ذُعر النظام من الشارع!

نظام مير محمدي *

 

إذا أمعنا النظر في سلوك وخطاب أقطاب النظام الحاكم في إيران هذه الأيام، سنجد مفردة واحدة تتكرر أكثر من غيرها: “الشارع”. فمن الاستنفار الدائم للأجهزة الأمنية وقوات القمع لإبقاء البسيج في الميادين، وصولاً إلى صرخات الملالي عبر منابر صلاة الجمعة التي تشدد على ضرورة احتلال الشوارع بقواتهم، كل ذلك يعكس هلعاً عميقاً ومتجذراً. ولكن، لماذا أصبح “الشارع” كابوساً يؤرق مضجع السلطة إلى هذا الحد؟

تكمن الإجابة في تحول الظروف الإقليمية وتبدد ظلال المواجهات الخارجية. فمع استقرار وقف إطلاق النار في المواجهة بين إيران وأمريكا، وتلاشي تهديدات القصف والحرب الخارجية، لم يعد بإمكان السلطة خداع الرأي العام بفزاعة “الأزمات الخارجية” لإبقاء المجتمع في حالة تجمد. في هذا السياق الجديد، تهيأت الأرضية أكثر من أي وقت مضى لبروز الإحباطات المتراكمة وانطلاق الانتفاضات الشعبية.

يدرك قادة النظام جيداً أن “الشارع” في القاموس السياسي الإيراني المعاصر هو “الاسم المستعار” للنهوض والاحتجاج والإطاحة بالنظام. لهذا السبب، يحاولون بكل قوتهم، عبر نشر الحرس الثوري والبسيج وقوى الأمن، احتلال الشوارع. الهدف من هذا المخطط الأمني هو حقن المجتمع بالخوف ومنع تلاحم الجماهير في ميدان المعركة الرئيسي، للحيلولة دون تشكل النواة الأولى للانتفاضة.

وإلى جانب استراتيجية الشوارع، لجأ النظام إلى أداته القديمة والصدئة: “الإعدام”. فقد أطلقت القضاء التابع للنظام دوامة القتل بسرعة غير مسبوقة، حيث يساق شباب الوطن يومياً إلى المشانق تحت ذرائع واهية. وكما أشارت تحليلات المقاومة الإيرانية مراراً، فإن النظام الذي يرى طوق نجاته في المشانق، لا يفعل ذلك من موقع القوة، بل من باب العجز والتخبط في مستنقع السقوط. إن الإعدامات اليومية هي الوجه الآخر لعملية عسكرة الشوارع؛ فكلاهما ينبع من الرعب من فوران غضب الجماهير. تريد السلطة عبر نصب المشانق داخل السجون، بسط ظل الرعب على أرصفة الشوارع.

بيد أن هذه الحيل القمعية لم تعد قادرة على كبح الإرادة العامة. لقد تجاوز المجتمع الإيراني حاجز الخوف، وتجلى غضب الناس المكبوت في قامة “شباب الانتفاضة”؛ أولئك الأبطال الذين سلكوا مسارهم التكاملي عبر “وحدات المقاومة” المنظمة، ووصلوا اليوم إلى نضجهم التاريخي المتمثل في “جيش التحرير”. هذا الجيش هو تجسيد لإرادة أمة لا ترى في الشارع ساحة لبطش القامعين، بل ثغراً للفتح والنصر.

إن الرابط العضوي بين احتلال الشوارع ونصب المشانق هو شهادة دامغة على قرب نهاية استبداد هرم. يحاول النظام بناء سد أمام أمواج الانتفاضة العاتية، لكن الشوارع باتت ملكاً لإرادة الشعب التي يقودها شباب الانتفاضة، ومن خلفهم جيش التحرير، لرسم فجر الخلاص واجتثاث هذا الظلام إلى الأبد.

وعطفاً على حملة الإعدامات الواسعة وذعر قادة النظام من الشوارع، قالت السيدة مريم رجوي في ٢٢ نيسان/ أبريل خلال كلمتها في البرلمان الأوروبي: “لقد جئت إلى بيت الديمقراطية الأوروبية لأؤكد على حقيقة أن الحرب الرئيسية والحاسمة هي تلك القائمة بين الشعب الإيراني والدكتاتورية الدينية… النظام الذي واجه انتفاضة شاملة في يناير ٢٠٢٦، بات في موقع السقوط، ولم يكن يوماً مهتزاً وضعيفاً وهشاً كما هو اليوم… هذا النظام يرى في غضب المجتمع الإيراني والمقاومة المنظمة تهديداً لوجوده، لا الحرب الخارجية. إن قادة النظام قلقون من تبعات السلام وانفجار الانتفاضة، ومنذ مقتل خامنئي، أبقى النظام كافة قواه في الشوارع لمواجهة الهبات الشعبية”.

وفي السياق ذاته، كتبت صحيفة “تايمز” لندن في تقرير لها: “وصفت السيدة مريم رجوي، في خطابها أمام البرلمان الأوروبي، صمت القادة الأوروبيين حيال موجة الإعدامات السياسية في إيران بأنه غير مبرر، وطالبت الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف حازم. وإذ شددت رجوي على ضرورة التحرك الفوري لوقف الإعدامات، أكدت على وجوب إطلاق سراح السجناء السياسيين فوراً، متهمة نظام طهران باستخدام الإعدام كأداة لبث الرعب في المجتمع، ومحذرة من أن القمع لن يفلح أبداً في وقف تطلعات الشعب الإيراني نحو الحرية”.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…