الحزبيون الفعليون المدافعون عن القضية الكردية في سوريا

عبدالله كدو

الأحزاب الوطنية في سوريا عامة، ومنها الكردية خاصة، تعرضت لتدخلات وضغوط من السلطات التسلطية المتعاقبة لاستمالتها على مضض، حيث استمرت سلطات النظام البعثي السابق في العمل على التعشش داخل بعض الهيئات القاعدية والقيادية للأحزاب المعارضة، لتحويل بعض أعضائها إلى موافقين على سياساتها أو متفرجين متصالحين معها. وفي الحالة الكردية، هناك حالات طرد موثقة لأعضاء قياديين أو من القواعد الحزبية، بموجب تعميمات خاصة عبر نشرات داخلية لأحزاب كردية، تقضي بطرد أعضاء منها متهمين بالتعامل مع السلطات الأمنية لنظام الأسد الأب والاِبن. كما أظهرت وثائق لحزب البعث وأجهزة مخابرات النظام السابق عينة من اختراق الأحزاب، إثر مداهمة مقراتها من قبل المتظاهرين السوريين خلال سنوات الثورة السورية، ومنها، على سبيل المثال، مقر المخابرات في مدينة رأس العين بمحافظة الحسكة. لكن، مع الأسف، تم القبول بتدوير كثير من الشخصيات والمجموعات المشبوهة، خاصة خلال سنوات الثورة، بذريعة خصوصية المرحلة وضرورات وحدة الصف.

وفي حالة سلطات الأمر الواقع التابعة للفصائل المسلحة التي سيطرت على “شمال غرب سوريا”، اختفى نشاط الأحزاب الكردية إلى حد كبير هناك، وظل عدد قليل جدا من الحزبيين مستمرا في الدفاع عن كرديتهم، في ظل انتشار الانتهاكات ضد الكرد بشكل خاص في منطقة عفرين، والتي بلغت درجة تصنيف بعض تلك الفصائل على قوائم العقوبات الأمريكية وغيرها، كما تناولتها لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا.
أما في “شمال شرق سوريا”، حيث يقيم الجزء الأكبر من الكرد، ففي الوقت الذي طالب فيه المجلس الوطني الكردي ENKS حزب الاتحاد الديمقراطي PYD بفك ارتباطه التنظيمي بحزب العمال الكردستاني PKK، خلال مفاوضاته الماراثونية معه والتي استمرت نحو 12 سنة، فإن الحركة الوطنية الكردية، ومنها ENKS، لم تبادر إلى مطالبة PYD – علنا – بفك ارتباطه الفكري والسياسي – أيضا – بحزب العمال الكردستاني، الذي طالب زعيمه عبدالله أوجلان الكرد السوريين بمغادرة الأراضي السورية والعودة إلى تركيا باعتبارها وطنهم المزعوم، بينما كان PYD يعلن في أدبياته، كما في بيانه التأسيسي لعام 2003، أنه يمثل امتدادا لنضال يبلغ عمره ثلاثين عاما، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني الذي كان قد تأسس قبل ذلك التاريخ بثلاثين عاما.
وكذلك يؤكد PYD أنه يهتدي بفلسفة أوجلان، الذي أعلن عدم وجود قضية كردية في سوريا بوصفها قضية شعب يعيش على أرض أسلافه، نزولا عند رغبة مضيفه النظام السوري حينذاك.
لقد حذت سلطات الإدارة الذاتية، بقيادة PYD مع استطالاته، حذو سلطات نظام الأسد، فمارست الترهيب حسب اللزوم، مستفيدة من دعم التحالف الدولي ضد داعش، واعتقلت وغيبت وأبعدت أعدادا معينة من معارضيها، حزبيين ومستقلين، وخاصة الكرد منهم، وفقا لدرجة إحساسها بخطورتهم عليها. كما مارست الترغيب مع أعداد من أعضاء الأحزاب المعارضة لها، بهدف إسكاتهم أو استمالتهم.
وعليه، فإن حاصل طرح عدد الحزبيين الكرد الذين تحولوا إلى صامتين جامدين أو سلبيين من مجموع العدد العام للحزبيين الكرد السوريين، خلال مرحلتي السلطتين المتتاليتين، هو العدد الفعلي للحزبيين الكرد الفاعلين المستمرين في الدفاع عن القضية والخصوصية الكردية السورية، ذلك بشكل مستقل وبعيداً عن الإملاءات والأجندات المتنافية مع مصلحة الشعب الكردي السوري. فأولئك المدافعون المستمرون، رغم ضجيج هتافات المنتحلين والمكوّعين المتغنين بالتمسك بالوحدة الكردية من طرف واحد، بدون اشتراط وقف خطف الأطفال الكرد، وبدون اشتراط إطلاق سراح المحتجزين والمخطوفين، وبدون الكشف عن مصير المغيبين، وبدون محاسبة المجرمين من قتلة الشهداء الكرد الذين سقطوا برصاص مسلحي PYD كما حدث في عامودا وكوباني وعفرين وغيرها وغيرها من الانتهاكات والفساد.
باختصار شديد، فإن أولئك المستمرين في الدفاع عن قضية شعبهم الكردي بوضوح وعلنية، أيا كانت نسبتهم العددية، هم الرصيد الفعلي والحصن الأخير للدفاع عن القضية الكردية بوصفها قضية وطنية ضد التمييز والاستبداد والفساد، سواء كان ذلك الاستبداد والفساد من قِبل الكرد أم من قبل غيرهم من السوريين، وضد دعوات الإيهام تحت عناوين قومية كردية مضللة أو عاطفية مغفّلة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مئة عام من القامشلي.. ولكن أين الشجر والقانون والكهرباء والتعايش؟ راجآل محمد Rajal Muhammed بمناسبة مئوية القامشلي سأغرد خارج السرب، ولن أتغنى بجمالها فهي ليست جميلة فلا شارع واحد مشجر من الطرفين، ولا حتى من طرف واحد. ليس فيها قانون للمرور حيث ترى السيارات مركونة كيفما شاء اصحابها وتأتي من كل الاتجاهات وترى السيارة مركونة على الرصيف ولا تترك مجالا…

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…