بين البروتوكول والسياسة: قراءة في دلالات لقاء سعادة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني والسيد رئيس الجمهورية السورية المؤقت أحمد الشرع وآفاق الحوار السوري–الكردي (الأكثر توازناً

محمد سعيد آلوجي
إذا نظرنا إلى هذا اللقاء من زاوية سياسية لا إعلامية، فإن أهميته لا تكمن في البروتوكول وحده، بل في الرسائل التي حملها.
لقاء رئيس إقليم كوردستان العراق نيجيرفان بارزاني مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، وما رافقه من حفاوة استقبال رسمية، يمكن قراءته على عدة مستويات:
1. الاعتراف السياسي المتبادل: منح الاستقبال البروتوكولي الرفيع انطباعاً بأن دمشق تنظر إلى أربيل باعتبارها شريكاً إقليمياً مهماً يمكن أن يسهم في ملفات تتعلق باستقرار سوريا، وليس مجرد طرف عراقي.
2. فتح قناة تواصل غير مباشرة مع القوى الكردية السورية: نظراً للعلاقات التي تربط أربيل بمختلف الأطراف الكردية، فإن اللقاء قد يعكس رغبة سورية في الاستفادة من دور إقليم كوردستان لتقريب وجهات النظر مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية.
أما اللقاء اللاحق الذي جمع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي مع إلهام أحمد، فيمكن اعتباره مؤشراً على أن هناك مساراً سياسياً موازياً بدأ يتشكل، وأن الحوار بين دمشق و”قسد” لم يعد محصوراً بالملفات العسكرية والأمنية، بل يتجه نحو مناقشة ترتيبات سياسية وإدارية أوسع.
على الصعيد الكردي السوري
إذا استمرت هذه اللقاءات، فقد تفضي إلى:
* تخفيف حدة الانقسام بين القوى الكردية المختلفة.
* زيادة فرص التوصل إلى رؤية كردية أكثر توحيداً في التفاوض مع دمشق.
* منح الكرد فرصة أكبر للمطالبة بضمانات دستورية تتعلق بالإدارة المحلية والحقوق الثقافية والسياسية.
لكن ذلك سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف الكردية على توحيد موقفها، وهو تحدٍ قائم منذ سنوات.
على صعيد الحكومة السورية
من مصلحة دمشق:
* إعادة بسط سلطة الدولة تدريجياً على شمال شرق البلاد دون مواجهة عسكرية واسعة.
* استثمار الحوار لتقليل النفوذ الخارجي في المنطقة.
* التوصل إلى صيغة تُبقي المؤسسات السيادية (الجيش، الحدود، السياسة الخارجية) بيد الدولة، مع منح صلاحيات إدارية أوسع للإدارات المحلية.
على المستوى الإقليمي
قد يكون لإقليم كوردستان العراق دور الوسيط المقبول نسبياً بين دمشق والقوى الكردية السورية، خاصة إذا حظي هذا المسار بقبول من القوى الإقليمية والدولية المؤثرة. غير أن نجاحه سيظل رهناً بعوامل أخرى، منها:
* الموقف التركي من أي ترتيبات تخص شمال شرق سوريا.
* الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
* مدى استعداد دمشق لتقديم تنازلات سياسية حقيقية، واستعداد “قسد” للاندماج ضمن مؤسسات الدولة وفق صيغة يتم التوافق عليها.
التقدير العام
إذا كانت هذه اللقاءات جزءاً من مسار سياسي مستمر وليست مجرد مناسبات بروتوكولية، فمن الممكن أن تمثل بداية مرحلة جديدة تقوم على التفاوض بدلاً من المواجهة بين الحكومة السورية والقوى الكردية. أما إذا لم تُترجم إلى اتفاقات عملية بشأن تقاسم الصلاحيات، والضمانات الدستورية، والترتيبات الأمنية، فقد تبقى ذات قيمة رمزية أكثر منها تحولاً سياسياً حقيقياً.
لذلك، يمكن النظر إلى هذه التطورات بوصفها إشارة إيجابية، لكنها ليست بحد ذاتها دليلاً على قرب التوصل إلى تسوية نهائية؛ فالملفات الجوهرية ما تزال معقدة وتتطلب توافقات داخلية وإقليمية واسعة.
05.08.2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…