الكرد وتوم باراك سمسار السّياسة

نارين عمر

   يأتي تعيين توم باراك مبعوثاً للرّئيس الأمريكي دونالد ترامب لملفي سوريا والعراق في هذا التّوقيت الحسّاس الذي تشهده منطقة الشّرق الأوسط ومن ضمنهم كردستان، وما تقوم به أمريكا وحليفاتها نذير شؤم للشّعب الكردي في أجزائه المختلفة، على الرّغم من أنّ النّاس ومن ضمنهم الشّعب الكردي ينظرون إليه على أنّه مجرّد سمسار يسعى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ومالية خلف كواليس ما يفعله تحت عباءة السّياسة، لكنّه في الحقيقة يملك من الدّهاء ما يجعل الآخرين يخضعون لأوامره ومن الخبث ما يجعلهم يرضخون له شاؤوا أم أبوا، مع علمنا الأكيد أنّ أمريكا والهيئة الرّئاسية فيها يدعمونه الدّعم الكامل، وأنّه ينفذ أوامرهم ومخططاتهم بالإضافة إلى أوامر ومطالب حلفاء أمريكا والدّول الإقليمية المحتلة لكردستان.

ما يثير بعض الأسى أنّ بعضهم احتفل بفرح ومسرّة بإعفاء باراك من منصبه أو طرده منه، ولكنّه في الحقيقة كان مبعوثاً لوزارة الخارجية الأمريكية في سوريا، وانتهت مهمته الرّسمية بشكل قانوني، ليسارع الرّئيس ترامب إلى تعيينه كمبعوث رئاسي في سوريا والعراق معاً؛ أي أنّ ترامب منحه صلاحيات أكبر ومهام أعلى من ذي قبل. هو يعدّ الآن مبعوثاً رئاسياً وعلاقته تكون شخصياً مع الرّئيس الأمريكي ويتلقى أوامره منه مباشرة.

مع هذا التّعيين الذي شمل العراق أيضاً اخترق خوف شديد نفوس شرائح واسعة من الشّعب الكردي، والذين يعدّون الضّحايا الأكثر عدداً من ضحايا باراك، لأنّه قضى على آمال الشّعب الكردي في غربي كردستان باسترجاعهم لحقوقهم أو على الأقل الحصول على حكم فيدرالي أو حكم ذاتي، وعندما رأوا أنّه سيكون وصيّاً على العراق أيضاً، بدأت الخشية تصاحب الخوف في نفوسهم على أن يُكرّر سيناريو سوريا وغربي كردستان مع العراق وجنوبي كردستان، وخاصة بعد تصريحاته الأخيرة التي يعزّز فيها مخاوف الشّعب الكردي حين صرّح:

((حصر السلاح بيد الدّولة يمثّل حجر الأساس لحكم ذاتي عراقي متجدّد))، وقد تضاربت الآراء حول هذا الرّأي المبهم الذي يرى أنّه ربّما يشمل قوات پيشمرگه كردستان أيضاً. إذا كان ما قيل ويُقال يصاحب الحقيقة فإنّه على إقليم كردستان أن يعدّ العدّة لتطوّرات مفاجئة قد تتحوّل إلى حرب تجرّ على كردستان والمنطقة بنتائج غير مرضية.

في تصريح آخر لتوم بـاراك يقول فيه: ((أي سلام دائـم في الشّرق الأوسـط يحتاج إلى ربط العراق وسوريا وتركيا ضمـن مسار استراتيجي واحد)). ماذا يقصد بتصريحه هذا؟ هل هذا التّصريح متمّم لتصريح آخر قال فيه:

((نماذج الحكم الفيدرالي لا يمكن أن تنجح في سوريا والعراق، وأن فكرة إقامة دولة داخل دولة غير مقبولة)).

وصرّح أيضاً:

((إن التقسيمات الفيدرالية أو الإقليمية في العراق قد تؤدي إلى خلق جمهوريات فيدرالية، وذلك من الأسباب الأساسية للفشل السياسي والأمني في العراق)) .

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الوضع في غربي كردستان وجنوبها، في الوقت الذي ساهم بعض قادة غربي كردستان وأوصياؤها على ما آلت إليه الأوضاع هناك – وفي الفترة الأخيرة ساهم بعضهم الآخر البعض الأوّل- ومساعدتهم توم باراك وغيره من المسؤولين على تحقيق مآربهم ضدّ الكرد وبعض الشّعوب الأخرى في سوريا، ودعواتهم الصّريحة إلى عدم مطالبتهم بالفيدرالية بل إلى سوريا موحّدة، فإنّنا من جميع قادة جنوبي كردستان ومسؤوليهم

الآن أن يتمكّنوا من تجاوز هذه الخدع والألاعيب، ويحافظوا على فيدرالية كردستان وتحقيق مطامح وحقوق الشّعب الكردي، بذلك سيتمكّنون من إفشال مخطّطات باراك وأولياء قراره وسعيه في حول كردستان من الشّخصيات والدّول وكافة الفئات الأخرى.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…