المواطنة المتساوية للكُرد في سوريا: شراكة في الدولة لا مجرد هوية وجواز سفر

شادي حاجي 

تُطرح فكرة المواطنة المتساوية في سوريا بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب تعددها القومي والديني والطائفي. لكن هذا المفهوم يبقى عرضة للتأويل وسوء الفهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية. فماذا تعني المواطنة المتساوية للكُرد؟ وهل تقتصر على منحهم الوثائق الرسمية والاعتراف بهم كمواطنين أمام القانون، أم أنها تتجاوز ذلك إلى الاعتراف بهم شركاء متساوين في الدولة والمجتمع؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من التمييز بين المواطنة بوصفها صفة قانونية، والمواطنة بوصفها عقداً سياسياً واجتماعياً بين الدولة ومواطنيها. فمن الناحية الشكلية، قد يمتلك الفرد بطاقة هوية وجواز سفر ويتمتع بالجنسية، لكنه قد يبقى مستبعداً من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية أو محروماً من الاعتراف بهويته وثقافته. لذلك فإن المواطنة المتساوية لا تُقاس فقط بالوثائق التي يحملها المواطن، بل بالمكانة التي يشغلها داخل الدولة.
في الحالة الكردية في سوريا، لا يرتبط النقاش بالمواطنة فقط بمسألة الجنسية، رغم أهمية معالجة الآثار التي خلّفها إحصاء عام 1962 وغيره من السياسات التمييزية، بل يرتبط أيضاً بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فالكُرد، باعتبارهم أحد المكونات الرئيسية في سوريا، لا يطالبون بمجرد الاعتراف القانوني بأفرادهم، وإنما يطالبون أيضاً بالاعتراف بوجودهم القومي وحقهم في الحفاظ على لغتهم وثقافتهم وخصوصيتهم القومية والمشاركة في صياغة مستقبل البلاد.
من هذا المنطلق، فإن المواطنة المتساوية تعني أن الدولة السورية تعترف بجميع مواطنيها على قدم المساواة دون تمييز قومي أو ديني أو طائفي. وتعني أن الكردي لا يُطلب منه التخلي عن هويته القومية كي يصبح مواطناً كامل الحقوق، كما لا يُطلب من العربي أو السرياني أو الأرمني أو الآشوري أو غيرهم التخلي عن خصوصياتهم الثقافية. فالدولة الديمقراطية الحديثة لا تقوم على صهر الهويات المختلفة في هوية واحدة مفروضة، بل على المساواة بين المواطنين واحترام تنوعهم ضمن إطار وطني مشترك.
كما تعني المواطنة المتساوية الاعتراف الدستوري بحقيقة التعدد القومي والثقافي في سوريا، لأن الدستور الذي يتجاهل مكونات أساسية من المجتمع لا يؤسس لمواطنة متساوية، بل يعيد إنتاج الإقصاء بأدوات قانونية. فالاعتراف بالتعددية ليس منحة تقدمها الدولة، وإنما تعبير عن واقع اجتماعي وتاريخي يجب أن ينعكس في العقد الدستوري الذي ينظم حياة المواطنين جميعاً.
وفي الجانب الثقافي، تعني المواطنة المتساوية حماية حق الكُرد في استخدام لغتهم وتطوير ثقافتهم والحفاظ على تراثهم بوصفها حقوقاً طبيعية لمواطنين متساوين، لا امتيازات استثنائية تمنحها السلطة أو تحجبها وفقاً لاعتبارات سياسية. فاللغة والثقافة ليستا تهديداً لوحدة الدولة، بل جزءاً من ثراء المجتمع وتنوعه.
أما سياسياً، فإن المواطنة المتساوية تعني الشراكة الفعلية في إدارة الدولة وصناعة القرار الوطني. وهي تفترض مشاركة جميع المواطنين في الحياة العامة على أساس الكفاءة والتمثيل الديمقراطي، لا على أساس الانتماء القومي أو الديني. كما تقتضي بناء مؤسسات سياسية وإدارية تسمح بمشاركة أوسع للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها ضمن إطار وحدة الدولة وسيادتها.
ومن الناحية القانونية، فإن المواطنة المتساوية لا تكتمل إلا بتكافؤ الفرص في الوصول إلى جميع الوظائف والمناصب العامة دون أي تمييز. فإذا كان الكردي مواطناً سورياً كامل الحقوق، فإن من حقه أن يشغل أي منصب في الدولة، سواء كان إدارياً أو قضائياً أو عسكرياً أو سياسياً، بما في ذلك أعلى المناصب السيادية. فالمواطنة المتساوية تعني أن تكون جميع المواقع العامة مفتوحة أمام جميع المواطنين وفق معايير الكفاءة وإرادة الناخبين وسيادة القانون، لا وفق الانتماء القومي أو الديني.
ولهذا السبب، فإن مفهوم المواطنة المتساوية في الدولة الديمقراطية الحديثة يفترض أن منصب رئاسة الجمهورية، شأنه شأن أي منصب عام آخر، هو حق دستوري لأي مواطن تتوافر فيه الشروط القانونية ويحظى بثقة المواطنين. فالرئيس لا يمثل قومية بعينها ولا طائفة محددة، بل يمثل الدولة بكل مكوناتها ومواطنيها. وإذا كانت سوريا دولة لجميع السوريين، فإن الانتماء القومي لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام وصول أي مواطن إلى أي موقع سياسي أو دستوري.
هكذا تُفهم المواطنة المتساوية قانونياً وسياسياً وثقافياً إذا كان هناك احترام وإلتزام بهذه المعايير. فهي ليست مجرد حق في حمل الهوية الشخصية أو جواز السفر، وليست مجرد مساواة شكلية أمام النصوص القانونية، بل هي مساواة فعلية في الاعتراف والحقوق والواجبات والفرص. وهي تعني بالنسبة للكُرد أن يكونوا شركاء كاملين في الوطن والدولة، لا مجرد أفراد معترف بوجودهم القانوني.
إن مستقبل سوريا المستقرة والديمقراطية لن يُبنى على إنكار التنوع أو اختزال المواطنة في بعدها الإداري، بل على عقد وطني جديد يجعل من المساواة والشراكة أساساً للعلاقة بين الدولة وجميع مواطنيها. وعندما يصبح الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني وسائر أبناء البلاد متساوين في الحقوق والفرص والانتماء إلى الدولة، عندها فقط يمكن الحديث عن مواطنة متساوية حقيقية تضمن وحدة سوريا واستقرارها ومستقبلها.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً وعدالة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…