مسلم شيخ حسن – كوباني
يؤكد التاريخ أن العلاقات الدولية لم تُبنَ قط على أساس الأخلاق أو المبادئ الإنسانية المجردة بل على العكس، فهي تقوم على مصالح استراتيجية تحدد طبيعة التحالفات والخصومات وترسم حدود التدخلات، وتمنح القضايا وزنها الحقيقي في السياسة الدولية. فمنطق الدولة لا تحكمه العواطف وإنما تحكمه توازنات القوة والمصلحة.
وفي هذا السياق، لا تجذب أي قضية قومية أو عرقية اهتماماً دولياً لمجرد عدالة قضيتها بل فقط عندما تصبح عاملًا مؤثراً في حسابات الأمن والاقتصاد والاستقرار، أو في ميزان القوى على المستويين الإقليمي والدولي. ونتيجة لذلك، ظلت العديد من القضايا العادلة خارج نطاق العمل الدولي لعقود، لأنها لم تبلغ مستوى الاهتمام الذي يلزم القوى العظمى بقبولها أو الدفاع عنها.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل أصبحت القضية الكردية، ولا سيما حق الشعب الكردي في تقرير المصير واستقلال كردستان، جزءًا من المصالح الاستراتيجية للقوى العظمى؟
إذا نظرنا إلى الواقع السياسي بعيداً عن الأمنيات، فإن الإجابة تبدو واضحة لم يحدث هذا بعد. فالقضية الكردية، رغم أنها تمثل قضية أحد أكبر الشعوب التي لا تزال حقوقها القومية تنتهك، لم تصبح أولوية على أجندة القوى الدولية. وليس السبب ضعف عدالتها أو مشروعيتها، بل لأنها لم تصبح بعد عاملًا مؤثراً في منظومة المصالح التي تسير قرارات هذه الدول.
لقد اختارت القوى العظمى طوال العقود الماضية الحفاظ على تعاونها السياسي والاقتصادي والعسكري مع الدول التي تتقاسم كردستان، معتبرة هذه العلاقات أهم من المشاركة في مشروع قد يعيد رسم موازين القوى الإقليمية. وتعد تركيا خير مثال على ذلك، فهي شريك استراتيجي للعديد من القوى الدولية في مجالات الأمن والطاقة والهجرة والجغرافيا السياسية. وهذا ما يجعل المواقف من القضية الكردية خاضعة لحسابات دقيقة تتجاوز البعد الحقوقي أو الإنساني.
غير أن تحميل المجتمع الدولي وحده مسؤولية هذا الواقع لا يكفي لفهم المشكلة. فجزء مهم من التحدي يرتبط ايضاً بأداء الحركة السياسية الكردية نفسها. ولا تزال الانقسامات الداخلية وتعدد المرجعيات وتضارب الأولويات، وضعف التنسيق السياسي والدبلوماسي، تحد من قدرة الكرد على تحويل قضيتهم إلى قضية دولية ذات أهمية حقيقية.
لا تكافئ السياسة الدولية القضايا لمجرد كونها عادلة بل على العكس، تستجيب للقضايا التي تمتلك وسائل التأثير. لذا، لم يعد الاعتماد على التعاطف الدولي، أو توقع تغير المواقف تلقائياً ، خياراً واقعياً. والمطلوب هو التحول من السياسات الانفعالية إلى استراتيجية كردية شاملة تقوم على توحيد المواقف السياسية وتطوير المؤسسات وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وبناء شبكة من المصالح المشتركة مع القوى الإقليمية والدولية.
لن تحظى القضية الكردية بمكانة بارزة في أولويات المجتمع الدولي إلا عندما تصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلات الأمن والاستقرار والتنمية الإقليمية، وعندما يدرك الفاعلون الدوليون أن تجاهلها يكبد تكلفة سياسية واستراتيجية أكبر من حلها.
إن التاريخ الحديث يثبت أن الشعوب لا تنتزع مكانتها في النظام الدولي بالاستناد إلى عدالة قضيتها وحدها بل بقدرتها على تنظيم قوتها وتوحيد إرادتها وإدارة مصالحها بعقلانية، وتحويل قضيتها إلى عامل مؤثر في ميزان القوى. وعندما تنجح الحركة السياسية الكردية في تحقيق هذا التوازن، لن يكون الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي مجرد موقف أخلاقي بل سيصبح خياراً سياسياً تفرضه المصالح الدولية نفسها.
هنا تكمن المهمة الكبرى التي تواجه القادة والقوى السياسية الكردية: الانتقال من مجرد المطالبة بالحقوق إلى بناء عناصر قوة تجعل تلك الحقوق جزءًا من الحسابات الاستراتيجية العالمية، لأن السياسة الدولية، في نهاية المطاف، لا تعترف إلا بمن يملك القدرة على التأثير في معادلاتها.
21 / 7 / 2026