تصنيف بريطانيا للحرس الثوري إرهابياً: صفعة مدمّرة لركيزة القمع

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

يشكل قرار الحكومة البريطانية بإخضاع الحرس الثوري الإيراني لإجراءات قانونية مشددة وتجريم دعمه أو الترويج له محطة مهمة في السياسة الأمنية البريطانية تجاه النظام الإيراني. فهذا القرار، الذي جاء بعد سنوات من النقاشات داخل الأوساط السياسية والأمنية في المملكة المتحدة، لا يقتصر تأثيره على العلاقات الثنائية بين لندن وطهران، بل يحمل دلالات أوسع قد تؤثر في طريقة تعامل الدول الأوروبية مع أنشطة الحرس الثوري خارج الحدود الإيرانية.

وخلال السنوات الأخيرة، حذرت الأجهزة الأمنية البريطانية مراراً من تزايد الأنشطة المنسوبة إلى النظام الإيراني داخل الأراضي البريطانية. كما أعلنت السلطات المختصة عن إحباط عدد من المخططات التي استهدفت معارضين إيرانيين أو أشخاصاً يتمتعون بحماية أمنية، الأمر الذي عزز القناعة لدى صناع القرار في لندن بضرورة تشديد الإطار القانوني لمواجهة هذه التهديدات. وفي هذا السياق، أصبحت أي أشكال الدعم أو الترويج أو التعاون مع الحرس الثوري خاضعة للمساءلة الجنائية بموجب التشريعات الجديدة.

ولا تقتصر أهمية القرار على بعده القانوني فحسب، بل تمتد إلى أبعاده الأمنية والسياسية. فمن الناحية الأمنية، تسعى بريطانيا إلى توجيه رسالة واضحة إلى الشبكات والأفراد الذين تعتبرهم السلطات مرتبطين بالحرس الثوري أو داعمين له، مفادها أن النشاط المرتبط بهذه المؤسسة لن يُنظر إليه بعد اليوم باعتباره مجرد نشاط سياسي، بل باعتباره قضية تمس الأمن الوطني البريطاني.

كما يُتوقع أن تتجاوز آثار هذا القرار حدود المملكة المتحدة، إذ يرى عدد من المراقبين أن الخطوة البريطانية قد تدفع دولاً أوروبية أخرى إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه الحرس الثوري، وإلى بحث اتخاذ إجراءات قانونية وأمنية مشابهة، خاصة في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالأنشطة العابرة للحدود المنسوبة إليه.

ومن الناحية السياسية، يعكس القرار تحولاً ملحوظاً في مقاربة الحكومة البريطانية تجاه النظام الإيراني. فبعد سنوات حاولت فيها بعض العواصم الأوروبية الموازنة بين الحوار الدبلوماسي مع طهران وبين الاعتبارات الأمنية، يبدو أن التطورات الأخيرة دفعت الاعتبارات الأمنية إلى احتلال موقع أكثر تقدماً في رسم السياسات الأوروبية.

وقد رحب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بهذه الخطوة، معتبرًا أنها تمثل تطوراً مهماً في مواجهة سياسات النظام الإيراني. كما وصفت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية للفترة الانتقالية، القرار بأنه خطوة إيجابية، مؤكدة أن الحرس الثوري يمثل الأداة الرئيسية للقمع الداخلي وتصدير الإرهاب والتدخلات الإقليمية، ودعت إلى اعتماد سياسة مماثلة في سائر الدول الأوروبية.

وفي المقابل، رفضت السلطات الإيرانية القرار البريطاني واعتبرته خطوة ذات دوافع سياسية، وهو ما يعكس استمرار الخلاف العميق بين طهران والعواصم الغربية بشأن دور الحرس الثوري وسياساته داخل إيران وخارجها.

وفي سياق متصل، اكتسب هذا التطور بعداً إقليمياً مع صدور بيان وقعه 120 من الشخصيات السياسية والبرلمانية العربية من عدد من الدول العربية، أدانوا فيه ما وصفوه بالسياسات العدوانية للنظام الإيراني وتدخله في شؤون الدول العربية ودعمه للميليشيات وتهديده لأمن المنطقة واستقرارها.

وجاء في أحد أهم فقرات البيان:

“لقد أثبتت تجربة السنوات السبع والأربعين الماضية أن القمع في الداخل، وتصدير الإرهاب، والتدخل في دول المنطقة، والسعي إلى امتلاك السلاح النووي، تشكل أركاناً ثابتة في استراتيجية هذا النظام من أجل البقاء. كما أن الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة، ودعم القوى التابعة له، واستمرار التدخل في الدول العربية، كلها تؤكد أن النظام الإيراني ضحى بأمن المنطقة واستقرارها من أجل حماية بقائه.”

وتنسجم مضامين هذا البيان مع النقاش المتصاعد في عدد من العواصم الغربية حول العلاقة بين السياسات الداخلية للنظام الإيراني وأنشطته الإقليمية، والدور الذي تنسبه أطراف مختلفة إلى الحرس الثوري في تنفيذ هذه السياسات عبر شبكات وقوى حليفة في المنطقة.

وبصرف النظر عن تباين المواقف السياسية، فإن القرار البريطاني يحمل رسالة واضحة مفادها أن لندن باتت تنظر إلى الأنشطة المنسوبة إلى الحرس الثوري باعتبارها شأناً يرتبط مباشرة بأمنها الوطني، وليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية.

وإذا ما اتجهت دول أوروبية أخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة، فإن ذلك قد يشكل بداية مرحلة جديدة في تعامل أوروبا مع النظام الإيراني، يكون عنوانها تشديد الأدوات القانونية والأمنية في مواجهة التحديات التي ترى تلك الدول أنها تمس أمنها واستقرارها، بما قد ينعكس أيضاً على معادلات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

لاوين ابراهيم ثمة تحول واضح في المزاج السياسي والاجتماعي الكردي مع التطورات التي تحيط بالمرحلة الجديدة التي دخلتها تجربة حزب العمال الكردستاني، وما رافقها من تحولات في تركيا وانعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الواقع الكردي في سوريا. ولعل أكثر ما يلفت في هذه المرحلة ليس فقط ما يجري بين القوى السياسية والدول، بل ما يحدث داخل المجتمع نفسه: تراجع حاجز…

عبد الكريم ساروخان لم تعد المعركة في شمال وشرق سوريا تدار فقط على الجبهات وسواحل المواجهة العسكرية، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف والحواسيب؛ ساحات افتراضية خاض من خلالها البعض حرباً لا تقل خطورة عن حرب الرصاص. فبعد أن دفعت التضحيات والدماء أعتى القوى للجلوس إلى طاولة التفاوض والاعتراف بالواقع السياسي والكردي، ظهرت أصوات تسعى إلى تفريغ هذه المكتسبات من مضمونها…

أصدقائي وصديقاتي أبناء وبنات شعبنا المخلصين.. كم أشعر بالقوة الآن بدعمكم ومساندتكم لي أمام هذه الهجمة الإرهابية الوضيعة، التي لا يمكن أن تصدر إلا عن أوغاد مأجورين. لست خائفا من أحد ومن أية سلطة طالما وأنا محاط الآن بكل هذا الحب، بكل هذه الشجاعة منكم، سأظل وفياً لوعدي لشهداء روژاڤا طالما أنا حيّ، لن أسمح بالمتاجرة والمساومة على دمائهم بعد…

ريزان شيخموس منذ عدة أيام أتابع بقلق واستغراب الحملة الشعواء التي يتعرض لها الدكتور سربست نبي بسبب آرائه وانتقاداته السياسية. وأمام ما يُقال ويُنشر بحقه، أجد من واجبي الأخلاقي أن أعلن تضامني الواضح والصريح معه، دفاعاً عن حرية الرأي وحق الإنسان في السؤال والنقد والتعبير. قد لا أتبنى جميع مواقف الدكتور سربست نبي، لكنني أتفق معه في كثير من التساؤلات…