السياسات الكردية والفرص البديلة في سوريا

مصطفى عبد الوهاب العيسى

 

في جميع دول المنطقة ، وخلال الأشهر الأخيرة بشكل خاص أصبحنا نلاحظ حالة من التخبط في السياسات الكردية التي تنتهجها النخب والأحزاب الكردية ، وتبعاً لعمر الحركات الكردية في هذه الدول ، ونسب الكرد فيها ، وتوزعهم الديموغرافي ، تتفاوت درجات هذا الاضطراب والضياع الذي يعاني منه المشهد السياسي الكردي .

وأرى أن المتأمل بدقة في هذا المشهد يمكنه أن يستثني كرد إيران من هذا التخبط ، إذ إن مواقفهم وقراءتهم للواقع السياسي تبدو أكثر اتزاناً وواقعية ، كما أن نتائج الحرب وتداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قد أثبتت إلى حد كبير صحة تقديراتهم ، وقرارهم بعدم الانزلاق في مسارات المواجهة ، وتجنبهم دفع أثمان باهظة كان من الممكن أن تكون كارثية .

في تركيا ، يكفي التأمل في الخطاب الفلسفي الذي يغلب عليه غياب المنهجية الواضحة ليتبين لنا حجم التخبط الذي تعيشه الأحزاب والتيارات الكردية هناك ، أما في إقليم كردستان العراق ، فتكفي الإشارة إلى مرور ما يقارب عامين حتى الآن دون تشكيل حكومة لتتضح ملامح التعثر السياسي وتعقد المشهد الداخلي في الإقليم .

وفي سوريا – التي تُعد الحلقة الأضعف في هذا السياق – يبدو المشهد السياسي الكردي أقرب إلى فيلم هندي أو مسلسل مكسيكي مفتوح النهايات ، ولا يمكن التنبؤ بمساره أو أحداثه ، ولم تعد تقلباته وتطوراته تُفاجئ أحداً .

على مدى أكثر من ستة عقود ، لم تتمكن أحزاب الحركة الكردية في سوريا من عقد مؤتمر جامع يوحد الصف والخطاب الكردي ، ويُفضي إلى نتائج عملية ملموسة ، وحتى ” التحالف الديمقراطي ” الذي استمر قرابة خمسة عشر عاماً في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الثالثة ، لم ينجح في إخراج نتائج جادة أو مؤثرة على أرض الواقع .

قبل أكثر من عام ، تمكن الكرد وللمرة الأولى من التوصل إلى مخرجات عملية لمؤتمراتهم التي طالما اتسمت بالعقم السياسي ، وذلك في السادس والعشرين من نيسان 2026 ، وقد حظي هذا المؤتمر – إلى حد كبير – بمباركة معظم أو حتى جميع الأحزاب الكردستانية الفاعلة والمؤثرة والمُتنفذة غالباً بقرارات الأحزاب السياسية الكردية في سوريا ، وكان الوفد الكردي الذي جرى تشكيله – بصرف النظر عن أفراده – خطوة هامة لمعالجة المعضلات التي تواجه الكرد في مسار حوارهم المنشود مع دمشق .

غير أن هذا المسار – الوفد الكردي – سرعان ما تعثر بفعل حالة التخبط ، وتغليب المصالح الضيقة ، واستمرار الانقسامات الداخلية ، وهو ما حال دون تفعيله وأفضى في نهاية المطاف إلى تجميده .

وهكذا وجدت القضية الكردية في سوريا نفسها عالقة بين تذاكر السفر وحجوزات الفنادق بعدما طغت عليها في كثير من الأحيان الحسابات الشخصية للأفراد والأحزاب ، وحتى باتت عند بعض الأطراف أقرب إلى شعار يُرفع ويُستثمر غالباً لتحقيق مكاسب فردية تحت غطاء المطالب العامة أكثر من كونها حقاً مشروعاً ووطنياً .

في المحصلة ، أصبحت غالبية الأحزاب المنضوية ضمن الإطارين الرئيسيين – بشخصياتها القيادية – تتحرك عبر جولات مكوكية داخل سوريا وخارجها بحثاً عن مصالحها الخاصة ، وفي المقابل برزت أحزاب لا تتجاوز كونها منصات افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي لترفع شعارات تفوق حجمها وإمكاناتها بكثير ، وإلى جانب ذلك أحزاب أخرى قد تكون صادقة في نواياها ، ولكنها بطيئة في حركتها على نحو لا يواكب تسارع التحولات السياسية في سوريا والمنطقة عموماً ، وهذا يشمل الأطراف التي وقعت مؤخراً على ما عُرف ب ” اللقاء التشاوري ” .

لا بدّ اليوم للأحزاب الكردية في سوريا من إجراء مراجعة شاملة للماضي وتجربتها السياسية ، ولا سيما ما يتعلق بالعقد الأخير الذي شهد عدداً كبيراً من الاجتماعات والمؤتمرات التي لا تُحصى ولا تُعد ، ويجب لهذا التقييم أن يكون موضوعياً وصريحاً ويبدأ بالاعتراف بحجم الإخفاقات التي رافقت الأداء السياسي لهذه الأحزاب ، وبفشل الأدوات والمنهجيات التي تم اعتمادها لعقود ، ووصولاً إلى إعادة النظر في أدوار العديد من القيادات السياسية ، وبالشكل الذي يفضي إلى انسحاب بعضهم من العمل السياسي نهائياً ، وإفساح المجال أمام جيل شاب ودماء جديدة قادرة على خوض العمل السياسي والنضال السلمي بوسائل حديثة وربما أكثر فاعلية .

إن خارطة الطريق للقضية الكردية في سوريا تبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى ، وهي تقوم على تبنِّي سياسة واقعية تنسجم مع متطلبات المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد ، وهذه الواقعية تفرض على السياسيين الكرد إعادة النظر في الفرص البديلة المتاحة اليوم ، والانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الإنجاز العملي .

في هذا السياق ، لا تبدو هناك فرصة أكثر أهمية وواقعية من العمل مع المختصين بالتنفيذ على تفعيل مواد المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في كانون الثاني عام 2026 باعتباره مدخلاً عملياً يمكن البناء عليه مستقبلاً .

إن هذه الفرصة البديلة أمام الساسة الكرد ، وكل من يؤمن بالقضية الكردية بوصفها قضية وطنية ، تتمثل في الانطلاق من المرسوم 13 والعمل على تفعيله على أرض الواقع ، وهي فرصة – في حال استثمارها بجدية – ستظل أكثر جدوى وأعمق أثراً من الاكتفاء بالمؤتمرات المتكررة أو الخطابات والشعارات التي لا تحقق نتائج ملموسة ولا تُسهم في إحداث تغيير حقيقي .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…

ماجدة بوعزة بين نزع سلاح حزب العمال وحسابات أردوغان للبقاء في السلطة، يفتح القانون الجديد باب السلام في تركيا، لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأكراد. فما تفاصيله؟ يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى. تحول في الخطاب القومي