ازدهار الحضارة الكردية في فضاء الحضارة الإسلامية؟؟!! 

المحامي محمود عمر

ليس بعيدا عن مقولة: (ان نقطة الضعف لدى الكرد هي الإسلام) هذه المقولة التي تحمل بين جنباتها بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها على اعتبار إن الله قد خص كل  شعب من الشعوب بطبائع تختلف عن طبائع الشعوب الأخرى، كما هو الحال لدى الأفراد، حيث ينفرد كل فرد بطبائع تختلف عن تلك التي يتميز بها قرينه، وليس عيبا أن الله قد منٌ على الكرد من هذه الطبائع بفضائل الإخلاص والتسامح والطيبة، وربما ان هذه الخصال التي تطبع بها الكرد قد دفعت معظم أبناء الشعب الكردي إلى اعتناق الإسلام طواعية  لما لمسوا فيه من مبادئ تحض على المحبة، والمساواة، وتنبذ الظلم والتباغض، ولهذا جاء إخلاصهم لهذا الدين كما هو ديدنهم كل مرة في جل ما آمنوا به من قبل ومن بعد ، وهذا الإخلاص كان مدعاة للغير في استغلالهم  وجعلهم جنودا ووقودا لغزواتهم ومصالحهم، وتضج كتب التاريخ بالأمثلة  العديدة على هذا الاستغلال القديم والمتكرر للكرد في الإسلام وغيره، وليس ببعيد أيضا عن المفردات  والظروف السياسية التي أفرزتها المائة العام الأخيرة في المنطقة على خلفية تنامي الشعور القومي لدى شعوبها  ونجاح العديد من الشعوب في استغلال هذه الظروف والشعارات لبناء الدول، وخروج الكرد خاويي اليدين من المعادلةـ رغم التضحيات الجسام والمآسي ـ ككل مرة،وكانت  هذه المئوية الأخيرة بحق مئوية سوداء بحق الكرد لما لاقوه من مظالم وتهجير وإبادة على يد أنظمة تدعي اسلاميتها، هذه المظلومية التي دعت الكثيرين من الكرد من العامة والخاصة إلى تحميل الإسلام وليس المسلمين وزر ما لاقوه من ويلات وربما هو ما دفع  أحد كبار الكتاب المصريين وهو الدكتور فهمي الهويدي للقول بأن: (الكرد يتامى المسلمين) في دراسته المعنونة تحت هذا الاسم للتعبير عن ما تعرض له الشعب الكردي من مظالم ومجازر وإنكار للحقوق ومن العنوان تقرأ الرسالة.

 ليس بعيدا عن كل ذلك الذي فيه  قسط من الحقيقة المرة والتي لا يمكن التغاضي عنها عند الخوض في  تاريخ الكرد وعلاقتهم بالإسلام فمن الإنصاف ومن ناحية أخرى ـ خاصة وان أخذنا الأمور بمبدأ النسبية وليس بمبدأ الحقائق المطلقةـ تسليط الضوء على جوانب أخرى ازدهرت وترسخت  فيها معالم الحضارة الكردية في كنف الحضارة الإسلامية  وفي شتى الميادين إن أخذنا  بمعيار الشكل وليس المضمون كون هؤلاء الولاة والقادة والخلفاء مسلمون حكموا باسم الإسلام ومن ذلك:

1ـ في مجال الدول والحكومات والإمارات: يخبرنا العلامة محمد أمين ذكي في مؤلفه تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي عن تاريخ وأحوال أربعة عشر دولة كردية وما لعبته من أدوار في العهد الاسلامي وهي:

1ـ الدولة الروادية(230ـ 618هـ).

2ـ الدولة السالاريه بأذربيجان (300ـ420هـ).

3ـ الدولة الحسنويه البرزكانيه بهمذان (330ـ405هـ).

4ـ الدولة الشدادية بأران (340ـ465هـ).

5ـ الدولة الدوستكية بدياربكر (350ـ476هـ).

6ـ الدولة العنازية بحلوان (380ـ446هـ).

7ـ الدولة الشبانكارية بفارس (412ـ 658هـ).

8ـ الدولة اللريه الكبرى (550ـ827).

9ـ الدولة اللريه الصغرى بلورستان (570ـ 1250هـ).

10ـ الدول الأيوبية بمصر والشام (567ـ685ـ950هـ).

11ـ الدولة الأردلانيه بايران (617ـ1284هـ).

12ـ الدولة الملكيه الكردية بخراسان (643ـ785هـ).

13ـ الدولة الزندية بايران (1167ـ1202هـ).

14ـالدولة البراخوئيه ببلوجستان (1172ـ1300هـ).

كذلك يورد المرحوم العلامة محمد أمين ذكي أسماء وتاريخ وأحوال خمسة وثلاثون إمارة كردية في العهد الإسلامي وهي:

1ـ إمارات ما بين الجزيرة وديرسم وهي: (إمارة الجزيرةـ إمارة خيزان ـ امارة شيروان ـ إمارة بتليس إمارة صاصون ـ إمارة السويدية ـ إمارة البازوكيين ـ إمارة مرديسي ـ إمارة جمشكزك ـ إمارة حصن كيف ـ إمارة سليفاني ـ إمارة زريكى ـ إمارة كلس وإعزاز).

2ـ إمارات ما بين الجزيرة وخوى وهي) إمارة الهكارية ـ إمارة الحمودى ـ إمارة بنبانبش ـ إمارة الدنبلي ـ إمارة برادوست ـ إمارة مكرى ـ إمارة استونى).

3ـ المجموعة الحكارية الجنوبية وهي: (إمارة بهدينان ـ إمارة داستى ـ إمارة السوران ـ إمارة البابان ـ إمارة بانه ـ إمارة كلباخى ـ إمارة كلهر).

4ـ إمارات ايران الشرقية وهي (إمارة سياه منصور ـ إمارة جكتى ـ إمارة زنكنه).

5ـ إمارات خراسان وهي) إمارة فوجان ـ إمارة بجنورد).

6ـ إمارات جبل لبنان وهي: (إمارة مشايخ العماديين الدروزـ إمارة بني سيفاـ إمارة رأس نحاشى الاكراد).

ومن التتبع لتاريخ هذه الدول والإمارات والدور الذي لعبته في أحداث المنطقة والفترات الزمنية الطويلة لعمر بعض هذه الدول  والإمارات وحكم بعضها لعقود  طويلة حتى خارج جغرافية كردستان وضمن الجغرافية الإسلامية  يتضح لنا إن الكرد  وبمعايير ذلك الزمان قد لعبوا دورا مميزا في تاريخ وحضارة وسياسة الحضارة الإسلامية كما إن العديد من الأمراء والولاة الكرد قد ثاروا على الحكام وفي فترات مختلفة من حكم الخلافات الإسلامية .

2ـ في مجال الآداب والعلوم: ازدهرت حركة الثقافة ومختلف العلوم لدى الشعوب التي كانت تعيش في جغرافية الحضارة الإسلامية ومنها بالطبع الشعب الكردي ففضلا عن أن الحضارة والتاريخ الكرديين قد حظيا بنصيب وافرا من اهتمام المؤرخين الإسلاميين من غير الكرد الذين ألفوا أمهات الكتب في هذا الصدد وما زالت تشكل مؤلفاتهم المرجع الرئيس لكل دراسة عن الكرد ووطنهم كردستان كابن خلدون والأصفهاني، والقلقشندي، والقزويني ،وابن مسكويه، وغيرهم الكثير فضلا عن هؤلاء ظهر مؤرخين وكتاب وشعراء عمالقة من بين الكرد أنفسهم منهم من ترك آثار خالدة في لغات غير اللغة الكردية ومنهم وعلى ما يذكر العلامة محمد أمين ذكي: ابن المستوفي الأربيلي ـ تاج الملوك أبا سعيد نوري ـ ابن خلكان ـ ابو بكر الأيوبي ـ ابو الفداء الأيوبي ـ العمادي ـ ادريس البدليسي ـ ماه شرف خان الأردلانية ـ عائشة التيمورية ـ أبناء الأثير ومؤلفاتهم الكامل في التاريخ.

هذا فضلا عن الكثير ممن ألف بلغته الكردية وان كان قد سخر أبجدية القرآن الكريم لمبتغاه كما كان ديدن الكتاب الفرس والترك والعرب في استعمال هذه اللغة ومنهم:

1ـ بابا طاهر الهمذاني: هذا الشاعر الذي وصفه المؤرخون بان  فلسفته في أشعاره تمتاز برقة الإحساس ونبل العاطفة وبساطة الأسلوب وذلك في ديوانه الذي يحتوي على 296رباعيا وأربع غزلا وزيلا تحوي 62 رباعيا أخرى.

2ـ علي الترموكي: ويعد أول من وضع قواعد الصرف والنحو للغة الكردية وهو احد الذين خلد أسماؤهم في تاريخ الادب الكردي.

3ـ علي الحريري: أشعاره في غاية الرقة والسلاسة له ديوان مشهور باللغة الكردية.

4ـ ملاي جزيري: ديوانه بلغة أهل جزيرة بوطان وإشعاره الغزلية وقصائد الحب العذري ما زالت تغنى على السنة الكرد والى يومنا هذا.

5ـ فقيه طيران: إضافة إلى إشعاره له مؤلف حكاية الشيخ صنعان المعروف وقول الحصان الأسود.

6ـ ملاي باتي: إضافة إلى ديوانه الشعري فانه كتب قصة المولد النبوي باللهجة الكرمانجية .

7ـ احمد خاني : صاحب ملحمة (مم وزين) التي تعتبر أعظم تحفة  خالدة للأدب الكردي فضلا عن قاموسه (نوبهار) واشعاره باللغات العربية والفارسية والتركية.

8:شريف خان: أشعاره باللغتين الكردية والفارسية اغلبها من نوع الغزل.

9ـ مراد خان البايزدي: معظم أشعاره في الغول والرثاء.

10ـ نالي (ملا خضر): أكثر أشعاره في الغزل والحنين والعشق وقد طبع له ديوان في بغداد عام 1931.

11ـ حاجي قادر: زعيم الشعراء كما يسميه المؤلف لأنه شاعر وطني وحماسي جدا متلق فيها بوطنه وحبه العارم للغته الام.

إضافة إلى أسماء أخرى كثيرة كالشاعر المولوي والشيخ رضا والزهاوي وجميل صدقي الزهاوي وايمن فيض بك ومحمد بك وغيرهم ممن كتبوا بلغتهم الأم .

وهذا يدل على أن المؤلفين والعلماء والمؤرخين والشعراء والفلاسفة الكرد كغيرهم قد استفادوا إلى أبعد الحدود من أبجدية القرآن ليصبوا في قالبها نتاجاتهم وإبداعاتهم وما زالت  آثار ومؤلفات هؤلاء العمالقة والى يومنا هذا معينا لا ينضب للعاملين والباحثين في الشأن الكردي أصلا ولغة  وتاريخ وجغرافية ،وهم الذين وضعوا اللبنات الأولى في طريق نمو الشعور القومي الكردي كأحمدى خاني والحريري وفقه طيران  والجزري وحاجي قادر والبدرخانيين حيث أن العديد منهم قد وضعوا يدهم على الجرح حين وجدوا إن جل مأساة قومهم وتأخرهم عن بقية الشعوب تعود إلى تفرقتهم وتشرمهم لذلك كانت صرختهم مدوية تستنهض الهمم وتلقي الضوء على الصفحات المضيئة من تاريخنا وتدعونا إلى التوحد والتسلح بالعلم والمحبة حتى نرتقي إلى مصاف الشعوب المتقدمة ومن الجدير القول ان المرحوم الشاعر جكرخوين قد أتى على شرح معظم هذه الدول والإمارات والعلماء والأدباء والمؤرخين في كتابه تاريخ كردستان واذا ما قارنا هذه المؤلفات والمصادر التي تتحدث عن الكرد وتاريخهم وحضارتهم مع تلك الموجود قبل الإسلام فانه يمكن القول بأنه لا وجه للمقارنة .

3ـ في مجال البناء والعمران: إن القلاع والحصون والمساجد والمدارس والبيمارستانات التي بناها الكرد في جغرافية كردستان والبلاد التي حكموها كالشام ومصر واليمن والسودان وبخاصة في فترات حكم الأيوبيين ما زالت شاهدة على ألق وتطور الحضارة الكردية فما زالت المدرسة الحمراء في الجزيرة وقلعة صلاح الدين وقلعة دمدم للأمير ذات اليد الذهبية وتكيات الأيوبيين ومشافيهم  ونواعيرهم ومراصدهم في دمشق وحماة ومصر ونسر الأيوبين الذي ما زال يزين قلعة القاهرة دليل على هذه الحضارة، كما إن (أوليا جلبي) يذكر في مؤلفه (سياحة نامه) بأن السلطان طلب منهم في أحد إسفاره اخذ قسط من الراحة لدى أمير جزيرة (بوطان) وان السلطان وجميع من معه قد اندهشوا بما وجدوه لدى الأمير من قصور ومضافات ومطابخ وحمامات تضاهي تلك المجودة في أرجاء السلطنة وان الكثير من القادة قد سرقوا الكثير من المعالق والشوك الذهبية والفضية التي وضعها الأمير في وليمة السلطان وان ذلك كان السبب في نقمة وحقد السلطان على الأمير والانقلاب عليه فيما بعد.

 

4ـ في مجال الجيوش والقادة:كما كان بين الكرد علماء وفلاسفة وشعراء فقد ظهر بينهم قادة ما زالت كتب التاريخ تضج بذكراهم والدور الذي لعبوا في أحداث زمانهم فهل يستطيع أحد أن يتصفح  تاريخ الخلافة العباسية دون أن يمر على الدور الرئيسي لأبا مسلم الخراساني في توطيد أركانها,والذي يدرس تاريخ الدولة الأيوبية يتلمس الدور العبقري لصلاح الدين وعمه شيركوه ووالده نجم الدين أيوب والقاضي الفاضل في  توحيد الإمارات والولايات وإعداد جيش قوي عرمرم عماده وعلى ما يذكر المرحوم العلامة محمد أمين ذكي والمرحوم جكرخوين من العشائر الكردية ،وبهذه الجيش استطاع الأيوبيين توحيد البلاد وتحريرها من الرومان بلدا تلو آخر إلى أن حرروا القدس بموقعة حطين، وكان لكل إمارة وحكومة كردية جيش يدافع عنها .

5ـ في مجال الحياة الاجتماعية والاقتصادية: حين تستقر الأمور وتزدهر الحضارة في أي مكان  فإنها تلقي بظلالها على جميع مناحي الحياة لذلك كانت كردستان في عهد الخلافات الإسلامية بلاد مزدهرة وحتى إن إطلاق تسمية ارض الكرد (بكردستان) قد جاء في فترة حكم السلاجقة، ونظرا لان كردستان تتنوع فيها الأعراق والأديان  كما يتنوع فيها المناخ والتضاريس والطبيعة فإنها عاشت نموذجا رائعا للتعايش السلمي بين هذه المكونات لذلك نرى الأدب الشفاهي الكردي في الأغاني والأمثال والملاحم والقصص زاخر بذكر نماذج  عديدة عن هذا العيش المشترك سواء أكان في العادات أو التقاليد أو نمط الحياة اليومية المتشابهة  بين المختلفين في الدين والعرق ويصف المرحوم نور الدين ظاظا في مؤلفه (صرخة الشعب الكردي)  طبيعة كردستان واسس التعايش السلمي فيها ويدل على ذلك كمثال  مدينته(مادن) والتي تعني بالعربية(المعدن) حيث يقول: ان مادن الواقعة على جبال طوروس, على منابع دجلة حيث يشطرها وادي عميق الى قسمين , تجتاحها الرياح السيبرية القادمة عبر بلاد القوقاز، وتحول شتائها إلى كرة ثلجية تنخفض الحرارة فيها إلى ما دون العشرون درجة مئوية ,وتصبح الطرق عبارة عن ممرات وأنفاق ثلجية, وبقدوم الربيع تبدأ الثلوج بالذوبان من على أعلى قمم الجبال، وتبعث أشعة الشمس دفئها في كل شيء لترفع عن أهلها بعض كسل وسبات الشتاء الطويل والقارس, وتتحول البلدة وما حولها إلى حدائق غناءه تتفتح البراعم على أغصان الأشجار المثمرة والدلب والجوز والكروم التي تثمر في (مادن اثنا وثلاثون) نوعا, كل نوع يتمايز عن سواه باللون والحجم والطعم والشكل, وفي حدائقها تشدو جميع أنواع الطيور والبلابل, وتلعب بين أفنانها وعلى سفوح جبالها الأيائل ,والغزلان, ترصدها النمور. والأسود, والنسور، الكل ينتظر أن يفوز بفرصة صيد حنيذ. وانه كان فيها  حي للأرمن وحي لليهود وحي لليونان فضلا عن أن أكثرية سكانها الكرد ،وان هذه العقول والذنود  تعاضدت لإنتاج حياة جميلة وسهلة، يحدثنا عن أعمال الناس اليومية ولعل أكثر مما أثار إعجابه في تلك الأعمال المتنوعة التي يقوم بها الأهالي هي تجارة الخشب حيث ان للتجار طريقة عجيبة في إيصالها للمشترين من سكان الجنوب في بغداد والموصل,  فما أن يبدأ دجلة في فيضانه حتى يرمي الرجال  بالحور بعد قطعها من الغابات في النهر, الذي يتكفل بمهمة إيصالها  للتجار في تلك المدن دون رسوم أو أجرة طريق ,اللهم إلا أجرة أولئك الأشخاص الذي يراقبون سير الخشب في النهر, وما أن يتعلق بشيء حتى يبدؤوا بتحريكه بتلك العيدان الطويلة التي يحملونها ليعود إلى السير من جديد مع ماء النهر،وكمثال عن رفاهية المدينة وأهلها يذكرنا الدكتور (نورالدين ظاظا) بأن غنى وثراء عموم أهل(مادن) وبخاصة عائلته، ومنذ مئات السنين، لم يكن يقل عن غنى سحر وجمال طبيعتها, ويعود الفضل في هذا الغنى إلى أجداده الأوائل الذين حضروا الى البلدة منذ أكثر من قرن, وكان همهم الأول كيفية استخراج النحاس ولأجل ذلك استقدم جده الأول (إبراهيم أفندي) ابن رئيس عشيرة (شاديان) الذي كان بمثابة المحافظ الإداري للبلدة خمسمائة عائلة يونانية  عام 1780 م معظمهم مختصون في استخراج النحاس واستثماره ومهندسين وبنائين وحذائين وخياطين,هؤلاء وما أن وصلوا إلى البلدة حتى تكاتفوا مع أهلها في ترميم و بناء دور فارهة مؤلفة من طابقين أو ثلاثة من الطراز المادي القديم الذي يبنى من الحجارة والبلاط المرمري وان تلك القصور كانت تضاهي قصور أوربا بجمالها وبنيانها.وانه في عام 1797 استخرج النحاس الشديد النقاء, وتم صهره وبيع آلاف الأطنان منه في مشاريع خاصة فاتسعت المدينة وأصبح أهلها يتمتعون بحياة اقتصادية، وثقافة عالية، وأضحت دورها وخاصة دور أبائه وأجداده تشبه القصور الملكية، وان  جده ابراهيم (والد أبيه) لم يكن يرتدي إلا القمصان، والأزرار، وربطات العنق التي يأتي بها من فرنسا، وبرع في فن الأسلحة والفروسية وجعل من (مادن) مدينة مزدهرة في جميع المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية ,وكان الكل في (مادن) من كرد ويونان وأرمن وترك يعيشون في وفاق وأمان ووئام. وكدليل على رفاهية الحياة يستطرد الدكتور ( نورالدين) بأن جده قد أحضر معلما لأجل والده الذي ظل طيلة حياته مولعا بالأدب الكلاسيكي الإتباعي الكردي والفارسي، وان سباقات الخيل والاحتفالات التي تتم (بعيد نوروز) كل عام أشبه بكرنفال عالمي.

وبلغ الرقي الحضاري أوجه في معظم الأمارات الكردية  فالعلامه محمد امين ذكي يذكر(ان الحكم الأيوبي لم يكن قاصرا على ميدان السياسية والحكم فقط بل إن التاريخ سجل لهم جولات محمودة وآثار ناطقة في ميادين العلم والاقتصاد فقد عنو بالزراعة وحسنوا سبلها ووسائل تقدمها ورقيها من حفر الترع وإقامة الجسور وتنظيم وسائل الري كما كان لهم دور كبير في تنشيط التجارة وليس أدل على ذلك تلك المعاهدات التجارية الكثيرة التي عقدوها مع الدول الأوربية،وكذلك في إمارة (بوطان) كانت الصناعات فيها رائجة وكانت (الجزيرة) المدينة التجارية الوحيدة بين حلب والموصل التي يرتادها التجار والصناع من كل البقاع  وقد أرسل أمرائها العديد من أبنائها إلى الدول الغربية للدراسة في مختلف العلوم والمجالات وكان فيها معامل لصنع البارود والبنادق إضافة إلى صك النقود وقد حاول العلامة بديع الزمان محمد سعيد النورسي صاحب رسائل النور الحصول عدة مرات على الموافقة لأجل بناء جامعة كالأزهر في كردستان إلا إن طلبه جوبه بالرفض .

إن التقييم لمرحلة ما يستوجب النظر بعينين وليس بعين واحد والوقوف على الإيجابي والسلبي معا فاذا كان جل مظالم الكرد ومآسيهم  وحرمانهم من حقوقهم تم ويتم من قبل  من يدعون الإسلام وباسمه وان الجبروت والطغيان وصل لدى بعضهم إلى ارتكاب المجازر وأنفلت الكرد وضربهم بالغازات السامة باسم آيات قرآنية ،فإنه وعلى الضفة الأخرى يمكننا القول  الحضارة الكردية وفي شتى المجالات والميادين قد ازدهرت وترسخت واتضحت معالمها في فضاء الحضارة الإسلامية، وان للكرد فيها صفحات وعناوين مشرقة وأننا ما زلنا مدينين والى هذا اليوم لأؤلئك الذي خطوا السطور الأولى بلغتهم أو بلغة الغير عن تاريخنا وأصلنا وجغرافيتنا وعادتنا وطبائعنا وما زلنا نتفيء تحت ظلال أشعارهم وقصصهم واشتد عودنا القومي بفضل تلك الآثار العظيمة التي تركوها لنا وما زالت مرجعا ننهل منه .

المراجع:

1ـ تاريخ الكرد وكردستان ….العلامة محمد أمين زكي.

2ـ تاريخ الدول والإمارات الكردية …العلامة محمد أمين زكي.

3ـ تاريخ كرد وكردستان بجزأيه ..المرحوم الشاعر جكرخوين.

4ـ سياحة نامه…. أوليا جلي.

5ـ مذكراتي أو  (صرخة الشعب الكردي)… الدكتور نورالدين ظاظا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل لم يعد ملف المعتقلين والمغيّبين في شمال سوريا، وخاصة من أنصار المجلس الوطني الكوردي، قضية إنسانية معزولة، بل بات مرآة تعكس تشابك الصراعات السياسية والعسكرية، سواء داخل البيت الكوردي أو بين القوى المتنازعة على الأرض، بما فيها «قسد» والحكومة السورية المؤقتة بقيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع في الداخل الكوردي، يشكّل الخلاف بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي…

خالد حسو   ما يثير الألم العميق ليس فقط ما تتعرض له بعض الشعوب والمناطق من صراعات متكررة، بل ذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون الأبرياء في كل مرة، حين تتحول بيوتهم الآمنة إلى ساحات موت، دون أن يكون لهم أي علاقة بقرارات الحرب أو السياسة. إن ما يشهده إقليم كردستان العراق من حوادث قصف وهجمات بطائرات مسيّرة من قبل…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

د. محمود عباس ليست الحروب الكبرى، في الغالب، تلك التي تبدأ بسبب الحدث الذي يُعلن على الشاشات، ولا تلك التي تُبرَّر في الخطب الرسمية، بل كثيرًا ما تكون لها شرارات خفية، صغيرة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في بنية الصراع نفسه. والتاريخ الحديث، كما القديم، علّمنا أن التحولات العظمى لا تنفجر دائمًا بسبب الجيوش الجرارة أو الأسلحة النووية أو الشعارات…