إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى – الحلقة الرابعة عشرة والأخيرة

د. محمود عباس

إعادة بناء المشروع الكوردستاني

بعد هذا المسار الطويل من الأسئلة والمراجعات، لم يعد التحدي الحقيقي أمام الحراك الكوردستاني هو فقط كيف يواصل نضاله، بل كيف يعيد بناء مشروعه نفسه. فالشعب الكوردي لم يعد في لحظة إثبات وجوده فقط، ولا في مرحلة الدفاع الأولي عن هويته كما كان الحال في بدايات القرن الماضي، بل يقف اليوم أمام استحقاق تاريخي أكثر تعقيدًا وأبعد أثرًا، الانتقال من منطق الصمود إلى منطق البناء، ومن رد الفعل إلى مشروع المستقبل.

لقد راكم الكورد خلال أكثر من قرن من النضال رصيدًا هائلًا من التضحيات والتجارب والانكسارات والإنجازات. وهذا التاريخ لم يكن مجرد سجل من المعارك أو الخيبات، بل كان، في عمقه، عملية طويلة لتكوين وعي قومي وسياسي حافظ على استمرارية الشعب الكوردي رغم كل محاولات الإنكار والاقتلاع والتقسيم. لكن قيمة هذا التاريخ لا تكمن فقط في حفظ الذاكرة، بل في القدرة على تحويله إلى أساسٍ لمرحلة جديدة أكثر نضجًا واتساعًا.

وهنا تحديدًا تبدأ ضرورة إعادة بناء المشروع الكوردستاني.

فالمشروع الكوردي، في مراحله الأولى، كان مشروع بقاء وهوية قبل أي شيء آخر. وكان ذلك طبيعيًا في ظل سياسات الطمس القومي، ومنع اللغة، وتشويه التاريخ، وحرمان الكورد من أبسط حقوقهم السياسية والثقافية. وكان مجرد الحفاظ على الوجود القومي، في مثل تلك الظروف، إنجازًا تاريخيًا بحد ذاته. غير أن المرحلة الجديدة تفرض على هذا المشروع أن يتجاوز حدود الدفاع عن الوجود، ليتحول إلى مشروع بناء، بناء مجتمع، وبناء مؤسسات، وبناء اقتصاد، وبناء خطاب، وبناء موقع في العالم.

فالقضية التي تبقى محصورة في خانة الاحتجاج، مهما كانت عادلة، تبقى مهددة بأن تستهلكها لحظة الصراع. أما القضية التي تتحول إلى مشروع تاريخي متكامل، فإنها تملك فرصة أكبر في البقاء والتأثير والاستمرار. ومن هنا، فإن إعادة بناء المشروع الكوردستاني تعني أولًا إعادة ترتيب أولوياته. لم تعد القضية الكوردية اليوم قضية اعتراف قومي فقط، بل أصبحت أيضًا قضية قدرة على إدارة المجتمع، وبناء نموذج سياسي قابل للحياة، وخلق أسس مادية ومعرفية تضمن الاستمرار في عالم شديد التحول والتعقيد.

ولهذا، فإن المشروع الكوردي الجديد لا يمكن أن يقوم على السياسة وحدها، ولا على العاطفة القومية وحدها، ولا على الذاكرة النضالية وحدها، بل يجب أن يستند إلى مجموعة متكاملة من العناصر، فكر سياسي أكثر نضجًا، واقتصاد أكثر إنتاجًا، ومؤسسات أكثر رسوخًا، وتعليم أكثر حداثة، ودبلوماسية أكثر وعيًا، وخطاب أكثر قدرة على مخاطبة الداخل والعالم في آنٍ معًا.

كما أن إعادة بناء المشروع الكوردستاني تقتضي مواجهة واحدة من أعمق أزماته التاريخية، أزمة الانقسام الداخلي. فالتعدد السياسي داخل المجتمع الكوردي ليس مشكلة في ذاته، بل قد يكون مصدر غنى إذا أُحسن تنظيمه. لكنّ تحوّل هذا التعدد إلى تنازع مزمن بين الأحزاب والتيارات، وإلى استنزاف دائم للطاقات، كان من أكثر العوامل التي أضعفت القدرة على تحويل التضحيات إلى إنجازات مستقرة. ومن هنا، فإن إعادة البناء لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تعني بناء حد أدنى من الرؤية المشتركة التي تسمح للاختلاف بأن يبقى داخل المشروع، لا أن يتحول إلى قوة تفكيك له.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التجارب السياسية الكوردية القائمة اليوم بوصفها مختبرات متعددة لا بوصفها نماذج مكتملة. فالتجربة في إقليم كوردستان العراق، والتجربة في غربي كوردستان، والحراك السياسي والثقافي في بقية أجزاء كوردستان، ليست صورًا نهائية للمشروع الكوردي، بل محاولات مختلفة لفهم الواقع والتعامل معه. وإذا جرى التعامل معها بروح نقدية بنّاءة، فإنها يمكن أن تتحول إلى مصادر للتعلم، لا إلى ساحات للتخندق أو التقديس أو التبادل العقيم للاتهامات.

إن إعادة البناء هنا لا تعني فرض نموذج واحد على جميع أجزاء كوردستان، فواقع الشعب الكوردي الموزع بين عدة دول يفرض قدرًا من المرونة السياسية والتعدد في الصيغ. لكن هذه المرونة يجب ألا تلغي الحاجة إلى رؤية كوردستانية أوسع، تقوم على مبادئ مشتركة، حماية الهوية، وترسيخ الحقوق، وبناء المؤسسات، واحترام التعدد، وربط الأجزاء المختلفة من القضية الكوردية بإحساس مشترك بالمصير، حتى حين تختلف الشروط السياسية من جزء إلى آخر.

كما أن أحد أهم شروط إعادة بناء المشروع الكوردستاني في القرن الحادي والعشرين هو إعادة وضع الإنسان الكوردي في مركز هذا المشروع. فالثروة الحقيقية لأي شعب لم تعد فقط في الجغرافيا، ولا في الموارد الخام، ولا حتى في التاريخ، بل في الإنسان نفسه، في تعليمه، وكفاءته، وقدرته على الابتكار، ومهاراته، ووعيه، ومؤسساته. وإذا لم يتحول الاستثمار في الإنسان الكوردي إلى أولوية مركزية، فسيبقى المشروع كله معرضًا لأن يحمل ذاكرة كبيرة، لكن بأدوات أضعف من أن تصنع المستقبل.

ولهذا، فإن إعادة بناء المشروع الكوردستاني ليست مهمة الأحزاب وحدها، ولا القيادات السياسية وحدها، بل هي مهمة مجتمع كامل. المثقفون، والباحثون، والاقتصاديون، وأصحاب الخبرة، والشباب، والنساء، والجاليات الكوردية في الخارج، والمؤسسات التعليمية والثقافية، جميعهم يجب أن يكونوا جزءًا من هذه العملية. فالمشاريع الكبرى لا تُبنى بقرار سياسي مفرد، بل عبر تراكم طويل من التفكير والعمل والتنظيم والنقد والتجربة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يواجه الحراك الكوردستاني اليوم لم يعد فقط، كيف نستمر في النضال؟ بل، كيف نحوّل هذا النضال إلى مشروع حضاري؟ كيف نجعل من القضية الكوردية أكثر من مجرد مقاومة مستمرة؟ كيف نبني شعبًا لا يطلب الاعتراف فقط، بل يقدّم نموذجًا جديرًا به؟ وكيف ننتقل من الدفاع عن الحق إلى القدرة على تنظيمه وصيانته وتطويره؟

لقد حاولت هذه السلسلة، في حلقاتها المختلفة، أن تفتح هذا الباب، من سؤال إعادة تعريف النضال، إلى تحولات الصراع والقوة، إلى دور الاقتصاد والفكر والخطاب والدبلوماسية، وصولًا إلى ضرورة التفكير في غربي كوردستان، وفي بناء المشروع الكوردستاني كله، بعين ترى المستقبل لا الماضي وحده. وليس المقصود من كل ذلك إنكار التاريخ، بل إنقاذه من أن يتحول إلى عبء على الحاضر بدل أن يكون رصيدًا له.

فالتاريخ لا يُكتب فقط بالثورات والبطولات، بل أيضًا بالقدرة على تحويل التضحيات إلى مؤسسات، والذاكرة إلى وعي، والهوية إلى مشروع، والمعاناة إلى قوة بناءة. وإذا استطاع الكورد أن ينجزوا هذا التحول، فإن القرن الحادي والعشرين قد لا يكون مجرد امتداد للقرن السابق، بل بداية مرحلة مختلفة في مسار القضية الكوردية، مرحلة لا تقوم فقط على الدفاع عن الحقوق، بل على بناء مجتمع قادر على أن يحرر كوردستان الكبرى، ويشارك في تشكيل مستقبل المنطقة والعالم.

وهنا، ربما، يبدأ المعنى الأعمق لإعادة تعريف النضال الكوردي:

ألا يبقى النضال مجرد مقاومة لما يفرضه الآخرون، بل أن يتحول إلى قدرة واعية على بناء ما نريده نحن، بناء كوردستان.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…