هجار أمين
شهدت السنوات الماضية تحولاتٍ دراماتيكية في موقع الكورد في سوريا، من فاعلٍ عسكري وسياسي يُحسب له حساب في معادلات الصراع، إلى طرفٍ يجد نفسه اليوم في موقعٍ دفاعيٍّ، يواجه أسئلة قاسية حول القيادة، والقرار، وأولويات المرحلة، وبين هذين المشهدين يقف ملف الأسرى وجثث الضحايا بوصفه مرآةً أخلاقيةً وسياسيةً تعكس عمق الأزمة.
لقد تكررت مشاهد تسليم الأسرى من جانب القوى الكوردية إلى الطرف المقابل وهم أحياء، في حالاتٍ وُصفت بأنهم أُطلق سراحهم بصحةٍ جيدة، في مقابل استلام جثثٍ هامدةٍ لأسرى كورد، بعضها يحمل آثار تمثيلٍ أو قيودٍ مهينة، هذه المفارقة – بصرف النظر عن السجال السياسي حول كل حالةٍ بعينها – طرحت سؤالاً أخلاقياً جوهرياً، هل تحوّل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني إلى عبءٍ أحادي الجانب؟ أم أن الخلل يكمن في غياب آلياتٍ رقابيةٍ وضامنةٍ تفرض المعاملة بالمثل وتحفظ كرامة الضحايا؟
إنّ القانون الدولي الإنساني، كما كرسته اتفاقيات جنيف، يضع معايير واضحة في معاملة الأسرى وحماية كرامتهم الإنسانية، غير أن تطبيق هذه المعايير في النزاعات غير المتكافئة يظلّ رهين ميزان القوى، ووجود مؤسساتٍ قادرةٍ على التوثيق والمساءلة، من هنا تبرز أهمية الدعوة إلى تدخلٍ سياسيٍّ على مستوى رفيع، وإلى تشكيل لجنةٍ مستقلةٍ تضم مختصين في الطب الشرعي، مع إنشاء قاعدة بيانات دقيقة بأعداد المفقودين وظروف اختفائهم، فالقضية لم تعد إنسانيةً فحسب، بل أصبحت معياراً لصدقية الخطاب السياسي وقدرته على حماية مجتمعه.
في هذا السياق، يُطرح اسم نيجيرفان بارزاني بوصفه شخصيةً يمكن أن تضطلع بدور الوسيط أو الضامن، بحكم موقعه الرسمي في رئاسة إقليم كوردستان العراق، وعلاقاته الإقليمية والدولية، إن تدخلاً من هذا النوع – إن حصل – لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره اصطفافاً سياسياً، بل كمسعىً لتكريس حدٍّ أدنى من المعايير الإنسانية في ملفٍّ بالغ الحساسية.
غير أن أزمة الأسرى ليست منفصلةً عن التحول الأوسع في موقع الكورد في سوريا، فمنذ بروز قوات سوريا الديمقراطية لاعباً رئيسياً في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (د.ا.ع.ش)وبدعمٍ من التحالف الدولي، بدا أن ثمة فرصةً تاريخيةً لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف في الدولة السورية، لكن تعقيدات المشهد الإقليمي، وتبدّل أولويات القوى الكبرى، وتآكل الزخم العسكري، أعادت رسم الحدود الواقعية للدور الكوردي.
الاتفاقيات الأخيرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية – مهما كان توصيفها – تعكس انتقالاً من موقع “الورقة الصعبة” في التفاوض الدولي، إلى موقع الباحث عن تسويةٍ تحفظ ما يمكن حفظه، وهنا يبرز السؤال القيادي: هل كانت الخيارات المطروحة محدودةً إلى هذا الحد؟ أم أن خللاً في إدارة الملفين العسكري والمدني ساهم في تضييق هامش المناورة؟
إن النقد السياسي الرصين يقتضي التمييز بين العوامل البنيوية الخارجة عن الإرادة، وبين الأخطاء الذاتية في القرار، فالتعويل المفرط على دعمٍ خارجي غير مضمون الاستمرارية، وإهمال بناء قنوات تواصلٍ سورية داخليةٍ أوسع، وتراجع الخطاب الجامع لصالح خطابٍ فئويٍّ أو أيديولوجيٍّ، كلها عناصر قد تكون أسهمت في تآكل الموقع التفاوضي، كما أن الانشغال بالصورة الخارجية – عبر زياراتٍ ولقاءاتٍ رمزية – دون ترجمةٍ عمليةٍ إلى مكاسبٍ ملموسةٍ على الأرض، عمق الفجوة بين الخطاب والواقع.
يبقى ملف الأسرى، في هذا الإطار، اختباراً مركزياً لمدى قدرة القيادة على إعادة ترتيب الأولويات، فحماية حياة المقاتلين وكرامتهم بعد الأسر ليست مسألةً عاطفيةً، بل جزء من العقد المعنوي بين القيادة وقواعدها، وأي شعورٍ بأن هذا العقد قد اختل ينعكس مباشرةً على الثقة، والشرعية، والقدرة على الحشد.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعةً شاملةً وهادئةً، لا تقوم على التخوين أو الانفعال، بل على تقويمٍ مؤسسي للخيارات والسياسات، المطلوب ليس فقط لجنةً لتقصي مصير المفقودين، بل أيضاً إعادة بناء آليات القرار، وتعزيز الشفافية، وإشراك نخبٍ قانونيةٍ وحقوقيةٍ مستقلةٍ في رسم السياسات ذات الصلة بالقانون الدولي الإنساني.
لقد كان الكورد في سوريا، في لحظةٍ ما، رقماً صعباً في معادلةٍ إقليميةٍ معقدة، يمتلكون هامش تأثيرٍ واسعاً، وأوراق ضغطٍ حقيقيةء أما اليوم، فإن التراجع في المكانة والدور لا يمكن تفسيره حصراً بحتميات الجغرافيا أو تقلبات المصالح الدولية، بل يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة الإدارة السياسية والعسكرية التي تولّت دفة القرار، وإن الأداء الذي قدمته القيادة المرتبطة بـ قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب مسؤولي الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، يكشف عن خللٍ بنيوي في تقدير المراحل، وإدارة التحالفات، وترتيب الأولويات.
ففي اللحظات المفصلية، لم تُحسن هذه الإدارة تحويل المكاسب العسكرية إلى ضمانات سياسية مستدامة، ولم تنجح في بناء منظومة مؤسساتية شفافة قادرة على احتواء النقد أو تصحيح المسار، كما أن الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف الأسرى والاتفاقات مع دمشق، أُديرت بقدرٍ من الغموض والارتجال أضعف الثقة الشعبية ووسع الفجوة بين القيادة والمجتمع.
إن استعادة الموقع المفقود – إن كان ذلك ممكناً – لن تتحقق عبر الخطاب التعبوي أو إعادة إنتاج الشعارات، بل عبر مراجعةٍ جذريةٍ تعترف بالفشل قبل البحث عن مخارج، فالمشكلة لم تعد في حجم التحديات فحسب، بل في كيفية إدارتها، وبدون هذه المراجعة الصريحة، سيبقى السؤال معلقاً: هل كان التراجع نتيجة ضغطٍ خارجي لا يُقاوم (إتفاقية باريس) أم حصيلة إدارةٍ أخفقت في قراءة اللحظة التاريخية وأهدرت فرصةً نادرة؟