إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى – الحلقة السابعة

د. محمود عباس

 

غربي كوردستان بين انكماش الجغرافيا وضيق الفرصة السياسية. -1

 

لم يعد واقع غربي كوردستان يحتمل القراءة ذاتها التي كانت ممكنة في سنوات الصعود الأولى، حين بدت التجربة الكوردية وكأنها تنتقل من موقع الهامش التاريخي إلى موقع الفعل السياسي والعسكري، ومن ذاكرة الإنكار إلى حضورٍ فرض نفسه في معادلات الحرب السورية. لقد تغيّر المشهد بعمق، لا لأن التضحيات فقدت معناها، ولا لأن الدماء التي قُدمت في مواجهة داعش والجماعات التكفيرية صارت بلا قيمة، بل لأن الخرائط التي صنعت تلك اللحظة بدأت تتبدل، ولأن القوى الدولية التي سمحت بتمدد التجربة أو حمتها جزئيًا لم تعد تنظر إليها بالمنطق ذاته، ولأن تركيا، التي رأت في أي صعود كوردي خطرًا استراتيجيًا على بنيتها القومية المركزية، استطاعت أن تضغط على المسار السوري الجديد بحيث يصبح غربي كوردستان محاصرًا بين سلطة مركزية مذهبية ناشئة، ونفوذ تركي متغلغل، وبرود أمريكي واضح، وانقسام كوردي لم يعد ترفًا سياسيًا بل خطرًا وجوديًا.

لقد نشأت التجربة الكوردية في غربي كوردستان في لحظة استثنائية من تاريخ سوريا. حين انهارت سلطة المركز في أجزاء واسعة من البلاد، وحين تمددت الفوضى، وانفتحت الأبواب أمام داعش والنصرة وبقايا البعث وأجهزة الإقليم، وجد الكورد أنفسهم أمام فراغ هائل، وكان عليهم أن يحموا مجتمعهم قبل أن يبحثوا عن شكل الدولة القادمة. في تلك اللحظة لم يكن السلاح خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان ضرورة وجودية. ولو لم تتشكل القوة العسكرية الكوردية، ولو لم تظهر قسد لاحقًا كقوة ميدانية منظمة، لكانت مناطق واسعة من غربي كوردستان قد وقعت تحت رحمة الجماعات التكفيرية أو الأدوات التي كانت تتحرك بإرادة أنقرة والدوحة وغيرها من العواصم التي لم تكن ترى في الكورد شعبًا له قضية، بل عقدة ينبغي تفكيكها أو احتواؤها.

لكن المشكلة الكبرى أن ما وُلد في زمن الحرب لم يستطع أن يتحول، بالقدر الكافي، إلى مشروع سياسي راسخ في زمن التحولات. فقد وفّر الواقع العسكري حماية نسبية، ومنح الكورد حضورًا تفاوضيًا لم يكن متاحًا من قبل، إلا أنه لم يتحول إلى بنية وطنية كوردية جامعة، ولا إلى اقتصاد متماسك، ولا إلى مؤسسات قادرة على الصمود أمام انقلاب الموازين. وبقيت نظرية الأمة الديمقراطية، رغم ما حملته من خطاب تعددي ظاهري، عاجزة عن الإجابة عن السؤال القومي الكوردي كما يعيشه الشعب الكوردي نفسه. فقد حاولت هذه النظرية أن تتجاوز القومية قبل أن يحصل الكورد أصلًا على حقوقهم القومية، وأن تبني هوية سياسية فوق قومية في بيئة سورية مشحونة بصراعات قومية ومذهبية حادة، وفي محيط إقليمي لا يعترف للكورد حتى بحق تسمية أنفسهم شعبًا.

ولهذا، ومع مرور السنوات، ظهر الخلل بوضوح. فالتجربة التي أرادت أن تقدم نفسها نموذجًا يتجاوز القوميات وجدت نفسها محاطة بقوميات شرسة، ودول مركزية، وأنظمة مذهبية، ومشاريع إقليمية ترى في أي اعتراف بالكورد تهديدًا لبنيتها. لم يكن الخلل في فكرة التعايش ذاتها، ولا في ضرورة الاعتراف بالمكونات الأخرى، فهذا شرط أخلاقي وسياسي لا غنى عنه، بل كان الخلل في أن المشروع أهمل أحيانًا جوهر القضية الكوردية أو ذوبها في خطاب واسع لم تستفد منه القومية الكوردية بقدر ما استفادت منه القوى التي أرادت إضعاف المطالبة الكوردية الصريحة. فحين يتنازل الكوردي عن تعريف قضيته بوصفها قضية شعب وأرض وحقوق قومية، لا يكسب بالضرورة ثقة الآخرين، بل قد يخسر قدرته على التفاوض باسم ذاته.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…