جان دوست وحرائق “النقاء الثقافي”هل أصبحت العودة إلى دمشق خيانة؟

حميد كوره جي

يعيش المثقف الكردي السوري اليوم بين مطرقة الاستبداد وسندان “التفتيش في النوايا”. ولعل الحملة الشعواء التي طالت الروائي الكردي البارز جان دوست، إثر مشاركته وافتتاحه للجناح الكردي في معرض دمشق الدولي للكتاب، تقدم لنا نموذجاً فجاً لكيفية انزلاق “السياسوي” على حساب “الثقافي”، وكيف تتحول أدوات التنوير إلى وقود في محارق الاستقطاب الأيديولوجي.

عن أي دمشق نتحدث؟

يتناسى المهاجمون، والذين ينطلق أغلبهم من رؤى ضيقة أو مزايدات عابرة للحدود، أن دمشق ليست مُلكاً لسلطة عابرة أو فصيل متطرف؛ بل هي الحاضنة التاريخية التي شهدت ولادة النهضة الكردية الحديثة. ففي أزقتها وتحت فيء جبل قاسيون، أطلق الأمير جلادت بدرخان مجلة “هاوار” عام 1932، وهناك صِيغت الأبجدية الكردية اللاتينية التي يكتب بها بعض هؤلاء المهاجمين اليوم.

إن وجود جناح للكتاب الكردي في قلب دمشق ليس “صك غفران” لأي جهة، بل هو استرداد لمجال حيوي سُلب من الكرد لعقود. إنها معركة “تثبيت وجود” في النسيج الوطني السوري، وانتزاع للاعتراف بالهوية الثقافية في عقر دارها. فهل المصلحة الكردية تقتضي إخلاء الساحة وترك العاصمة لقمة سائغة لتيارات التطرف والظلام، أم تقتضي فرض اللون الكردي في المشهد العام؟

مفارقة “بغداد” ودروس التاريخ

من المثير للسخرية أن يأتي الهجوم من أصوات تنعم بمنجزات “المجمع العلمي الكردي” واتحاد الأدباء الكرد ، ودار الثقافة الكردية ، كلها في بغداد إضافة إلى عشرات الصحف والدوريات أهمها اصدار صحيفتين يوميتين باللغة الكردية ولأول مرة في التاريخ الكردي. هؤلاء يتناسون أن أرقى القواميس والدراسات الكردية الرصينة طُبعت ونُشرت في العاصمة العراقية في عز الأزمات السياسية. حينها، لم يُتهم أدباء الكرد بالخيانة، بل اعتُبروا “فدائيي اللغة” الذين اخترقوا المركز لفرض الهوية.

لماذا يُراد للمثقف الكردي السوري أن يظل مغترباً أو هائماً في المنافي؟ ولماذا يُحرم من حقه في إيصال نتاجه الأدبي، مثل روايتي “ميرنامه” و”عشيق”، إلى القارئ السوري الذي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى التعرف على جاره الكردي من خلال الأدب لا عبر فوهات البنادق؟

جان دوست: الأدب كفعل مقاومة

إن وصول رواية جان دوست ” الأصير الفرنسي” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لم يكن وليد صدفة، بل هو ثمرة استقلالية فكرية ترفض الارتهان لضجيج السلاح. إن ما يفعله دوست هو تحويل الأدب إلى “برلمان بديل”؛ ففي اللحظة التي تغيب فيها الحقوق السياسية، تصبح الرواية هي الوثيقة التاريخية، وتصبح اللغة هي الحصن الأخير ضد الاندثار.

إن محاولة اغتيال جان دوست معنوياً هي محاولة لضرب مفهوم “المثقف المستقل”، ودفعه نحو التقوقع داخل جيتوهات أيديولوجية تخدم “تجار الحروب” ولا تخدم الثقافة. اللغة الكردية ليست ملكاً لحزب أو فليق، بل هي إرث إنساني يجب أن يتنفس في دمشق وبغداد وطهران وأنقرة كحق قانوني وتاريخي.

ما قام به جان دوست هو خطوة استراتيجية شجاعة نحو “تطبيع” الوجود الكردي في الفضاء السوري العام. إنها رسالة للمستقبل بأن الأنظمة والوجوه تتغير، لكن اللغة والأدب هما الثوابت التي تبني الجسور بين الشعوب.

إن التضامن مع جان دوست هو تضامن مع حق التنوع ضد أحادية الفكر، وتضامن مع سوريا التعددية التي تسع الجميع. فليخرس الرصاص، وليرتفع صوت الكتاب؛ فدمشق كانت وستبقى عاصمة لكل السوريين، بمختلف لغاتهم وأحلامهم.

 

https://www.facebook.com/hkashkoli/posts/

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

Hosheng Ossi‎ هوشنك أوسي سنة 1978 كان الروائي والسينمائي والممثّل الكردي يلماز غوني (Yılmaz Güney) معتقلاً في سجن إزمير، هناك كتب سيناريو أحد أروع أفلامه؛ القطيع (Sürü) وأخرجه Zeki Ökten بتوجه من غوني نفسه. القطيع؛ فيلمٌ اجتماعي – سياسي رصد حالات الفقر والجهل والبؤس التي كان يعاني المجتمع الكردي في تركيا. يحكي قصة عائلة كردية، على خلفية ثارات قبليّة، تغادر…

شيرزاد مامساني / رئيس شبكة التحالف الإسرائيلي الكردي، ومساهم في أخبار إيست ميد ما يعرض في هذا المقال ليس اختلاقا ولا خيالا سياسيا، بل هو قراءة تحليلية تستند إلى نصوص أصلية مقتبسة حرفيا من فكر وفلسفة زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK) عبد الله أوجلان، كما وردت في كتابه «دفاعي: نقطة تحول على طريق الحل الديمقراطي»، إضافة إلى وثائق…

صلاح بدرالدين طبيعة الصراع الكردي – الكردي ومسألة الاختلاف بالرأي المجتمع الكردي السوري مثل أي مجتمع في العالم يضم طبقات اجتماعية ، وفئات ، ومدن ، وارياف ، وداخل ، وخارج ويتعايش الجميع مع وجود تضارب بالمصالح ولكن ليس الى درجة التضاد او الصراع التناحري ، واقعه هذا يعكس على الصعيد السياسي تباينات في الرؤا والمواقف ، حول مختلف القضايا…

ماهين شيخاني   المصيبة ليست في أن يخسر شخصٌ في انتخابات مؤتمر… فهذه سنة العمل الديمقراطي، يوم لك ويوم عليك. المصيبة الحقيقية تبدأ حين تتحول الخسارة إلى مشروع تكتل، وتصبح النتائج الشرعية ذريعة لإشعال الفوضى. فجأة، وبعد إعلان النتائج، نرى من التفّ حوله؟ أشخاص تحيط بهم عشرات علامات الاستفهام تنظيمياً. من لم يلتزموا باجتماعاتهم الدورية. من غابوا عن ساحات العمل…