اكرم حسين
تُعدّ تجربة “الإدارة الذاتية” في شمال وشرق سوريا، التي قادها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كقوة أمر واقع، واحدة من أكثر النماذج السياسية إثارة للجدل في السياق السوري المعاصر،. حيث اتسمت هذه التجربة بازدواجية حادة بين الطرح الأيديولوجي “الأممي” والممارسة السلطوية الصلبة . إذ استثمر الحزب في الفراغ الأمني والعسكري الناجم عن انسحاب مؤسسات الدولة السورية المركزية ليؤسس كياناً موازياً، اعتمد في شرعيته الدولية على الشراكة الوظيفية مع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، بينما ارتكز في شرعيته المحلية على “العنف العاري” وتكريس هيمنة القطب الواحد، الأمر الذي يستوجب قراءة نقدية لتفكيك آليات السلطة التي مارستها هذه الإدارة، والتي تجلت بوضوح في عسكرة الفضاء العام وتحويل المجتمع إلى خزان بشري لخدمة أجندات سياسية لم تكن نابعة من الخصوصية الوطنية للكرد السوريين، بل ارتبطت بأيديولوجيا عابرة للحدود الوطنية، مما أدى بالضرورة إلى تصادم مستمر مع القوى السياسية التقليدية، وعلى رأسها المجلس الوطني الكردي الذي تعرضت كوادره لعمليات إقصاء واعتقال ممنهج، في محاولة قسرية لفرض لون سياسي واحد تحت مسميات فضفاضة كـ “وحدة البندقية ” أو “مقتضيات الحرب”.
وفي هذا السياق، نجد أن الخطاب الأيديولوجي الذي تبناه الحزب، والقائم على مفاهيم “الأمة الديمقراطية” و”أخوة الشعوب”، قد اصطدم بمأزق بنيوي حينما وُضع على محك الممارسة العملية، خاصة في المحطات العسكرية الكبرى والمنعطفات السياسية اللاحقة، فبينما كانت الشعارات تروج للديمقراطية والتعددية ، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى شمولية حزبية ترفض النقد وتخوّن المخالفين بذرائع “العمالة” لجهات خارجية، وهو مأزق فكري تعمّق أكثر مع تزايد الخسائر البشرية الفادحة في صفوف الشباب الكردي والسوري الذين زج بهم في معارك استنزافية واسعة، فرغم أن تلك التضحيات كانت ضرورية لمواجهة الإرهاب، إلا أن توظيفها السياسي من قبل الحزب اتسم بـ “اللغة النمطية ” التي حاولت التغطية على الفشل الإداري والخدمي ، ما أدى إلى تحويل مدن وقرى المنطقة، التي كانت تمثل سلة سوريا الغذائية، إلى مناطق تعاني من “الترييف” القسري نتيجة إهمال البنية التحتية، وانعدام الخدمات الأساسية، وسوء إدارة الموارد التي تحولت إلى أدوات للسيطرة والتمويل العسكري بدلاً من توجيهها للتنمية المحلية.
هذا التردي الخدمي لم يكن إلا وجهاً واحداً لواقع ديموغرافي قلق أفرزته تلك السياسات، حيث تسببت العسكرة المستمرة والضغوط الاقتصادية في موجات هجرة جماعية للشباب والكفاءات، بينما مارست السلطة القائمة “براغماتية رديئة” في التعامل مع قضايا حساسة مثل ملف ” الغمر”، فمن خلال تقديم الحماية ، ومحاولات كسب ولاءات سياسية آنية، تجاهل الحزب الجروح التاريخية والحقوق العقارية للسكان الأصليين، مما عمّق الشعور بالظلم لدى الحاضنة الشعبية الكردية التي وجدت نفسها تتحمل فاتورة سياسات لم تُستشر فيها، لينتج عن ذلك انفصال حاد بين السلطة والمجتمع أدى إلى تغييب الدور السياسي للسكان وتحويلهم إلى “جمهور صامت” يُطالب بالتصفيق للمنجزات العسكرية، بينما يعاني من فقدان مقومات الحياة الكريمة في ظل نظام أمني لا يتردد في استخدام تهم جاهزة ضد كل من يرفع صوته بالمطالبة بالإصلاح.
ومع الوصول إلى المنعطف التاريخي المتمثل في اتفاقية 29 كانون الثاني لعام 2026، والتي قضت بالاندماج الإداري والعسكري وإنهاء مؤسسات الإدارة الذاتية و”قسد”، ينفتح الباب اليوم أمام ضرورة إجراء مراجعة نقدية وشجاعة للمرحلة السابقة، إذ إن سقوط الرهانات على استدامة سلطة الأمر الواقع، وفقدان الثقة الإقليمية والدولية في قدرة هذه الهياكل على الاستمرار، يفرض على النخب الكردية والسورية الانتقال من مرحلة “جلد الذات” و “الاتهام” إلى مرحلة “المسؤولية الوطنية” عبر إنتاج مشروع سياسي جديد يحاكي طموحات الكرد السوريين كجزء لا يتجزأ من النسيج السوري، وهو ما يتطلب بالضرورة فك الارتباط بالأجندات العابرة للحدود التي استنزفت ابناء الشعب الكردي وجعلته وقوداً لصراعات إقليمية، وصولاً إلى رؤية وطنية سورية منفتحة تؤمن بالتداول السلمي للسلطة وتحترم حقوق الإنسان، وتعتمد الكفاءة معياراً للإدارة بدلاً من الولاء الحزبي الضيق.
إن هذا الانفتاح المأمول على الحيز السوري العام يتطلب جرأة في نقد الذات والاعتراف بالأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبت بحق المجتمع والجغرافيا، فبناء الثقة مع بقية المكونات والقوى السياسية الوطنية يقتضي خطاباً واضحاً يبتعد عن “المداهنة والتدليس”، ويؤكد على وحدة المصير المشترك، حيث يمثل انتهاء عهد “قسد” بصيغتها السابقة فرصة حقيقية لإعادة تعريف الدور الكردي في سوريا المستقبل؛ ليس كقوة عسكرية تعزل نفسها خلف جدران الأيديولوجيا، بل كشريك سياسي فاعل يسعى لبناء دولة المواطنة التي تضمن الحقوق الثقافية والسياسية للجميع ضمن إطار دستوري جامع، فالتحديات والمخاطر التي تفرضها المرحلة الانتقالية لا يمكن مواجهتها بالعقلية الأمنية القديمة، بل بالتوافق المجتمعي والشفافية في كشف الحقائق، تمهيداً لعدالة انتقالية حقيقية تعيد الحقوق لأصحابها وتؤسس لاستقرار مستدام يبدأ من تقديم الخدمات وينتهي بتمثيل سياسي عادل يحفظ كرامة الإنسان في كل شبر من البلاد.