إشكالية الديمقراطية في الفكر السياسي

عاصم أمين

تُعدّ الديمقراطية إحدى أكثر المفاهيم السياسية إثارةً للجدل في التاريخ الإنساني، فهي ليست مجرد آلية لانتخاب الحكام، بل رؤية فلسفية للإنسان والمجتمع والسلطة. نشأت فكرتها الأولى في أثينا اليونانية القديمة، حيث ارتبطت بفكرة مشاركة المواطنين الأحرار في اتخاذ القرار، لكنها تطورت عبر القرون لتصبح نظاماً معقداً يقوم على التعددية وادارة الاختلاف، وسيادة القانون، وحماية الحقوق الفردية. في مقابلها تقف” اللاديمقراطية” بأشكالها المتعددة، من الاستبداد الفردي الفاشي إلى الأنظمة الشمولية الديكتاتورية، حيث تتركز السلطة في يد شخص أو نخبة ضيقة، وتُقصى الإرادة الشعبية من صناعة القرار. وبين هذين النموذجين يتشكل صراع فلسفي عميق حول معنى الحرية وحدود السلطة وطبيعة الإنسان نفسه.

ترتكز الديمقراطية فلسفياً على فكرة كلية شمولية وبتعبير ارسطو طاليس  “أن الإنسان حيوان او( كائن) عاقل” قادر على تقرير مصيره، وأنه لا يجوز أن يُحكم إلا برضاه. وقد بلور فلاسفة مثل الفيلسوف الانكليزي في القرن السابع عشر “جون لوك” مفهوم العقد الاجتماعي باعتباره اتفاقاً بين الأفراد على إقامة سلطة تحمي حقوقهم الطبيعية في الحياة والحرية والملكية. فالدولة في هذا التصور ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة الإنسان، وتفقد مشروعيتها إن اعتدت على حقوقه. ثم جاء الفيلسوف السويسري” جان جاك روسو” في منتصف القرن الثامن عشر ليؤكد أن السيادة للشعب، وأن الإرادة العامة هي مصدر الشرعية السياسية. وبهذا أصبحت الديمقراطية مرتبطة بفكرة المشاركة والمساءلة والتمثيل، لا بوصفها إجراءً تقنياً فحسب، بل تعبيراً عن كرامة الإنسان واستقلاله.

غير أن الديمقراطية ليست نظاماً مثالياً خالياً من الإشكالات. فقد حذر الفيلسوف اليوناني” أفلاطون” في جمهوريته من تحول الديمقراطية إلى فوضى تحكمها أهواء العامة، معتبراً أنها قد تنقلب إلى طغيان إذا سيطر الدهماء على القرار. هذا النقد يكشف عن توتر دائم في الديمقراطية بين “الحرية والنظام”، وبين ( حكم الأغلبية وحماية الأقليات). فإذا كانت الأغلبية تملك حق اتخاذ القرار، فكيف نضمن ألا تتحول إرادتها إلى أداة لقمع المختلفين؟ هنا تتجلى أهمية الدساتير والفصل بين السلطات واستقلال القضاء، بوصفها آليات تحدّ من استبداد الأغلبية وتحمي التوازن بين الحرية والمسؤولية.

في المقابل، تقوم” اللاديمقراطية” على تصور مغاير لطبيعة الإنسان والسلطة. فهي تنطلق غالباً من فكرة أن الناس غير قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وأنهم بحاجة إلى قائد قوي يوجههم ويحافظ على الاستقرار. قد تتذرع هذه الأنظمة بالكفاءة أو الأمن أو الوحدة الوطنية لتبرير احتكارها للسلطة، لكنها في جوهرها تنزع عن الفرد حق المشاركة والمساءلة. في الأنظمة الشمولية ، لا يقتصر الأمر على غياب الانتخابات الحرة، بل يمتد إلى السيطرة على الفكر والإعلام وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. وهنا تتحول السياسة: من مجال للنقاش العام إلى أداة للهيمنة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال اللاديمقراطية في صورة واحدة جامدة ، فهي تتراوح بين أنظمة استبدادية قمعية وأخرى سلطوية توفر قدراً من الاستقرار الاقتصادي مقابل تقييد الحريات السياسية. وقد يرى بعض المدافعين عنها أن الأولوية للتنمية أو الأمن، وأن الديمقراطية قد تؤدي إلى انقسامات أو صراعات داخلية. لكن هذا الطرح يثير سؤالاً أخلاقياً: هل يمكن التضحية بالحرية مقابل الاستقرار؟ وهل الاستقرار الحقيقي يقوم على القمع أم على الرضا الشعبي؟ (التجارب التاريخية تشير إلى أن غياب المشاركة يولد الاحتقان، وأن القمع قد يؤجل الأزمات لكنه لا يلغيها).

الديمقراطية، من جهة أخرى، ليست ضمانة تلقائية للعدالة أو الرخاء. فقد تفشل في تحقيق التنمية إذا غابت الشفافية أو ساد الفساد، وقد تُستغل المؤسسات الديمقراطية لخدمة مصالح ضيقة. لكن ميزتها الأساسية تكمن في قدرتها على التصحيح الذاتي، إذ تسمح بتداول السلطة ومحاسبة المسؤولين وتغيير السياسات عبر الوسائل السلمية. إنها نظام يعترف بإمكانية الخطأ ويتيح معالجته، بينما تميل اللاديمقراطية إلى إنكار الخطأ أو قمع من يكشفه.

في العمق، ( يكمن الفرق الفلسفي بين الديمقراطية واللاديمقراطية) في النظرة إلى الإنسان: هل هو مواطن حر و فاعل أم تابع وعبد مطيع؟ الديمقراطية تفترض أن الحرية شرط أساسي لازدهار الإنسان، وأن المشاركة السياسية امتداد لكرامته. أما اللاديمقراطية فترى أن النظام يتحقق عبر التركيز الشديد للسلطة، ولو على حساب الحرية. وبين هذين التصورين تتحدد طبيعة المجتمع إما فضاء مفتوح للحوار والتعدد، أو بنية مغلقة تُفرض فيها الحقيقة من أعلى.

إن الجدل بين الديمقراطية واللاديمقراطية ليس صراعاً بين شكلين إداريين فحسب، بل مواجهة بين (فلسفتين في فهم السلطة والإنسان). قد تتغير الأسماء والأنظمة، لكن السؤال يبقى قائماً : من يملك الحق في الحكم، وماهي حدوده؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط شكل الدولة، بل ترسم ملامح الحياة الإنسانية ذاتها، بين أفق الحرية وظلال الهيمنة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

Hosheng Ossi‎ هوشنك أوسي سنة 1978 كان الروائي والسينمائي والممثّل الكردي يلماز غوني (Yılmaz Güney) معتقلاً في سجن إزمير، هناك كتب سيناريو أحد أروع أفلامه؛ القطيع (Sürü) وأخرجه Zeki Ökten بتوجه من غوني نفسه. القطيع؛ فيلمٌ اجتماعي – سياسي رصد حالات الفقر والجهل والبؤس التي كان يعاني المجتمع الكردي في تركيا. يحكي قصة عائلة كردية، على خلفية ثارات قبليّة، تغادر…

شيرزاد مامساني / رئيس شبكة التحالف الإسرائيلي الكردي، ومساهم في أخبار إيست ميد ما يعرض في هذا المقال ليس اختلاقا ولا خيالا سياسيا، بل هو قراءة تحليلية تستند إلى نصوص أصلية مقتبسة حرفيا من فكر وفلسفة زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK) عبد الله أوجلان، كما وردت في كتابه «دفاعي: نقطة تحول على طريق الحل الديمقراطي»، إضافة إلى وثائق…

صلاح بدرالدين طبيعة الصراع الكردي – الكردي ومسألة الاختلاف بالرأي المجتمع الكردي السوري مثل أي مجتمع في العالم يضم طبقات اجتماعية ، وفئات ، ومدن ، وارياف ، وداخل ، وخارج ويتعايش الجميع مع وجود تضارب بالمصالح ولكن ليس الى درجة التضاد او الصراع التناحري ، واقعه هذا يعكس على الصعيد السياسي تباينات في الرؤا والمواقف ، حول مختلف القضايا…

ماهين شيخاني   المصيبة ليست في أن يخسر شخصٌ في انتخابات مؤتمر… فهذه سنة العمل الديمقراطي، يوم لك ويوم عليك. المصيبة الحقيقية تبدأ حين تتحول الخسارة إلى مشروع تكتل، وتصبح النتائج الشرعية ذريعة لإشعال الفوضى. فجأة، وبعد إعلان النتائج، نرى من التفّ حوله؟ أشخاص تحيط بهم عشرات علامات الاستفهام تنظيمياً. من لم يلتزموا باجتماعاتهم الدورية. من غابوا عن ساحات العمل…