بين قطيع يلماز غوني وقطيع أوجلان

Hosheng Ossi‎

هوشنك أوسي

سنة 1978 كان الروائي والسينمائي والممثّل الكردي يلماز غوني (Yılmaz Güney) معتقلاً في سجن إزمير، هناك كتب سيناريو أحد أروع أفلامه؛ القطيع (Sürü) وأخرجه Zeki Ökten بتوجه من غوني نفسه.

القطيع؛ فيلمٌ اجتماعي – سياسي رصد حالات الفقر والجهل والبؤس التي كان يعاني المجتمع الكردي في تركيا. يحكي قصة عائلة كردية، على خلفية ثارات قبليّة، تغادر قريتها وتنقلها قطيعها على متن القطار إلى اسطنبول كي تبيعه. حصل الفيلم على جوائز عالمية وتركية.

نهاية 1978، وتحديدًا في 27 نوفمبر منه، أسس عبدالله أوجلان جماعته الحزبيَّة الإيديولوجيَّة، تحت رقابة ودعم المخابرات التركيّة، (وهذا ما اعترف به أوجلان نفسه في العديد من كتبه أثناء تواجده في دمشق، على أن الدولة التركيّة كانت ممثلة في الحزب عبر شخصيتيّ كسيرة يلدرم، طليقة أوحلان، ونجاتي كايا – بيلوت). في الأشهر الماضية، عبر اجتماع أوجلان مع وفد البرلمان التركي، كشف عن علاقته بحزب الحركة القوميّة، وتحديدًا منظمة الذئاب الرماديّة الإرهابيّة المتطرّفة، أثناء تواجد أوجلان في أنقرة سنة 1969، قبل التحاقه بجامعة أنقرة سنة 1971.

تلك الجماعة التي أسسها أوجلان حملت اسم حزب العمال الكردستاني PKK، بدعم ورصد ورعاية من الاستخبارات التركية، كشف عنها صحفيون أتراك مقربون من الجيش وهيئة الأركان ودوائر صنع القرار الأمني في تركيا، فضلاً عن ضبّاط متقاعدين، قبل أن يكشف أوجلان نفسه عن ذلك. لكن، الجماعة الأوجلانيَّة، وصفت تلك المقالات والكتب بـ”الحرب الخاصّة” التركيَّة!

تلك الجماعة جذبت إليها قطاعات واسعة من الطبلة والشباب الكرد، تحت تأثير الشعارات القومية واليسارية البرَّاقة الداعية إلى تحرير كردستان وتوحيدها وإقامة نظام اشتراكي علماني يساري تحرري وطني قومي… يضم أجزاء كردستان الأربع. اعتبرت الجماعة نفسها البديل التاريخي الوحيد والفريد عن كل الأحزاب الكرديَّة، والبديل اليساري الاشتراكي العلمي الحقيقي عن كل الأحزاب اليساريَّة والشيوعيَّة في كردستان وتركيا والشرق الأوسط والعالم. وهكذا، تعزز الوهم التمثيلي للجماعة الـ PKK ـية، فصار أنصارها أو القطيع الذي يعيش في أوهام وخرافات حظيرتها وإسطبلاتها يجدون حزبهم خير من تمثّل الإسلام والأديان الإبراهيميّة، وخير من تمثّل اليسار والقوى الثوريّة الاشتراكيّة، وخير من تمثّل الديمقراطيَّة… وهكذا دواليكم.

تحوّلت تلك الجماعة المريضة بأوهام العظمة والتفرُّد والتميُّز التاريخي والكوني إلى ظاهرة قطيعيّة إيديولوجيّة مهولة ومرعبة، مرياعها الإيديولوجي أوجلان، وتنظر إلى أيّ شخص ينشق عنها أو يقف خارجها أو ينتقدها، على أنّه خائن وعميل للدولة التركية. في حين تأسيس الجماعة نفسها، كان تحت رقابة وتمويل الدولة التركية، بحسب تصريحات أوجلان نفسه، كما أسلفت.

سنة 1982، بدأ أوجلان بتصفية معارضيه ومنتقدي دكتاتوريته التي بدأت تظهر وتطفو على سطح أداء الحزب. هكذا، ربط الحزب كمؤسسة بشخصه على جماجم رفاقه الذين أسسوا الحزب معه، ودشَّنَ قطيعه الخاصّ به الذي ابتلع أيّة بادرة نقديّة إصلاحيّة داخل الحزب، حتّى يومنا هذا. وعليه، القطيع الذي أسّسه أوجلان ورعاه وغذَّاه بدعم من الأنظمة في سوريا وإيران وتركيا، وبفضل ثلة من أزلام اوجلان، أفرغ الحزب من أيّ جوهر أو محتوى تحرري وطني كردي، وحوّل الجماعة إلى قطيع موتور مسعور مهووس بأوجلان وخزعبلاته وأيّ كلام مجنون ركيك ومتهافت يصدر منه يراه القطيع خير الكلام وسيّد الكلام وزعيمه، وعصارة الفكر والمعرفة والفلسفة عبر التاريخ.

الحالة القطيعيّة العمياء الببغائيَّة الروبوتيَّة في الجماعة الأوجلانيَّة تجاوزت بكثير الحالة القطيعيّة الستالينيّة والهتلريَّة والصدّاميّة والقذّافيَّة والأسديَّة. لماذا أقول ذلك؟ لأنّ أوجلان منذ عام 2000 تخلَّى عن كل طروحاته السابقة عن الدولة والقوميّة، وغادر العلف الإيديولوجي الشعاراتي الذي كان يعطيه لقطيعه، لكن ما يزال القطيع محافظًا على ذلك التصوّر الأوّلي عن أوجلان بوصفه زعيمًا ثوريًّا قوميًّا تحرريًّا كردستانيًّا متخيّلاً!

أوجلان، وعبر كتبه وتصريحاته الكثيرة، يؤكّد لجماعته – قطيعه أنّه تغيّر وأصبح تركيًّا ألف بالمئة، بينما القطيع محافظٌ على خداع نفسه ويطمئنها بأوهام: “نحن لا نفهم القائد. القائد يخدع تركيا، يمارس التكتيك عليها، بينما هو، كما عرفناه كان وسيبقى كردستانيًّا قوميًّا، يريد تحرير واستقلال كردستان”! حالة من الانفصام والانفصال عن الواقع، الانقياد لأوهام القطيع الإيديولوجيَّة التي كانت موجودة في الثمانينيّات والتسعينيَّات من القرن المنصرم. قطيع يعيش في الماضي الأوجلاني، بينما الحاضر الأوجلاني شديد الوقاحة في الخذلان والإذعان والتبعيَّة للدولة العميقة في تركيا.

دائمًا هناك صورة نمطيَّة نموذجيَّة ورديَّة رومانسيّة متخيّلة عن أوجلان مترسّخة لدى قطيعه الذي يتبعه. تلك الصورة، غذَّتها وعزَّزتها الآلة الإعلاميَّة للحزب، عبر الأغاني والأفلام الوثائقيّة والكتب، في حين ظهرت فيديوهات لأوجلان، تؤكّد لقطيعه أن فهمهم له مغلوط ومزيّف ومختلق ومتوهَّم. لكن القطيع يرفض التحرر والخلاص من أوهامه عن أوجلان القومي التحرري الثوري، وأنّه سجين وأسير، وفيلسوف، وعالم، وقائد أممي عالمي كوني… وكبرى الجامعات تدرِّس أفكاره!

حالة من الجنون والهستيريا الإيديولوجيَّة الشديدة الغباء والعماء يعيشها قطيع أوجلان، ومستمتع بها، وكل من يحاول إيقاظ القطيع وإنقاذه منها، يتحوّل قطيع الحملان والخراف الديمقراطيَّة الأوجلانيَّة إلى قطيع من الذئاب الرماديَّة الطورانيَّة الأتاتوركيَّة الفاشيَّة وينقضون عليك بلا رحمة أو هوادة.

سابقًا كان أوجلان ينتقد عمليّات الصهر القومي للكرد في البوتقة التركيّة والعربيّة والفارسيّة. والآن يدعو إلى “الاندماج الديمقراطي”، يعني الصهر القومي الطوعي للكرد في الدولة التركيّة والدول الأخرى. طبيعي أن طرح كهذا، سيفرح القوميين الترك والعرب والفرس. فما فشلت في تحقيقه أنظمة حافظ الأسد وصدام حسين والخميني وأتاتورك وأردوغان…، الآن أوجلان يريد تحقيقه لهم مجانًا ببلاش طواعية، وتحت غلاف جميل من شعار الديمقراطيّة. لذا، صرنا نسمع ونقرأ تلفيقات مفاهيميّة كـ”الإسلام الديمقراطي، الأمّة الديمقراطيّة، الجمهوريّة الديمقراطيّة… الكلسون الديمقراطي، التفاهة الديمقراطيّة، الزبالة الديمقراطيّة….الخ”، بينما القطيع مستمرّ في العمى والغباء وهستيريا الأوهام والتصوّرات البطوليّة المتخيّلة عن أوجلان.

القطيع لا يسأل: لماذا زعيمهم حتّى هذه اللحظة، لا يجيد الكتابة باللغة الكرديّة، لغة الشعب الذي يفترض أن أوجلان قائده؟!

القطيع لا يسأل نفسه: لماذا لم يُضرِب أوجلان يومًا واحدًا عن الطعام في “سجنه” إذا كانت أوضاعه سيّئة؟!

القطيع لا يسأل نفسه: أيعقل أن يكون كل من عارض أوجلان داخل الحزب من القيادات – وهم بالعشرات – كلهم خونة وعملاء لتركيا واستخباراتها، بينما أوجلان الذي يعترف بعلاقته مع الاستخبارات التركيّة وحزب الحركة القوميّة التركيّة ومنظمة الذئاب الرماديّة…، هو وحده الوطني؟!

لا يسأل القطيع نفسه: كيف لزعيم قومي كردستاني، أن يناهض الحقوق القوميّة الكرديّة: حكم ذاتي، الفيدراليّة، الاستقلال، ويعتبر الحقوق القوميّة أشياء متخلّفة بالية، بينما الصهر والاندماج في تركيا هو قمّة الوعي والحداثة والتطوّر الاجتماعي الديمقراطي؟! كيف لزعيم قومي كردستاني أن يمدح قتلة الكرد كمصطفى كمال أتاتورك وحافظ الأسد والخميني، ويقلل من شأن شيخ سعيد وقاضي محمد والملا مصطفى بارزاني ومسعود بارزاني؟!

والحال هذه، “قطيع” يلماز غوني في فيلمه الرائع، كان حالة إبداعيَّة نقديَّة اجتماعيَّة – سياسيَّة – اقتصاديَّة لتركيا الدولة والسياسة والعقيدة التتريكيَّة، بينما قطيع أوجلان، هو ترسيخ وتكريس للعبوديَّة والهمجيَّة والتبعيَّة العمياء للدولة التركيَّة، عبر التبعيَّة لورقتها الرابحة التي اسمها عبدالله أوجلان، وجماعته القطيعيَّة السياسيَّة التي اسمها حزب الاستعمال الكردستاني.

18/2/2026

 

https://www.facebook.com/hosheng.ossi/posts/

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ليست المشكلة في كثرة الأحزاب بحد ذاتها، فالتعددية السياسية قد تكون علامة صحة في المجتمعات الديمقراطية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد دكاكين سياسية، لا همّ لها سوى اقتناص حصتها من المال السياسي، والاتجار بمعاناة الناس، واستثمار القضية الكوردية لتحقيق مكاسب ضيقة لا تمت إلى المصلحة العامة بصلة. في روجافاي كوردستان، تجاوز عدد الأحزاب المئة، لكن…

شادي حاجي تُطرح فكرة المواطنة المتساوية في سوريا بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب تعددها القومي والديني والطائفي. لكن هذا المفهوم يبقى عرضة للتأويل وسوء الفهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية. فماذا تعني المواطنة المتساوية للكُرد؟ وهل تقتصر على منحهم الوثائق الرسمية والاعتراف بهم كمواطنين أمام القانون، أم أنها تتجاوز ذلك إلى الاعتراف بهم…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن الظروف والتحديات والمتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي رافقت قيام الدولة سوريا الحديثة منذ عشرينات القرن المنصرم خلال الاستعمار الفرنسي، لا يمكن من خلالها القفز فوق الحقائق المثبتة بوقائع الأحداث؛ الا وهي مشاركة الشعب الكُردي جميع المكونات السورية فكرة بناء وتأسيس الدولة السورية الحديثة، ولطالما حاول نظام البعث المنطلق من مبادئه…

تتابع الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي في سوريا بقلق بالغ وإدانة شديدة استمرار الاعتداءات والقصف الذي يتعرض له إقليم كوردستان العراق، ولا سيما المناطق الحدودية ومخيمات اللاجئين الكرد من شرق كردستان، على يد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له، في انتهاك صارخ لسيادة جمهورية العراق والقانون الدولي، واستهدافٍ مباشر للمدنيين واللاجئين. إن هذه الهجمات، التي تطال إقليماً شكّل ملاذاً آمناً…