الانتحار الكوردي البطيء.. غربي كوردستان على حافة الإلغاء (1/3)

د. محمود عباس

لم أكتب هذا النص لأدين طرفًا وأبرّئ آخر، ولا لأفتح جرحًا جديدًا في الجسد الكوردي المثخن أصلًا بالجراح، بل أكتبه لأن الصمت، بعد هذه المرحلة، لم يعد حكمة، بل صار شكلًا من أشكال المشاركة في الانهيار.

طوال السنوات الماضية حاولت، قدر المستطاع، أن أبحث عن نقاط التقاطع بين طرفي الاستقطاب الكوردي، وأن أتجاوز الأخطاء والخلافات، وأن أتحمّل ما صدر من اتهامات وتجريح من الطرفين ومن مؤيديهما. بعضها كان جارحًا، وبعضها انحدر إلى مستوى متدنٍّ وقذر، ومع ذلك لم أردّ، لا ضعفًا ولا عجزًا، بل لأنني كنت أظن أن الصمت أحيانًا قد يكون مساهمة أخلاقية في تقليل التآكل الداخلي، وأن احتمال طعنات الكوردي الآخر أهون من توسيع الشرخ في جسدٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من النزيف.

كنت أقبل النقد المنطقي، حتى حين يكون حادًا، وأتجاوز التجريح حين يكون صادرًا من انفعال حزبي أعمى، أملاً في أن تكون الكلمة قادرة على التأثير في مسيرة نضالنا، ولو في جانب محدود. ولا شك أن شريحة من المثقفين والكتاب والسياسيين الكورد ساروا على هذا الدرب، وإن اختلفت أساليبهم، لأن الغاية كانت واحدة، إنقاذ القضية الكوردية من براثن الصراع الحزبي، ومن تحويل الخلافات السياسية إلى حروب استنزاف داخلية تُدار أحيانًا بأدوات الخصوم أنفسهم، وتُغلَّف بشعارات السياسة والظروف الإقليمية ومقتضيات المرحلة.

لقد تحققت نجاحات في بعض اللحظات، لكنها كانت تُهدم سريعًا، ليس فقط بفعل القوى المتربصة بأمتنا، بل أيضًا بسبب عناد طرفي الاستقطاب وسذاجة حساباتهما السياسية. فالقوى المعادية للكورد لم تكن بحاجة دائمًا إلى اختراع أدوات جديدة لتفكيكنا؛ كانت تجد في داخلنا ما يكفي من التشنج، والأنانية الحزبية، وضيق الأفق، وحب الهيمنة، لتبني عليه مشاريعها. وهنا تكمن المأساة الكبرى، حين يصبح الخصم الخارجي أكثر وعيًا بنقاط ضعفنا مما نحن واعون بها، وحين تتحول الأحزاب الكوردية، من حيث تدري أو لا تدري، إلى جسور تعبر فوقها مشاريع الآخرين نحو قلب غربي كوردستان.

فما يجري اليوم لم يعد خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه، بل صار مسارًا خطيرًا يدفع الحراك الكوردي كله نحو التدمير الذاتي. فالقادم في غربي كوردستان يبدو أكثر ظلمة، لا لأن الخصوم وحدهم يملكون أدوات الإلغاء، بل لأن طرفي الاستقطاب الكوردي مهّدا، كلٌّ بطريقته، الأرضية التي يستطيع الآخرون أن يمرّوا فوقها إلى تفكيك القضية، وتذويب الجغرافيا، وتقزيم الحضور الكوردي إلى مقاعد رمزية لا تحمي لغة، ولا تصون أرضًا، ولا تبني مستقبلًا.

والأخطر أن هذا المسار لا يجري بوصفه صدامًا مباشرًا مع الكورد، بل عبر خطة أكثر خبثًا وهدوءًا، تقوم على حصر القضية القومية الكوردية في غربي كوردستان ضمن إطار عسكري تمثله قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد، وكأن القضية كلها تُختزل في بنية عسكرية قابلة للحل أو الدمج أو التفكيك. وهذا ما يجب أن ينتهي ويُلغى من أساسه، وأن يُعلن بوضوح أن الحوارات لم تعد بين حكومة انتقالية وقوة عسكرية، خاصة أن الإشكالية العسكرية انتهت تقريبًا، بل صارت القضية الآن بين حكومة انتقالية وإدارة ذاتية يُفترض أن تمثلها غالبية الحراك الكوردي وقواه السياسية والمجتمعية، لا طرف واحد دون الآخر.

وإلا فإن مسار الدمج ثم التذويب سيمضي تحت غطاء الحوار، بينما يُلهى طرفا الاستقطاب بمعارك صغيرة وهامشية، كالصراع على بعض المقاعد البرلمانية، أو التسابق المذلّ على من يسبق الآخر إلى لقاء أو حوار مع الحكومة السورية الانتقالية. وهكذا تتحول القضية الكبرى إلى منافسة على فتات سياسي، وتُختزل الجغرافيا في مقعد، واللغة في وعد، والحق القومي في صورة لقاء، بينما يجري في العمق إعداد المسرح لإفراغ غربي كوردستان من معناها السياسي والقومي والتاريخي.

وكان بإمكان الطرفين، رغم كل خلافاتهما وتناقضاتهما، أن يتحولا إلى كتلة كوردية صلبة، مسنودة بإرادة الشعب، تفرض شروطها على الحكومة الانتقالية بدل أن تنتظر فتاتها، وتنتزع احترام القوى الإقليمية والكبرى بدل أن تُستَخدم في صراعاتها. لكنهما اختارا طريق المناكفة والتحزب، فبدل أن يجعلا من الخلاف قوة تفاوضية، حوّلاه إلى ثغرة قاتلة دخل منها الآخرون لتفكيك الموقف الكوردي، وتقزيم حضوره، وإعادة رسم مستقبله خارج إرادته.

ومن هنا لا بد من قول هذا الكلام بوضوح، لا من موقع الخصومة، ولا رغبة في تعميق الشرخ، بل لأن المرحلة لم تعد تحتمل المجاملة السياسية ولا التبرير الحزبي. لقد حاولت طويلًا أن أبقى وفيًّا لمنهجيتي في البحث عن المشتركات، وعن الحكمة في التعامل الداخلي قبل مواجهة القوى المحتلة لكوردستان، غير أن الحراك الكوردي بلغ حدًا صار فيه الصمت على التآكل الداخلي مشاركة غير مباشرة في الجريمة السياسية. فحين يصبح كل طرف مستعدًا للتنازل للآخرين أكثر مما هو مستعد للتفاهم مع شريكه القومي، فإن القادم لا يمكن أن يكون إلا أكثر ظلامًا.

ومن هذا المدخل تحديدًا يبدأ نقد قوى الإدارة الذاتية، وبشكل خاص حزب الاتحاد الديمقراطي وامتداداته العسكرية والسياسية، لأنها امتلكت السلطة والقرار والفرصة، لكنها لم تحول ذلك إلى مشروع قومي جامع. وما يجري اليوم ليس غبنًا بحق الحزب الكوردي الحاكم بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمنهجه هو؛ فمن جلب التهميش إلى ذاته عليه أن يتذوق مرارته. ومن رفع شعار الأمة الديمقراطية على حساب الوضوح القومي، عليه أن يدرك أن هذا الشعار لن يُستخدم فقط بين العرب والكورد والسريان، بل سيُعاد تطبيقه داخل البيت الكوردي نفسه، لتذويب الخصوصية القومية، وتفريغ الجغرافيا الكوردية من معناها السياسي، وتحويل الشعب الكوردي إلى مكوّن إداري متناثر داخل معادلة لا تعترف به كقضية قومية.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

24/5/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال   إنَّ أيَّ عملية بناء تحتاج إلى أسس ومقومات. فعند بناء دار أو منزل، نحتاج بالتأكيد إلى مواد للبناء، ونوع البناء هو الذي يحدد نوعية المواد وكميتها. وكل ذلك لا معنى له من دون يدٍ عاملة تقوم بعملية البناء. وهذا يعني أن بناء أي شيء يحتاج إلى مقومات وأدوات. فما هي الأدوات المطلوبة لبناء الشخصية…

خالد بهلوي   سيدة تقول : ياحسرة على عيد الأضحى في السابق كنا نفرحوا ونرحموا بعضنا الان الغلاء غيب ضحكتنا وفرحتنا . عيد الأضحى المبارك… عيد التهاني والتكافل وذبح الأضاحي تقربًا إلى الله، وعيدٌ يحمل في جوهره معاني التضحية والرحمة والإحسان. لكن يبقى السؤال الذي يتردد في قلوب كثير من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود: هل يطبق الأغنياء والتجار حقيقة معاني…

صلاح بدرالدين اقامتي – البيروتية – الاختيارية – الاضطرارية ، التي ناهزت العشرة أعوام من بداية سبعينات القرن الماضي ، وحتى المغادرة ” الاضطرارية ” أيضا خريف عام ١٩٨٣ ، بعد الاجتياح الإسرائيلي ، ومحاصرة بيروت ، تلخصان نموذجا لحالة المناضل السياسي الكردي السوري – الضائع – في بحر تتلاطم فيه الأمواج من كل حدب وصوب في شرقنا المستبد ،…

إبراهيم اليوسف ما جرى تحت اسم انتخابات ما يسمى ب” مجلس الشعب” لا يشبه ولادة برلمان بقدر ما يشبه إعادة تدوير الاستبداد بأدوات أكثر ارتباكاً، إذ بدا السوري مرة أخرى خارج القاعة التي يُفترض أنها خُلقت لأجله، بينما جرى تصنيع مجلس بلا ناخبين حقيقيين، ضمن آلية أقرب إلى التعيين المقنّع منها إلى أي معنى انتخابي، الأمر الذي حوّل ما قيل…