظيمية صالحة لهذه المرحلة؟
المشهد الحزبي الكوردي يعاني من تضخم عدد الأحزاب مقابل ضعف تأثيرها. أحزاب صغيرة تدور حول نفسها، وآليات عمل تعود إلى عقود مضت، وقيادات تستمر في مواقعها زمناً طويلاً، وثقافة تنظيمية تجعل نقد القيادة أقرب إلى الخيانة، فيما يتحول شعار «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» إلى قاعدة تحكم العلاقات الداخلية.
والنتيجة واضحة: تآكل داخلي، فقدان ثقة الجماهير، انشقاقات متكررة، وتشتت سياسي يجعل القضية أكبر من القوى التي تدّعي تمثيلها.
ليس تعدد الأحزاب هو المشكلة، فالتعددية ضرورة ديمقراطية؛ المشكلة هي تحول التعدد إلى تشظٍّ، وتحول الحزب من مؤسسة سياسية إلى دائرة مغلقة تتمحور حول الأشخاص.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع ضمانات سياسية دائمة. كما أثبتت تجربة قسد أن القوى الدولية، مهما بلغ حجم دعمها، تتحرك وفق مصالحها وأولوياتها. الولايات المتحدة دعمت قسد في الحرب على داعش، لكنها لم تقدم ضمانة دائمة لمشروع سياسي كوردي؛ وتركيا جعلت منع قيام كيان عسكري كوردي على حدودها هدفاً استراتيجياً؛ أما روسيا وإيران فقد تراجع نفوذهما بصورة كبيرة بعد سقوط نظام الأسد. وفي النهاية، وجدت القوى الكوردية نفسها أمام واقع سياسي جديد أكثر صعوبة.
لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما حدث سيكون تهرباً من النقد الذاتي.
الخارج يستغل الانقسام، لكنه لا يصنعه دائماً.
من هنا تصبح إعادة ترتيب البيت السياسي الكوردي ضرورة وليست ترفاً.
المطلوب ليس إنشاء حزب كوردي جديد، ولا دمج الأحزاب شكلياً تحت قيادة جديدة، بل إعادة تأسيس الحياة السياسية الكوردية على قواعد مختلفة:
مراجعة نقدية صريحة لتجربة العقود الماضية.
إعادة هيكلة الأحزاب التي فقدت قدرتها على التأثير.
تحديد دورات القيادة ومنع تحول منصب السكرتير إلى ملكية سياسية دائمة.
فصل المؤسسة الحزبية عن الأشخاص.
فتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات والمستقلين.
إنشاء آلية سياسية مشتركة تتفق على القضايا القومية الأساسية، مع الحفاظ على التعددية الفكرية والحزبية.
الانتقال من سياسة رد الفعل إلى امتلاك مشروع سياسي واضح لسوريا الجديدة.
أما «الاندماج» مع الدولة السورية، فلا ينبغي التعامل معه بمنطق الرفض المطلق أو القبول المطلق. السؤال الحقيقي هو: ما طبيعة الدولة التي سنندمج فيها؟
إذا كان الاندماج في دولة ديمقراطية لا مركزية، تضمن الحقوق القومية والثقافية واللغوية للكورد دستورياً، وتؤمن المشاركة السياسية المتكافئة، فهو يمكن أن يكون مدخلاً إلى تسوية تاريخية.
أما إذا كان المقصود مجرد تفكيك البنية الكوردية وإعادة إنتاج المركزية القديمة بأدوات جديدة، فذلك ليس حلاً، بل تأجيل للأزمة.
لقد آن الأوان للخروج من وهم أن كثرة الأحزاب تعني قوة سياسية. القوة ليست في عدد الأحزاب، بل في قدرتها على إنتاج مشروع، وبناء مؤسسة، وكسب ثقة المجتمع، والتفاوض من موقع واضح.
روجافاي كوردستان اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تستمر القوى السياسية في إعادة إنتاج نفسها، أو أن تمتلك شجاعة النقد والمراجعة وإعادة البناء.
المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل إدارة الاختلاف.
وليس توحيد الجميع في حزب واحد، بل توحيد الموقف حول المصالح الكوردية الأساسية.
وليس البحث عن راعٍ دولي دائم، بل بناء قوة سياسية تجعل الآخرين يحسبون حسابها.
لقد انتهى زمن الحزب الذي يعيش من أجل نفسه. وحان زمن الحركة السياسية التي تعيش من أجل مجتمعها وقضيته.