هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟

د. محمود عباس

ليست الحروب الكبرى، في الغالب، تلك التي تبدأ بسبب الحدث الذي يُعلن على الشاشات، ولا تلك التي تُبرَّر في الخطب الرسمية، بل كثيرًا ما تكون لها شرارات خفية، صغيرة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في بنية الصراع نفسه. والتاريخ الحديث، كما القديم، علّمنا أن التحولات العظمى لا تنفجر دائمًا بسبب الجيوش الجرارة أو الأسلحة النووية أو الشعارات العقائدية وحدها، بل قد تبدأ أحيانًا من اختلالٍ صامت في منطق القوة، ومن تحوّلٍ مفاجئ في معادلة الكلفة، ومن أداة بسيطة ظاهريًا تكشف عجز المنظومات الكبرى عن مواصلة احتكار الهيمنة كما كانت تفعل في السابق.

من هذا المنظور، لا يبدو السؤال عن دور المسيّرات الإيرانية في الحرب الراهنة سؤالًا تقنيًا محضًا، بل سؤالًا فلسفيًا في طبيعة التحول التاريخي ذاته. فهل كانت هذه المسيّرات مجرد أدوات عسكرية هامشية أضيفت إلى مشهد الصراع، أم أنها كشفت عن شرخ أعمق في بنية النظام الدولي، وجعلت من إيران أكثر من مجرد دولة إقليمية مشاكسة، بل عقدة وظيفية في صراع عالمي على إعادة تعريف الحرب، والردع، والهيمنة، وكلفة البقاء في القمة؟

لقد اعتادت القوى الكبرى، وخصوصًا الولايات المتحدة وحلفاؤها، أن تخوض حروبها من موقع التفوق المركب: تفوق في السماء، وتفوق في التكنولوجيا، وتفوق في الاقتصاد، وتفوق في القدرة على تحمل الكلفة أكثر من الخصم. كانت هذه المعادلة هي التي تمنح الغرب ثقته البنيوية، لا لأنه كان دائمًا ينتصر أخلاقيًا أو سياسيًا، بل لأنه كان يحتكر أدوات الحرب العالية الكلفة والعالية الدقة، ويملك في الوقت نفسه بنية اقتصادية تسمح له بتمويل هذا الاحتكار. لكن ما حدث مع المسيّرات الإيرانية، وخاصة حين دخلت في قلب الحرب الأوكرانية عبر الدعم الروسي، لم يكن مجرد إزعاج عسكري، بل كان كشفًا مؤلمًا عن تصدع هذه المعادلة.

فهنا لم يعد الغرب أمام خصم يواجهه بالطائرات التقليدية أو بالجيوش المدرعة على النمط القديم، بل أمام أداة منخفضة الكلفة، مرنة، قابلة للإنتاج والتكرار، قادرة على الوصول، والإرباك، والاستنزاف، وفرض معادلة قاتلة في الاقتصاد العسكري، أن تُجبر دولة كبرى على إطلاق صاروخ اعتراض باهظ الثمن لإسقاط هدف لا يساوي في كلفته إلا جزءًا ضئيلًا من ثمن هذا الصاروخ. وحين تتكرر هذه المعادلة مئات المرات، فإن الحرب لا تعود مجرد مواجهة نارية، بل تتحول إلى امتحان قاسٍ للعقل الاقتصادي الاستراتيجي. وهنا بالتحديد، تصبح المسيّرة أكثر من آلة طائرة؛ تصبح فكرة، بل فلسفة حرب جديدة.

ذلك أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بمن يملك السلاح الأقوى، بل بمن ينجح في تخريب منطق السلاح الأقوى. وهذا ما فعلته المسيّرات الإيرانية حين وضعت الغرب أمام مأزق غير مريح، كيف يمكن الدفاع عن حليف، أو حماية سماء، أو إدامة حرب استنزاف طويلة، إذا كانت أدوات الاعتراض أغلى من أدوات الهجوم بعشرات أو مئات المرات؟ وكيف يمكن لنظام دولي يدّعي قيادة العالم أن يبقى متماسكًا إذا باتت أطرافٌ أقل كلفة وأكثر صبرًا قادرة على إنهاكه من داخل معادلته المالية والتقنية؟

من هنا، قد لا يكون من المبالغة القول إن المسيّرات الإيرانية لم تكن سبب الحرب الكبرى بمفهومها المباشر، لكنها ربما كانت الشرارة الخفية التي نبّهت العقل الغربي إلى أن الخطر الإيراني لم يعد محصورًا في حدود الشرق الأوسط، ولا في البرنامج النووي، ولا في شبكة الوكلاء الإقليميين فقط، بل بات يدخل في قلب الصراع على بنية النظام العالمي نفسه. فإيران، عبر هذا الدور، لم تعد تُرى بوصفها دولة مشاغبة في الخليج، بل بوصفها منتِجًا لنمط حرب قادر على خدمة قوى كبرى مناوئة للغرب، وعلى رأسها روسيا، في لحظة عالمية شديدة الحساسية.

وحين نضع هذه الحقيقة في سياق الحرب الأوكرانية، تتضح الصورة أكثر. فروسيا، التي واجهت استنزافًا هائلًا في الذخائر والتجهيزات والوقت، وجدت في المسيّرات الإيرانية ليس فقط دعمًا عسكريًا، بل متنفسًا استراتيجيًا. لقد مكّنتها هذه الأداة من إطالة أمد الحرب، وضرب البنية التحتية، وتشتيت الدفاعات، وإجبار أوروبا وأمريكا على ضخ مزيد من الموارد في منظومات اعتراض باهظة الكلفة، بينما كان العالم الغربي يظن أنه يخوض حرب استنزاف ضد موسكو، فإذا به يُستنزف هو أيضًا على مستوى مختلف، أقل صخبًا وأكثر فاعلية.

وهنا ينشأ السؤال الأعمق: هل كان استهداف إيران، أو الذهاب إلى مواجهة مفتوحة معها، مرتبطًا فقط بملفها النووي وأمن إسرائيل وتوازنات الإقليم؟ أم أن الغرب، في لحظة ما، أدرك أن ترك هذا النموذج يتضخم ويترسخ يعني السماح بظهور بنية حرب عالمية جديدة، تتعاون فيها إيران وروسيا وربما الصين لاحقًا، على كسر الاحتكار الغربي للتفوق، لا من خلال التفوق النوعي المباشر، بل من خلال تقويض جدواه الاقتصادية؟

إذا صح هذا التقدير، فإن الحرب على إيران لم تكن مجرد رد على تهديد قائم، بل محاولة مبكرة لكبح تهديد مستقبلي أكثر خطورة. أي أنها لم تكن حربًا على ما فعلته إيران فقط، بل على ما يمكن أن تصبح عليه، وعلى ما يمكن أن تنتجه من شبكات تسليح، ومنظومات تحالف، ونماذج حرب، تعيد توزيع القوة العالمية من دون إعلان رسمي عن ولادة قطب جديد. بعبارة أخرى، ربما لم تكن المسيّرات هي السبب الكامل، لكنها كانت بمثابة الإنذار الذي كشف أن إيران لم تعد مجرد ملف إقليمي، بل حلقة في هندسة دولية مضادة.

لكن هذا التحليل، مهما بدا منطقيًا، لا يخلو من مفارقة قاسية. فالحروب التي تُشعلها القوى الكبرى لكسر تحالفات خصومها، كثيرًا ما تنتهي إلى النتيجة العكسية. قد يؤدي الضغط على إيران، بدلًا من تفكيك تحالفها مع روسيا، إلى تعميق هذا التحالف، وقد يدفع الصين إلى مزيد من الحذر العلني والدعم الضمني، وقد يجعل من منطق المسيّرات نفسها أكثر رسوخًا وانتشارًا، لأن كل حرب كبرى لا تدمر الأدوات فقط، بل تعلّم العالم أيضًا كيف يعيد إنتاجها، وكيف يبتكر منها ما هو أكثر مرونة وأقل كلفة.

ومن هنا، فإن القيمة الفكرية لهذا السؤال لا تكمن فقط في تحديد ما إذا كانت المسيّرات الإيرانية هي الشرارة الخفية للحرب الكبرى، بل في فهم ما الذي تعنيه هذه الشرارة تاريخيًا. إنها تعني أن العالم دخل فعلًا مرحلة تتراجع فيها المسافة بين “السلاح الصغير” و” الأثر الكبير”، وبين “الأداة الرخيصة” و” التحول الاستراتيجي”، وبين “الدولة الإقليمية” و” الدور العالمي غير المعلن”. لقد أصبح بالإمكان اليوم أن تنتج دولة ليست عظمى بالمعنى التقليدي أداةً تخلخل بها معادلات دولية كاملة، وتفرض على القوى الكبرى أن تعيد حساباتها، لا فقط في الميدان، بل في الاقتصاد، والتحالفات، وفلسفة الردع ذاتها.

هكذا، تصبح المسيّرة أكثر من قطعة تكنولوجيا، وتتحول إلى رمز لعصر جديد، عصر لم تعد فيه السيطرة حكرًا على من يملك حاملات الطائرات وحدها، بل باتت مهددة أيضًا بمن يملك القدرة على إنتاج الاستنزاف الذكي، وعلى جعل العدو يدفع أكثر مما يحتمل من أجل الدفاع عن نفسه. وفي هذا المعنى، قد تكون الشرارة الحقيقية للحرب الكبرى ليست المسيّرة ذاتها، بل الفكرة التي حملتها: أن الهيمنة يمكن إنهاكها من الأطراف، وأن تفوق الكلفة قد يصبح نقطة ضعف، وأن الإمبراطوريات قد لا تهزمها الجيوش دائمًا، بل قد يرهقها أحيانًا سلاح صغير، رخيص، متكرر، يطعن هيبتها قبل أن يطعن دفاعاتها.

لذلك، حين يُسأل اليوم: هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟ فقد يكون الجواب الأدق هو أنها لم تكن الشرارة الوحيدة، لكنها كانت واحدة من أكثر الشرارات دلالة على أن العالم كان قد دخل بالفعل مرحلة ما قبل الانفجار. لقد كشفت ما كان مخبوءًا تحت السطح، أن الصراع لم يعد على الأرض فقط، ولا على النووي فقط، ولا على الشرق الأوسط فقط، بل على من يملك القدرة على إعادة تعريف معنى الحرب نفسها.

وفي هذه النقطة بالذات، لم تعد المسيّرات الإيرانية مجرد سلاح. لقد غدت علامة على تحوّل تاريخي، وعلى بداية زمنٍ لم يعد فيه السؤال: من يملك القوة الأكبر؟ بل: من يملك القدرة الأذكى على إنهاك القوة الأكبر.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/4/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل لم يعد ملف المعتقلين والمغيّبين في شمال سوريا، وخاصة من أنصار المجلس الوطني الكوردي، قضية إنسانية معزولة، بل بات مرآة تعكس تشابك الصراعات السياسية والعسكرية، سواء داخل البيت الكوردي أو بين القوى المتنازعة على الأرض، بما فيها «قسد» والحكومة السورية المؤقتة بقيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع في الداخل الكوردي، يشكّل الخلاف بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي…

المحامي محمود عمر ليس بعيدا عن مقولة: (ان نقطة الضعف لدى الكرد هي الإسلام) هذه المقولة التي تحمل بين جنباتها بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها على اعتبار إن الله قد خص كل شعب من الشعوب بطبائع تختلف عن طبائع الشعوب الأخرى، كما هو الحال لدى الأفراد، حيث ينفرد كل فرد بطبائع تختلف عن تلك التي يتميز بها قرينه، وليس…

خالد حسو   ما يثير الألم العميق ليس فقط ما تتعرض له بعض الشعوب والمناطق من صراعات متكررة، بل ذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون الأبرياء في كل مرة، حين تتحول بيوتهم الآمنة إلى ساحات موت، دون أن يكون لهم أي علاقة بقرارات الحرب أو السياسة. إن ما يشهده إقليم كردستان العراق من حوادث قصف وهجمات بطائرات مسيّرة من قبل…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…