قراءة في الانهيار السياسي وسبل إعادة بناء القضية الكردية السورية

حوران حم
منذ سنوات طويلة، يعيش الكرد في سوريا واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخهم السياسي الحديث. فبعد أن تحولت الثورة السورية إلى حرب مفتوحة، ثم إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وجد الكرد أنفسهم مرة أخرى أمام سؤال الوجود والمصير، ولكن هذه المرة وسط انقسامات داخلية حادة، ومشاريع متناقضة، وقيادات سياسية وعسكرية لم تنجح في إنتاج مشروع وطني جامع بقدر ما عمّقت حالة التشتت والانقسام.
اليوم، ومع كل دفعة أسرى ومعتقلين تعود إلى مدن الجزيرة وكوباني وعامودا والقامشلي، تنكشف حقائق كانت مخفية عن الناس لسنوات. آلاف العائلات الكردية التي كانت تعيش بين الأمل والخوف، اكتشفت فجأة أن أبناءها كانوا في المعتقلات أو في عداد المفقودين، بينما كانت القيادات العسكرية والسياسية تمارس خطاب الانتصارات الوهمية وتبيع لجمهورها أوهام القوة والسيطرة. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ ليس فقط في الخسائر البشرية والعسكرية، بل في حجم التضليل الذي مورس بحق مجتمع كامل.
لقد تحولت القضية الكردية السورية، خلال السنوات الماضية، من قضية شعب يطالب بحقوقه القومية والديمقراطية، إلى ملف تتحكم به الحسابات الحزبية الضيقة، والصفقات الإقليمية، والتفاهمات الدولية. وبينما كان الشارع الكردي ينتظر مشروعاً وطنياً يعيد الاعتبار لتضحياته، وجد نفسه أمام سلطات أمر واقع تتصارع على النفوذ والإدارة والتمثيل، فيما كانت الحقوق القومية تتراجع خطوة بعد أخرى.
المفارقة المؤلمة أن الصراع لم يعد بين مشروع كردي وآخر، بل بين سلطتين تتقاسمان النفوذ والامتيازات، رغم كل الخطابات الإعلامية المتبادلة. فالاتفاقيات التي عُقدت تحت عناوين الشراكة أو المرجعية أو الوحدة الكردية، من أربيل إلى دهوك وصولاً إلى مؤتمر القامشلي، لم تنتج أي مشروع إنقاذ حقيقي، لأنها قامت أساساً على المحاصصة الحزبية لا على بناء مرجعية وطنية مستقلة تمثل الشعب الكردي بكل تنوعاته السياسية والثقافية والاجتماعية.
وما يزيد المشهد خطورة أن حالة الإحباط الشعبي باتت تتوسع بشكل غير مسبوق. فالهجرة الجماعية، وغياب الأفق السياسي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتآكل الثقة بالعمل الحزبي، كلها عوامل دفعت آلاف الشباب إلى الابتعاد عن السياسة أو مغادرة البلاد. وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد خسارة مرحلة سياسية؛ إنه خطر فقدان المجتمع الكردي لطاقته التاريخية وإيمانه بإمكانية التغيير.
لكن رغم هذا السواد، ما زال هناك بصيص أمل. فكل المراحل التاريخية الكبرى التي مرت بها الشعوب، كانت تبدأ من لحظة الاعتراف بالفشل. واليوم، بات واضحاً أن استمرار النهج الحالي سيقود إلى مزيد من التراجع والتفكك، ولذلك فإن إعادة بناء الحركة الكردية السورية لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية.
إن الحل الحقيقي لا يمكن أن يكون بإعادة تدوير نفس القيادات ونفس التحالفات الفاشلة، بل عبر مشروع وطني جديد يقوم على عدة أسس جوهرية:
أولاً، الاعتراف الصريح بفشل المرحلة السابقة بكل ما حملته من سياسات إقصاء وتبعية وارتهان للخارج، لأن أي مراجعة لا تبدأ بالنقد الذاتي ستبقى مجرد محاولة لتجميل الانهيار.
ثانياً، عقد مؤتمر كردي سوري جامع داخل سوريا، ويفضل في دمشق، يضم المستقلين الوطنيين، والنخب الثقافية، والحقوقيين، والشخصيات الاجتماعية، إضافة إلى القوى السياسية التي تؤمن فعلاً بالشراكة الوطنية السورية، بعيداً عن عقلية الهيمنة الحزبية.
ثالثاً، بناء مرجعية كردية مستقلة لا تخضع للمحاور الإقليمية، لأن التجربة أثبتت أن الارتهان للخارج يجعل القرار الكردي رهينة للتفاهمات الدولية، ويحوّل الشعب إلى ورقة تفاوض تُستخدم ثم تُرمى.
رابعاً، إعادة تعريف القضية الكردية باعتبارها قضية شعب وحقوق وهوية، لا قضية سلطة وإدارة ومناصب. فالقضية الكردية أكبر من أي حزب وأعمق من أي تنظيم عسكري.
خامساً، العمل على إنهاء حالة التخوين والانقسام الداخلي، لأن أكبر انتصار حققه أعداء الكرد خلال السنوات الماضية هو نجاحهم في تحويل الخلاف السياسي إلى صراع مجتمعي داخل البيت الكردي نفسه.
أما على المستوى الوطني السوري، فإن الكرد بحاجة إلى مشروع شراكة حقيقي مع بقية مكونات البلاد، يقوم على الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وحقوقه القومية والثقافية والسياسية، ضمن سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تحفظ وحدة البلاد وكرامة جميع أبنائها.
إن المرحلة القادمة ستكون مفصلية. فإما أن ينجح الكرد في إنتاج مشروع إنقاذ تاريخي يعيد الثقة لشعبهم ويستعيد القرار الوطني المستقل، وإما أن تستمر حالة التآكل الحالية حتى تصبح القضية الكردية مجرد ملف إنساني بعد أن كانت قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة.
لقد تعب الناس من الشعارات، ومن الخطابات التعبوية، ومن تجارة الدم والمعاناة. وما يحتاجه الشارع الكردي اليوم ليس المزيد من المزايدات، بل قيادة تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والقدرة على بناء مرحلة جديدة تقوم على الحقيقة لا الوهم، وعلى الشراكة لا الاحتكار، وعلى المشروع الوطني لا المشاريع الفئوية.
وربما تكون هذه اللحظة، بكل ما تحمله من ألم وانكسار، بداية الطريق نحو ولادة وعي كردي جديد يدرك أن إنقاذ القضية يبدأ أولاً بإنقاذ البيت الكردي نفسه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني هناك لحظات لا تكون فيها المحاكمة مجرد محاكمة رجل. تتحول إلى محاكمة زمن كامل.   زمن كانت فيه المخابرات أقوى من القانون، وكانت كلمة ضابط أمن قادرة على أن تُبقي إنساناً خلف القضبان أو تفتح أمامه باب الموت، وكان القاضي نفسه، في بعض الحالات، يعيش تحت ظل الخوف والتهديد.   واليوم، مع مثول “محمد منصورة”، الرئيس السابق لفرع…

كفاح محمود في الطب، قد تكون الجلطة لحظة فاصلة بين الحياة والموت، فهي تحدث عندما ينسد شريان يمنع وصول الدم إلى جزء من الجسد، أو عندما يتوقف مسار حيوي عن أداء وظيفته الطبيعية.، وقد تنتهي بوفاة العضو، أو تترك أثرًا دائمًا يتمثل في فقدان القدرة على الحركة، فالخطر لا يكمن دائمًا في توقف الحياة، بل أحيانًا في بقاء الجسد حيًا…

راجآل محمد Rajal Muhammed بمناسبة مئوية القامشلي سأغرد خارج السرب، ولن أتغنى بجمالها فهي ليست جميلة فلا شارع واحد مشجر من الطرفين، ولا حتى من طرف واحد. ليس فيها قانون للمرور حيث ترى السيارات مركونة كيفما شاء اصحابها وتأتي من كل الاتجاهات وترى السيارة مركونة على الرصيف ولا تترك مجالا للمشي. ليس فيها نسمة هواء نظيفة بعد أن تم حشوها…

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…