نقد الأحزاب الكردية السورية.. بين التعميم والإنصاف.

عبدالله كدو

أعاد البلاغ الأخير الصادر باسم اللجنة المركزية لحزب يكيتي الكردستاني – سوريا، وما أعقبه من ردٍّ  بعنوان ” توضيح ” يعلن عدم مشروعية البلاغ بسبب انتهاء مدة ولاية سكرتير الحزب وقيادته، أعاد النقاش حول واقع الأحزاب الكردية السورية على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. وكما يحدث في كل مرة، لم يقتصر الجدل على مضمون الوثيقتين، بل انسحب إلى إطلاق أحكام عامة على مجمل الحركة السياسية الكردية، من قبيل أن عدد الأحزاب تجاوز المئة، وأنها جميعا متشابهة، ولم يقدم أي منها ما يستحق الذكر.
هذه ليست المرة الأولى التي تُردد فيها مثل هذه الأحكام، لكنها تثير سؤالا منهجيا قبل أن تثير أي سؤال سياسي: هل يجوز تقييم عشرات السنين من التجارب المختلفة بحكم واحد؟ وهل يصح أن يُدان الجميع بالجملة، من دون تمييز بين تاريخ هذا الحزب أو ذاك، وبين مواقفه وخياراته وتضحياته؟
المثل العربي يقول: «كل شاة مربوطة بعرقوبها»، وهو مثل يلخص قاعدة أخلاقية وقانونية في آن واحد، مفادها أن المسؤولية فردية، وأن العدالة لا تتحقق إلا بمحاسبة كل طرف على أفعاله هو، لا على أفعال غيره. وإذا كان هذا المبدأ صالحا في القضاء، فهو أولى أن يكون حاضراً في النقد السياسي.
إن من يريد تقييم الأحزاب الكردية بصدق وإنصاف، ولا سيما في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا والقضية الكردية، ينبغي أن يكون ملمّاً أو أن يبدأ بمعرفة الوقائع. فلا يمكن إصدار أحكام موضوعية من دون الإحاطة بتاريخ الأحزاب، وبرامجها، وممارساتها، ومواقفها، وما قدمته أو أخفقت فيه.
ومن المفارقات أن بعض من يكررون مقولة «المئة حزب» يدركون، أو يُفترض أن يدركوا، أن عدد الأحزاب الكردية الحقيقة الفاعلة في سوريا معروف وليس بهذه المبالغة المغرضة . ومع ذلك، يُضخم العدد، ثم تُبنى عليه أحكام عامة تُسقط الفوارق بين الأحزاب، فلا يُذكر لأي منها موقف إيجابي، ولا يُعترف بأي تمايز في التجربة أو الأداء.
ولأنني أعرف تجربة حزبنا يكيتي الكردستاني – سوريا عن قرب، أتساءل: هل اطلع الذين يساوون بين جميع الأحزاب على تاريخ هذا الحزب؟ وهل يعرفون أنه كان من أوائل الأحزاب الكردية التي حدّدت في نظامها الداخلي ولاية المسؤول الأول (سكرتير الحزب) بدورتين انتخابيتين فقط، أي ثماني سنوات كحد أقصى، تكريسا لمبدأ تداول المسؤولية؟ وأقرت علنية اللجنة السياسية  للحزب للدفاع عنه في المحافل والسجون والمحاكم والخ.
وهل يعرفون تاريخه النضالي منذ تأسيسه عام 1993، وما نظمه من اعتصامات ونشاطات ميدانية، وصولا إلى مظاهرته التاريخية أمام مجلس الشعب في دمشق في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2002، في الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟
وهل اطّلعوا على أدبياته السياسية، ومنها كراس «دفاعا عن قضية عادلة» الذي ردّ فيه على تصريح رئيس pkk  عبدالله أوجلان من دمشق ، في منتصف تسعينيات القرن الماضي الذي دعا فيه كُرد سوريا للعودة إلى تركيا، وطنهم المزعوم، متجاهلا عدالة القضية الكردية التي هي قضية وطنية بامتياز ؟
وهل يعرفون كم بلغ عدد معتقلي يكيتي في سجون نظام الأسد وحليفه pyd  المسترشد  ب(فلسفة أوجلان)  ، وعدد المفصولين من وظائفهم، وغيرهم  الذين دفعوا أثمانا باهظة بسبب انتمائهم إليه؟

لا أطرح هذه الأسئلة طلبا للإجابة، وإنما للتأكيد على أن النقد لا يكون نزيها إلا إذا استند إلى المعرفة. فمن لا يعرف مثل هكذا وقائع، أو  لا يكلف نفسه عناء البحث عنها، كيف يستطيع أن يصدر حكما عادلاً ؟
لقد عرِفَتْ الحركة السياسية الكردية في سوريا، خلال مراحل مختلفة، أحزابا وطنية وأخرى ارتبطت بأجهزة النظام الأمنية، وكان مصطلح «الأحزاب الكردية اللاوطنية» متداولاً في ثمانينيات القرن الماضي للدلالة على هذا التمايز. ومن ثم، فإن إلغاء هذه الفوارق التاريخية، ووضع الجميع في سلة واحدة، لا يخدم الحقيقة، بل يشوهها.
إن النقد حق، بل هو واجب، وخاصة على المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن العام. لكن هذا الحق يفقد قيمته عندما يتحول إلى أحكام جاهزة، أو انطباعات شخصية، أو رغبة في تسجيل موقف، بعيدا عن الوقائع والأدلة. فالنقد الحقيقي ليس انفعالا، بل معرفة، وليس تعميما، بل تمييزاً، وليس خصومة، بل بحثاً عن الحقيقة.
ولهذا، فإنني لا أدعو إلى إعفاء أي حزب من النقد أو المساءلة، بل أدعو إلى ما هو أهم من ذلك: أن يُحاسَب كل حزب على سيرته الذاتية، وعلى مواقفه، وخياراته، وممارساته، بعيدا عن التعميم الذي يساوي بين من ضحّى ومن لم يضحِّ، وبين الأحزاب الحقيقية والمنتحلة الصفة، وبين من دفع الأثمان ومن اختار الطريق الأسهل. فالإنصاف هو الشرط الأول لأي نقد جاد.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

لاوين ابراهيم ثمة تحول واضح في المزاج السياسي والاجتماعي الكردي مع التطورات التي تحيط بالمرحلة الجديدة التي دخلتها تجربة حزب العمال الكردستاني، وما رافقها من تحولات في تركيا وانعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الواقع الكردي في سوريا. ولعل أكثر ما يلفت في هذه المرحلة ليس فقط ما يجري بين القوى السياسية والدول، بل ما يحدث داخل المجتمع نفسه: تراجع حاجز…

عبد الكريم ساروخان لم تعد المعركة في شمال وشرق سوريا تدار فقط على الجبهات وسواحل المواجهة العسكرية، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف والحواسيب؛ ساحات افتراضية خاض من خلالها البعض حرباً لا تقل خطورة عن حرب الرصاص. فبعد أن دفعت التضحيات والدماء أعتى القوى للجلوس إلى طاولة التفاوض والاعتراف بالواقع السياسي والكردي، ظهرت أصوات تسعى إلى تفريغ هذه المكتسبات من مضمونها…

أصدقائي وصديقاتي أبناء وبنات شعبنا المخلصين.. كم أشعر بالقوة الآن بدعمكم ومساندتكم لي أمام هذه الهجمة الإرهابية الوضيعة، التي لا يمكن أن تصدر إلا عن أوغاد مأجورين. لست خائفا من أحد ومن أية سلطة طالما وأنا محاط الآن بكل هذا الحب، بكل هذه الشجاعة منكم، سأظل وفياً لوعدي لشهداء روژاڤا طالما أنا حيّ، لن أسمح بالمتاجرة والمساومة على دمائهم بعد…

ريزان شيخموس منذ عدة أيام أتابع بقلق واستغراب الحملة الشعواء التي يتعرض لها الدكتور سربست نبي بسبب آرائه وانتقاداته السياسية. وأمام ما يُقال ويُنشر بحقه، أجد من واجبي الأخلاقي أن أعلن تضامني الواضح والصريح معه، دفاعاً عن حرية الرأي وحق الإنسان في السؤال والنقد والتعبير. قد لا أتبنى جميع مواقف الدكتور سربست نبي، لكنني أتفق معه في كثير من التساؤلات…